مكمن الابداع الشعري في أنثى شكر الصالحي

مكمن الابداع الشعري في أنثى شكر الصالحي
جمر الصبر يتساقط على كف الشاعر
خليل ابراهيم المشايخي
صدر عن دار تموز للطباعة والنشر » دمشق ــ ديوان سأراها أنثى للشاعر المبدع شكر الصالحي، عام 2011 .. ضمَّ 36 نصا شعريا ..
سنبدأ قراءتنا من العنوان الذي منحته أنامل المبدعة الرسامة أمينة صلاح الدين بعدا رمزيا حيا أضفى على العنوان حياة نابضة بالشاعرية، مزدانة بهذا الوجه الملائكي الساحر الأخاذ ليستوقفك قبل أن تلج الى داخل الديوان .. كما يستوقفك العنوان الذي قد يثير اسئلة شتى منها لمَ جعل المنشيء الحدث خالصا للاستقبال للقريب ؟ أقصد أنه سيراها أنثى في المستقبل القريب أمْ أراد شيئا أبعد من ذلك أشار اليه رمزا .. ولِمَ….؟ ، يبدأ الشاعر نصه بهدوء تام بدأه باسم نكره موصوفة ليجعله سند لمسند اليه محذوف يمكن للمتلقي تقديره، يقول الشاعر
سمك
يلبط في النهر
كالأفعى
ونشيج صبايا
ودموع
سلُ
وسكارى
وأغاني حنين
في ليل موجوع
لقد حاول الشاعر بخبرته الشعرية وابداعه أن يكسب نصه رصيدا من الحركة داخل المضمون باستظهار المسند وحذف المسند اليه كما ذكرنا لأنه أراد أن يعطي للمسند من خلال كلامه هذا صيغة الثبوتية لاغير .. وأراد أن يلتقط الحدث من خلال الصدمة التأتي أوردها عن عمد على صورة ديناميكية حركية عبّر عنها بالحدث الدال على الحال والاستقبال يلبط الذي أحسن اختيار هذه اللفظة كابداع حقيقي، بعد أن التقط المسند سمك صورة استاتيكية ولكي يعطي للحدث قوّة وفاعلية وبعدا متخيلا لجأ الى الصورة والتشبيه كالأفعى ، ليكون قادرا على خلق مكونات بنائية من خلاله لاعادة انتاج الواقع بابراز صورة ابداعية حية، عامدا من خلالها أن يرتسم في ذهن المتلقي المألوف من الحدث يلبط الذي يتناسب مع المشبه سمك المسند والمشبه به الأفعى وهو بلحاظ الطبيعة الادراكية لطرف التشبيه الحسي سمك كالأفعى ويبدأ بعدها باسم معطوف على المسند ثم باسم نكرة معطوف هو الآخر ليبين في ذلك حالة المعاناة التي كانت عليه .. بعدها يبدأ بمسند جديد يتبعه فراغ منقوط
سلّ وسكارى
وأغاني حنين
في ليل مفجوع
في بيوت مطفأة
لاتأكل الاّ
لتجوع
لقد بين الشاعر في هذا المقطع اشياء أخر من حالات المعاناة المرض، السكر، موالات حزينة ن ليل مفجوع ن لقد فعل ذلك ليضع المتلقي في قلب الاحداث وكأنه أراده أن يعيشها كما هي بهدوء تام وبهدوء وخبرة وموهبة عالية جعل الخبر المسند نكرة محصنة ليجعل من خلاله الثبوت صفة لازمة للمسند وبابداع حقيقي جعل الشاعر المسند المعطوف وبيوت مطفأة نكرة مخصصة بالاضافة اولا ثم بالحدث الذي استخدم معه اسلوب القصريقصر الحدث على الفضلة التي جعلها بؤرة التركيز ليجعل عباراته اكثر تماسكا ووقعا بلاغيا ودلاليا حين عمد الى اسلوب القصر بالنفي والاستثناء لاتأكل الا لتجوع ليجعل البيوت التي يتحدث عنها ويروم تصويرها اكثر نهما حين خالف الثابت في الاشياء
لقد رسم الشاعر صورة حيّة نابضة بريشة رسام بارع استمد صورته من تراث سفري عريق، هذا ما زاد عبارته نضارة والقا ومنحها ديمومة الحياة لتبقى خالدة .. رسم لوحاته باقتدار فنان دون انتهاك القيم الراسخة التي تضمن خلود الشعر. نصوص ديوان سأراها أنثى ان هي الا تأنق في التعبير باقتدار عال من خلال موهبة مبدعة وتجربة فذة الانجاز بعيدا عن السحرية المفتعلة بجعل العبارة تتقطع اوصالها بالبياض الغير مبرر لو تجمعت هذه الاوصال لتحققت سحرية العبارة البعيدة من اللهاث المتعب غير المجدي وكأنه عمد في بعض نصوص لاسيما النصين الاوليين الى تحنيط عباراته السحرية بقطع اوصالها بتقنية افقدها احيانا الومضة الشعرية الدافقة التي تميز بها الشاعر من سواه من ذلك قوله
منذ
آلاف
القرون
هذه الارض
على
قرن
تدور
كيف يمكن للمتلقي الوقوف على المضاف منذ دون المضاف اليه أي دون ان يواصل تعبئته لما هو تابع له الاسم النكره، ان التعبئة بالبياض على نية ترك المتلقي يذهب بعيدا في تصوراته أو تأويلاته حتى ياتي الى المتبوع او فصل حرف الخفض وحده عن متبوعه الاسم المجرور،قد تجد ذلك في نصوص تكاد تخلو من أي ابداع او معنى او هدف ولكن في نصوص المبدع الحق لاتجد ذلك ضرورة لانشاء نص مبدع ..
سأراها أنثى نص ابداعي حقا أراد به أن يستولد البنية الجمالية والأدبية من خلال اعتبار ان اصل المراد البنية الوافية التي تدخلها التحولات العميقة التي استولدت هذه البنى
اختلف الناس
نشاتها
ونزول مشيمتها
وسطوع هويتها
وآجر منارتها
انّ مقتضى اثر العلامة يتجدد بالبداية النشاة ولأنَّ المفردة علامة على مصادرة الرؤية العربية للمشهد كما ذكر ذلك د. سعد كموني فأنَّ الشاعر الصالحي قاده ابداعه الى انتقاء هذه المفردة لتؤدي هذه الرؤية، ويتجلى في ذلك مكمن الابداع الشعري الذي تجده نابضا حيا في اغلب نصوصه التي تعثر فيها على مكمن الجمال الخلاق، وهذا مافجره حرف النون والشين والهمزة والتاء في المفردة علامة على مصادر الرؤية ولاحساسها فالشاعر بموهبة عالية قدّم مفردة نشاتها كعلامة على بداية الجسد المضمخ بالطيب والطيبة والنقاء
لكن الناس
لن يختلفوا
في فيض مودتها
وبقاء سريرتها
عمد الشاعر بذكاء الى استنطاق حرف مشبه بالفعل الذي يفيد الاستدراك لأن الشاعر مسكون بالمتلقي كما أن النص مسكون بالشاعر فالشاعر المبدع كما قيل هو الذي يبقى حاضرا في النص الذي يبدعه فعمد الى نفي الاختلاف في فيض مودتها، ونقاء سريرتها لتكون هذه هي النشأة الحقيقية …فلا غرابة في أن نجد الشاعر ومن خلال لون ضفيرتها يصرح
سأراها أُنثى
وأسميها
ياعيني عليها
فتحية
وأخرى
تلك الجنية نورية
نلحظ أنَّ الموقف اقتضى من الشاعر ان يكون في تغبيره شيء من الدلالة الادائية التي لاتتسق الا بهذا التناسب بين مكنونات الكلام الذي انحرف الاستعمال في بنية النداء لخلق هذا الاسلوب المحبب القريب من النفس
وسأدعوها مرات امي
يرحمها الله
العلوية
نجد هذه المفردة العلوية في اغلب دواوين الشاعر ومن خلالها تتداعى الكثير من ذكريات العمر الذي كانت المعاناة وليدة ايامه وسنواته المرة مصرحا بالمكان بين الاحزان السدّة
في بيت
مكتئب الالوان
كان السيد
يفترش الهمّ
ويلتحف الاحزان
وقبل استفادة التجدد من الفعل الماضي كان قدم الشاعر الفضلة لاضفاء الهدوء على تعبيره وللتاكيد على مايريد ان يصرح به لانه يعلم بان بنية الفعل الماضي لاتنتج اكثر من الثبوت في الزمن الماضي، وان كان التجدد هو لازم للزمان، وببراعة ابداعية واضحة اعقب الحدث الماضي خبرا جملة فعلية فعلها دال على الحال والاستقبال لخلق عملية توليدية لدلالات جديدة، ويستمر في عملية الخلق فيعقبها بجملة جديدة اخرى حدثها للحال والاستقبال .. ولو تأملنا العبارة جيدا لعرفنا انّ الجملة الاولى هي بؤرة التركيز في الكلام لأن الغرض المسوق الذي اراده الشاعر هو الفضلة فلذلك قدمها الشاعر مع مايلحق بها ليجعل جملة كان … هي مصدر الاشعاع على البؤرة لرفع الضبابية من اركان الكلام، وتبين زوايا شبه الجملة ولم ينس الشاعر في خضم ذلك ان يضفي على انتمائه العائلي صفة دينية تشع ايمانا مادام الوالد يقرأ جلّ الوقت آيات من وحي الرحمن مما أضفى على منشئه صفة القدسية، فلاعجب حين عمد الى التقفية الالوان ــ الاحزان ــ الرحمن ــ الربان في هذا النص بخاصة لأنه يراها اكثر تاثيرا في نفس المتلقي،ويمضي الشاعر قدما في وصف حالة هجرة عائلته باسلوب محبب فيه شيء من التقريرية المقصودة، وببناء هندسي بارع يبني المقطع الاخير للنص بتراكيب شعرية بليغة مختارا هذه الالفاظ ليخلق في تفسيراته الشعرية مستويات متفاوتة في الدلالة والتاثير معا جاعلا من نبض الشعر ودفقه عاملا مساعدا ليتمكن من خلاله ان يعوم على رسم الكلمات التي احسن اختيارها لخلق ايقاع شعري اخاذ ساحر.
لقد افلح الصالحي في ان يضع المتلقي امام نصوص شعرية ابداعية تبرز فيها صور شعرية تنبض بالحياة بلوحات برع في رسمها بموسيقى شعرية جميلة ساحرة تملك عليك احساسك وتطوف بك في مجالات سحرية الهامية في غاية البهاء.
لقد كان الشاعر المبدع الصالحي في ديوانه سأراها أنثى هادئا وهذا مايتضح من خلال نصوصه الشعرية اذ بدأ اكثر من نصفها بداية هادئة بشهية جمله لينشيء نصوصا هادئة معبرة عما قاساه من معاناة وألم ومرارة … فلا عجب حين تجده قد صوّر ذلك في نصوصه الشعرية بصدق وعفوية ولغة شعرية صافية شفيفة تسير على نبض الروح وترنيمات الوجدان .
وبدأ في بعض نصوصه بقوة باستخدام الحدث كما في تقول لي ــ تسأل عن شجر الروح ــ مازلت ـــ قالت ـــ أشهد أني ـــ هب أنك ـــ لاتحسن الا نعم … وكأني به أراد أن يكسب نصوصه هذه مزيدا من القوة والحركة داخل المضمون كما نلحظ أن الشاعر التقط الحدث من الخارج وهو على صورة ديناميكية فلذلك عبر عنه بالحدث، كما نلحظ في كثير من نصوصه أثر التعبير القرآني من ذلك قوله
ياروح الروح وبنت العم
انتبذي ظلا
في أودية القلب
هزي بالنبض اليك
يساقط من جمر الصبر
عليك
/6/2012 Issue 4226 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4226 التاريخ 14»6»2012
AZP09