
مكاشفات نقدية لكريم شلال
قراءات في المنجز الثقافي والإبداعي
عقيل هاشم
صدر للكاتب كريم شلال عن (دار البصائر) مؤلف جديد بعنوان (مكاشفات نقدية) في نحو 184 ص من القطع المتوسط. ويعتبر هذا الكتاب محاولة جادة للرصد والنقد في عملية الكتابة التأملية في المنجز الشعري والسردي لمجموعة من الأدباء . ويضم هذا الكتاب مجموعة من الفصول المتصلة ببعضها البعض تتناول بالدراسة، من خلال العرض والنقد، بعض الأفكار والتصورات الأساسية التي اشتغل عليها المؤلف مثلما كانت مدار اجتهاداته في رصد كلما هو جديد ومؤثر في المشهد الأدبي ، من خلال الرؤية النقدية التي تبناها المؤلف في ترابط أكيد مع مقتضيات وشروط ما ضمنه هذا الكتاب .. وقد مهد المؤلف لمجموع فصوله المتنوعة التي يضمها الكتاب بمقدمة أوضحت فيه الشاعرة العراقية المغتربة في السويد (نادية عزيزة).. (أن كل محاولة لفهم أي عمل أدبي تأخذ حيزها في سياق الحكم على قيمة العمل ،وان تذوق أي عمل أدبي يتبع مضمون الافتراضية المتداخلة مع روح الكاتب ولحظة كتابة العمل الأدبي .نجد اليوم إن القارئ يمتلك وسيلة حرية النقد لأي نص يقع بين يديه ..الخ).
وبعد هذه المقدمة يضع المؤلف مدخلا جاء فيه (لعل المتابع للشعر العراقي ،لايجد صعوبة في تقصي حقيقة وجود طابع الشجن والاغتراب والحنين ،جلية في جسد القصيدة وهي حقيقة تمخضت عن تراكمات ثقيلة الإيقاع نتيجة أوضاع نسجتها الظروف القسرية أحاطت بالمشهد الأدبي عموما..الخ) ..
وتضمنت أقسام الكتاب (مكاشفات في الشعر/ القصيدة /القصة /التأليف).
عتبة أولى
“مكاشفات نقدية في الشعر”:
(الإبداع :بين مطرقة الفقر وسندانة الاغتراب)..
أن المتتبع لحالة الإبداع في الأدب العراقي عموما في الشعر حصرا قد لايشك من أن هناك حالة إبداع تشكل علامة فارقة دون ريب تظهر بين قدحات القصائد بين شاعر وآخر،ونرى تصاعدا مستمرا في وتيرة الألم والحزن والغربة التي تصرخ به ،سواء كانت في حالة الشاعر(كمال سبتي أو عقيل علي أو عند قيس لفته) على سبيل القصد وليس الحصر.
ويشير المؤلف إلى حالة الاغتراب وتأثير ذلك على نتاج الشاعر وحياتهم الاجتماعية فيذكر (خالد المعالي )بعد لاذ بفقره التي لمسها في بغداد ،فيقول:
إن الصدام الحاصل لبين الذات المغتربة والواقع والذي ينتج عنه رد فعل معاكس خارج أفق التوقع فلم يعد الشاعر المغترب يبحث عن طريقة لاحتواء التوتر الناجم من هذا الصدام.كذلك يستشهد بالشاعر ألبياتي ويذكر موت جده البائس فيشبهه كالغراب بدلالات رمزية سوداوية:
مات جدي كالغراب
كالجرذ ،كالصرصور،مات مع الخريف فدفنته في ظل نخلتنا
وأيضا الشاعر قيس لفته مراد ومعاناته مع الفقر والألم ،وكذلك الحال مع الشاعر عقيل علي ،والحنين الذي تعرضت له الشاعرة نازك الملائكة،واشتياقها إلى الآهل والخلان والحزن الذي حرمها لذيذ النوم ،ويستذكر المؤلف كذلك غربة الشيخ الوائلي ،الشاعر كمال سبتي ،وهكذا القائمة تطول ـوتمر العصور وتذهب أجيال أخرى من الشعراء ،ويبقى الحنين متعلقا في الشعر دائما لتعلقه بفطرة الإنسان المتصلة بجذور الأوطان بالأهل والخلان لايعوضه بريق المال في كل زمان ومكان..)
الغربة في الشعر العراقي
(الشاعر د.احمد الوائلي) أنموذجا.
يبدو إن الإحساس بالغربة والاغتراب شعور حمله الإنسان في جوانحه على مر العصور،فالشعر مرآة عاكسة لما يجول في خواطر الشعراء فتبين كل مظاهر الاغتراب التي يعاني منها الشعراء.
أدنياي مالي في انقطاعي وغربت
إليك ثواب منك دين ولانقد
عديني بنفسي إنني وعدا فربما
جلا كريه المكروب عن قلبه الوعد
وأخيرا يختم المؤلف سيرة الشيخ الوائلي بعد ان سرد لنا معاناته مع الغربة مع ذكر ابياتا شعرية استشهد بها ،غادرنا الشيخ الوائلي جسدا ولكن فكره وشعره ظل بيننا يضيئ دروب المفكرين والشعراء الذين يرومون العلى وقول كلمة الحق في سبيل الله.
السخرية والمفارقة
( في لافتات الشاعر احمد مطر السردية).
عندما نصل إلى المفارقة السخرية نتكلم عن نزعة جلد الذات عند الشاعر احمد مطر التي هي وجه من وجوه السخرية عنده وجلد لذاته التي سجلت حضورا لافتا في لافتاته لاسيما تلك التي انطوت على السرد فيها ،ونعني هنا بجلد المازوخية هذا الشعور السلبي الذي غالبا ماينمو عند بعض البشر في أوقات الهزيمة والإخفاق بعد هزيمة نكسة حزيران مثل (الشاعر نزار قباني ومظفر النواب والروائي عبد الرحمن منيف):
صباح هذا اليوم
أيقظني منبه الساعة
وقال لي:قد حان وقت النوم
وخلاصة القول يقول المؤلف إن الشاعر احمد مطر قد وظف سخريته السردية مثل تسويغ أفعال وأساليب الحكام في إدارة الحكام في إدارة شؤون البلاد.
الشاعر عقيل علي
“.شاعر إشكالي”:
ليكن الفضاء صمتك ليكن التنزه هزيمتك
لقد جردوك ،بقيت وحدك تسخر من نفس .مقطوعا.
ومن نافلة القول عن هذا الشاعر الإشكالي ،لقد غلبت البساطة عليه وأصبحت جزءا مهما من سلوكه اليومي ،وتطبع بها حتى غدت صفة من صفاته ،ولكن لابد من الإشارة أن كانت الشائعات هي عماد الموقف من عقيل علي القادم من عمق الجنوب (الناصرية)حيث العمل الشاق في المخابز وافران ،ذلك الآمر حرمه طبعا من فرص التعلم الكافي .
إن عقيل علي من سلالة الشعراء الملعونين الذين تقتلهم الخمرة أو يذبحهم سعار الهميان في مجاهل الأرض والتلوث بأعشابها السامة ويظل شعره وحياته مغموسين بالتجربة الأكثر تدميرا وإرهافا ..
– “قيس لفته مراد “
(وجدان مرهف ..ووجع مستديم)
الحب والشعر وزيف الغنى
وكل مايرجى..ومايفنى
يفقد معناه لدى غرفة
في السطح مثلي في اعتزال ألدنا..
شاعر ينسج نصوصه من خيوط متشابكة متعددة الألوان ،مغبرا فيها عن رؤاه ومواجده ،وكأنه عصفور ينتقل من غصن إلى غصن ،يكتب الشعر بكل أوزانه ،ينسل كما الريح في خفايا الإبداع ،فتراه في الرسم والخط كما في الشعر،فشعره عذب وسلس ،تمتزج فيه مكامن الحزن مع اللمحات الفلسفية .
إن المتفحص لقصيدة قيس لفته بدقة تتراى له مكامن الحزن العميق التي تظهر عنده مهما حاول إخفاءها داله على عمق جرحه الذي الم به دون ان يندمل.
ياصاحب الستين كيف نسيت ما
تركت بك السنون من أثار
وهكذا يظل يناجي في لحظاته الأخيرة وكأنها لحظات احتضار يستشعرها ليطلب المستحيل حيث يناجي الريح ظانا احمله لمن يريد أن يعانق في تلك اللحظات ..ويغادرنا الشاعر الى جوار ربه تاركا أرثا ثقافيا ذا سعبة دواوين ،قصائد بطعم الموسيقى ،مرهفة متناغمة مع مايحمله الشاعر من مشاعر دافئة تنبأ عن حنين لأهله وذويه..
القصيدة الإسلامية
(وضوح الرؤيا وصدق اللغة)
إن علاقة الشعر بالدين علاقة متكافئة من حيث تأثير كل منهما في حياة البشرية التي غمرها الاعتقاد بأنهما ينهلان من منهل واحد هو عالم الغيب ،ولكن هذا الاعتقاد لم يصمد كثيرا ،فعندما انقطعت صلة العقل البشري بعالم الغيب ودبت معالم الواقعية في الأدب والشعر تبرز إلى الوجود ،باشر الشاعر بتطوير لغته بل حاول التحليق بها في المعاني الشعرية لتكن قصيدته من الدخول في قلوب الناس وعقولهم بإقحامه الألفاظ والمعاني بديلا عن الغيبيات وعوالمها الغامضة ،ومما تجدر الإشارة إليه إن موقف الإسلام لم يكن متعارضا مع الشعر ،الذي لم يتعارض مع توجهات الإسلام وقيمه الفكرية والأخلاقية..
يقول الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري بقصيدته (أمنت بالحسين):
فداء لمثواك من مضجع
تنور بالأبلج الأروع
أعبق من نفحات الجنان
روحا ومن مسكنها اضوع
ثم يستذكر المؤلف الشعراء مع قصائدهم في هذا المجال (عبد الرزاق عبد الواحد/نزار قباني …الخ)..نخلص بالقول : من إن القصيدة الإسلامية تمكنت من احتضان الألفاظ والعبارات المتماشية مع تلك المعطيات الأدبية الموروثة من جهة ومن جهة أخرى تبدو متناغمة مع روح العصر مؤدية غرضها بنجاح ،كذلك تمكن شعراؤها من سبك قصائدهم فلم تكن مفككة بل جاءت تحمل بنية تحكمها الفكرة الواحدة..
الخيال في شعر الشاعر كمال سبتي:
الشاعر ألسبتي تشكلت صورته الشعرية عن طريق خياله الذي تجسده خيالية الطبيعة ،وذلك من شانه أن يخلق توزنا بين الطبيعة نفسها وبين حالة الشاعر النفسية ،فلو تصفحنا ديوانه ستطالعنا قصيدته (مكيدة المصائر)تلك القصيدة التي تستلقي أجواء هامة من الطبيعة ،فصورها تصويرا خياليا موحي لما فيها من تجسيد وتشخيص للموجودات اذ يقول :
الغابة
القطيع سينام ،البيوت التي ضجت بحيوانات البر يرسمها
مشردون على سهر الأرصفة
القصيدة بدأت ،بدا الركض إلى ماحفلت به حياتي ،ماحفل الخطأ بالخطأ ،وماحفلت فضائلي بهزائمها ،ربما (الصدفة)..
عتبة ثانية
(مكاشفات نقدية في القصيدة):
” الشاعر مصطفى جمال الدين”
في هذه العتبة نجد إن هناك تأملات فكرية وصوفية في بنية القصيدة الشعرية ، ويمكن أن يتبادر إلى الذهن إن الاهتمام بمسار الحياة الشخصية للشاعر على المستوى الذاتي المألوف جعل كما يقول المؤلف ضربا من التأليف غير مسبوق في مجاله، لأنه، من جهة، بين مستويين هما الذهني والذاتي، بين، من جهة أخرى، عملية بسط الأفكار التي كانت موضوع الاهتمام في المجال الثقافي والأدبي الذي تفاعل معه المؤلف ، إلا ما يمكن استنتاجه جزئيا من خلال القراءة المحايثة لدور الفاعل الثقافي، أو المثقف، في تفاعله مع التطور الثقافي كمجال لإنتاج المعرفة وتطورها، فضلا عن الصراعات التي تتفاعل فيها. ورغم أن الكتاب يتضمن بعض الذكريات المتصلة بالحقل الثقافي الذي تفاعل معه المؤلف، إلا إنها في المجمل بمثابة إضاءات… تستظهر المعاني وتلقي مزيدا من الضوء على التفاعل المذكور ..
الشاعر مصطفى جمال الدين: وللاقتراب من شاعرنا جمال الدين الذي عاش هذه الظاهرة وتجسدت في شعره ،لابد لنا من المرور بمحطات كثيرة عاشها فشكلت أحداثها وأجيالها ابلغ الأثر على حياته ،بل شكلت رافدا مهما ،فقد تفتقت أحاسيسه وتوسعت مداركه عندما عاش بين بيئتين (الريف/المدينة)..يقول:
ياليل أين أحبتي ورفاقي ؟
خلت الكؤوس فأين ولى الساقي
أحبابنا عودوا فثمة سامر
نشوان من خمر السنى المهراق
الشاعرة نادية عزيزة :
(عصافير..تبحث عن ورود الدالية)
تعد المجموعة الشعرية (رائعة مجدولين)لنادية عزيزة ..نسغ وجد يبوح بظلامات النفس القاهرة لسوداوية الليالي التي تناثرت بين قصائدها أكثر من (20)مرة والتي قهرتها بأحلامها التي طفحت بها كلماتها لأكثر من (12)مرة معززة لها بتلك الصباحات المهلهلة بورود الدالية والياسمينات وحبات الهال كمعادل موضوعي لتلك الليلي المتناثرة في قصائدها فجاءت مجموعتها بمثابة الإبحار في لجج الغربة والابتعاد عن أحضان الوطن ..تقول:
ويبقى حلمي
حلم الأمس والصباح
نعشا أراه كل يوم
راقدا..
الشاعر مصطفى الجزار:
“ضياع..عبيلة والنياق ودارها”
هل فقدت المقايس واختلطت القيم ،وهل التبست المعايير ..خنوع وانكفاء في كل ركن من أركان الأمة ،سبات طويل الأمد وانتظار الولادة وان كانت عسيرة لكنها المنفذ ،قتل لإشراقه الحياة ،بل بث الشام والنكد بين خبايا الجسد العربي من ويل وثبور ،سوداوية يراها الشاعر:
لاترج بسمة ثغرها يوما ،فقد
سقطت من العقد الثمين الجوهرة.
تحار الأقلام وتحار عقول المفكرين لما يجري من تهاون في كل شيء ،ينتفض بعض الشعراء بدوي قصائدهم بل بمداد قلوبهم التي تبوح لوعة والماء بديلا عن دوي القنايبل الخاوية ،عيون حرى تتراقص بانتظار فرج قريب من القرابين على مذبح الحرية ،كل تلك الخاسرات يسطرها شاعرنا بقصيدته بأسلوب حوارية راق يحاول به استدعاء ماض بات وولى..
الشاعرة أمان الله الغربي:
(من ليالي شهرزاد..قطرة الجنون)
قراءة قصائد الشاعرة المبدعة أمان الله الغربي وهي تشق طريق الإبداع والتجدد بل الزحف نحو حفر اسمها في الذاكرة الشعرية التونسية بعدما نسجت قصائدها بروية وهدوء ..نسجا متناغما مع روح العصر مراعية ذائقة متلقيها لتحصد نجاحاتها بكل هدوء لتنسف قواعد التخلف الشعري وكسر صنمية القديم لتضع بصمات تجديدية وفق رؤى حداثوية يستسيغها القارئ العربي يقول:
ألازال فكرك يصول
في حبة بين اخذ ورد يجول
ألازال وعيك يتحسس
حنايا نبض
ليعلم من أكون.؟
الشاعرة ابتهال بليبل
(زفرات من أنين البذور..)
فلست سوى عمياء
إنني خرساء
حزينة…
تدفع ثمن كل هذه الهزائم
بثياب سوداء..
صرخات متتالية سندريلا،مشوبة بسوداوية القلق المتأتي من البلاد الغارقة بالعتمة ،مسارب وتيه لعوالم المجهول ،زفرات من هنا وهناك لعوالم بعيدة ،تصل مسمع الشاعرة ،تترجمها ألفاظا تصيرها عصافير وغربانا،بل حماما زاجلا يحلق في سماوات التيه..
إن الدخول إلى عوالم الشاعرة غور غي خبايا النفس وسراديب الحزن المكنون بالألم المتأتي من ماض جميل أفل وات مقيت طويل حيث مداخل الألفاظ وتوالي الموز والإشارات التي تنتشر بين ثنايا نصوصها التي تفوح بالبارود ورائحة الموت التي تراها في كل أمكنتها ..
الشاعر حسن عبد الغني الحمادي:
(وتر من قيثارة الألم):
ينطق ديوانه بآثار الحزن وقساوة الأيام من خلال بثه لمجموعة ألفاظ تشير إلى ذلك ،مثل (الحزن، الصبر، الجزع، التجمر، العسر، العواصف…) وتبدأ أولاها : حيث استهل مفتتح ديوانه بالصبر بعد اقتباس من كتاب الله الكريم يقول:
إذا ضاق بك صدرك
فتذكر “الم نشرح”
لك يسران بعد العسر
فتفكر…سوف تفرح
وهي بداية موفقة تحسب للشاعر باتكاله على الله “عزوجل”للتخلص من جزعه وآلامه ويبدو إن مسحة الشعر أصبحت (علامة الشعر العراقي) أن يغادرها وكأنها أصبحت من ثوابت القصيدة العراقية ،حيث يشير الرجل صراحة إلى هذا ،وتأسيس على ذلك (فالشعراء في الهوى سوى)،فلماذا إذن هذا العويل والتفجع من الألم الذي ينثره الشاعر بين ثنايا ديوانه..
عم يتسال الشعراء؟
إنهم في حد الألم سواء
عتبة ثالثة :
(مكاشفات نقدية في القصة):
– القاص “عبد الهادي والي”
(امرأة وكائنات أخرى):
إن القاص والناقد عبد الهادي والي له باع طويل في مجال القصة والنقد وله انطباعات واضحة في المشهد الثقافي ،حيث (البحث عن الشيطان وطيور خارج القفص ،إلى خطوط ظلال حادة…كلها قصص فيما اتبعها بمتابعاته النقدية )..وتبقى مجموعته “امرأة وكائنات أخرى”إضافة أخرى جديدة للمكتبة الأدبية ،وهي جديرة بالقراءة لما تضمنته من سبك أدبي راق بأسلوب شيق..
القاص إبراهيم سبتي:
(بائع الضحك):
إن مجموعة القاص سبتي المتأججة التي تفوح منها عاصير هوجاء تراكمت اثر السنين عجاف أثقلت كاهله “كاهل العراق”حيث الظلم والحيف والتغييب ممزوجة بقسوة الأيام وشراستها ،كلها كانت عبئا ثقيلا جعل قلب القاص يتفجع حرصا على بلاده التي أحبها لينطلق بالحق بعد اشتعال جذوة حرصه وهو يرى صورة قاتمة تبعث على القلق (النار تحرق كل شيء /القصة/أهل البلاد) وهو حرص عهدناه من قبل أخيه الشاعر كمال سبتي –ليتباين لنا قلقه وصوته العالي الذي لم يغيبه ستار الخوف والتملق على مايرى ..
القاص علي السباعي :
(زليخات يوسف):
إن تفرد القاص السباعي “بزليخاته “ماهي إلا بعث روح في إعجاز نخل خاوية،بل هي صراخات واستغاثات وان كانت لاتصل مسامع الموتى “الجماجم” إلا أنها تصل إلى أبواب السماوات ،أملا بفتح نوافذ الرحمة وهي إضافة تنظيرية وقراءة ناضجة بمنظار أنساني لمرحلة كان لابد أن ينفض عنها غبار القنوط ويسدل ستارها ،وبقدر نجاح القاص في زج ومشاركة أخيلة شخوصه ،وإثارة فضول متلقيه ..
إن ماسطره الرائع السباعي رموزا وإيحاءات بليغة (قطام…زليخة)جديرة بان تترجم كتشخيص لمرحلة يباس وجدب للضمائر الخاوية التي نامت عند جلاديها أملة الرحمة منها وهي لعمري صرخة ويقظة ضمير بارعة لقاص واعد..
القاص أياد خضير:
(النهايات):
إن النهايات تعد بدايات تصحيحية لمسارات الإعياء التي مر بها المؤلف بعد أن توشحت بالحب والرومانسية وهي إيماءة وتأثر بالأدبيات الفرنسية ابنان الثلاثينات حيث تلمست صدق في علاقته مع تصوير شخوصه وهو أمر يحسب للكاتب في توظيفه الفكرة والمغزى حيث يتضح ويتجلى مراد الكاتب في إظهار شخوصه وطبقاتهم الاجتماعية ،فيما لم نتلمس حبكة الكاتب في اظهر العمق والنسق النفسي والتاريخي لشخوصه الذي أجاد اختيارهم بحرفية عالية وانتماءاتهم وهو آمر يحسب له ..
عتبة رابعة :
(مكاشفات نقدية في التأليف):
المفكر”آية الله محمد باقر الناصري”
(من معالم الفكر السياسي في الإسلام) المتصفح لهذا الكتاب لابد له من يجد حلولا مثالية في الطرح تحمل طعما إسلاميا وسطيا معتدلا وفق نظرات حداثوية استلت من واقع عاشه المفكر بكل حيثياته فلم يكتبها من برج عال كما يتوهم البعض او كما يذهب البعض في تنظرانه التي يضعها وفق مقاسات يسمع بها أو يقرئها ،ولايتاتى كل ذلك دون عقل راجح ينظر نظرة تنويرية مستبصرة لما يدور في فلك الآمة مقارنة برغبة السماء وتشريعاتها التي نجح ووفق بها المفكر الناصري وذلك يشير دون ريب من أن في جعبته أفكارا أمدها أكثر من خمسين عاما اختمر في عقله كأنها الحوليات وينزل منها معلوم وبتأني وفق الحاجة الملحة لبناء صرح الوحدة الإسلامية لتوحيد وتحقيق الثقافة الإسلامية ومنابع ورود صحوتها الإسلامية المعاصرة التي ارتكزت وفق تنظرانه من القران باعتباره كتاب الله العظيم..
الكاتب صباح محسن كاظم
(كتاب الإمام علي (ع)نموذج الإنسانية):
إن التجربة التي خاضها الكاتب خطرة كون صاحبها بحر هائج مغمور بالإسرار لكن الحاجة ملحة جدا لتلك الدراسات والكتابات كون المكتبة العراقية بل العربية والعالمية متعطشة لذلك ،وان هناك الكثير من الدراسات حول هذا الموضوع ،الاانها تفتقر إلى نظرة ثقافية حديثة ورؤية من منظور جديد ليتسنى للقارئ تكوين فكرة جديدة على أفكار ورؤى شخص عظيم له اثر على مستقبل البشرية ا جمع ،إن الخوض في مجالات ثقافية كهذه يتطلب من صاحبها الاعتماد على منهله الأول ،ثقافته العالية وكذلك الاعتماد على المصادر التي تسجل خصوصياته وعمومياته ،بل وأفكار هذه الشخصية وبالتالي يكبر نجاح التجربة وتسير في طريقها الصحيح..
الكاتب عبد الحليم الحصيني
(الناصرية تاريخ ورجال):
إن هذا الكتاب عمل يحسب لمؤلفه السيد ألحصيني بعدما شمل ترجمة لعلماء وأدباء وخطباء ،وجرد ودون لأعداد المدارس والأمكنة الصحية والمكتبات والجوامع والآسر ودواوين المدينة وبحجم(أربعة مجلدات)،لكنه نسي جرد بسيط لما تحتوية المكاتب الرسمية الحكومية ليكون وثيقة ومرجعا للناس –وأيضا لم نلمس ترتيبا واضحا لأسماء الأعلام والأدباء ،ومما غفله المؤلف أيضا ذكره أهم الدراسات النقدية التي صدرت عن الشعراء مما يضفي المعية لكتابه وتجددا، ويبقى الكتاب مرجعا لتاريخ مدينة الناصرية بل إضافة كبيرة وثورة معرفية هائلة تضاف إلى المكتبة العراقية لما يحمله الكتاب كم إمكانيات وجهود بذلها المؤلف ،وان ماسجله الحصيني من نجاح في تجربته إنما هو نجاح لكل مبدع يحاول تمجيد تاريخ مدينته وتوثيقها وأرشفتها ،وفي الوقت الذي نبارك جهوده لانستنكر عليه جدية العمل فهو مثابر طموح ومتطلع ومن عائلة علمية كبيرة..
وفي الختام ويمكن القول إن هذا الكتاب يعتبر بمثابة خلاصة فكرية للرصد والتوثيق الأدبي و الثقافي للمنجز العراقي والعربي والإسلامي والذي حاول المؤلف إظهاره بطريقة جذابة وسلسة مختلف الأفكار والمواقف والتصورات التي عبر عنها واشتغل عليها وكتبها سردا ونقدا ..الشيء الذي يعكس شيئا كثيرا من التنوع الذي اشتهر به المؤلف ، منها تكريسه المنجز الثقافي من جهة، واستلهام القيم الجمالية والفكرية والحضارية التي جسّدها هؤلاء الكتاب في حياتهم ونصوصهم من جهة أخرى في مسعى إلى تحقيق وجودها في الزمان والمكان، ونيل حريتها، واستقلالها دون خطوط حمراء، والتي تبلورت فيها هويتها الحضارية والروحية وخصوصيتها الثقافية، الكاتب الذي كرس مشروعه الإبداعي في خدمة قضايا إنسانية وثقافية، بل ووظف طاقته الإبداعية في اجتراح قيم جمالية وفكرية وثقافية جديدة، تضفي على مسعاه الفائدة والتنوع .وقد تجسّدت كل تلك المعاني الإبداعية لتلك العناوين المتنوعة ،وإصرار الكاتب على توثيق تلك النصوص إلا بداعية قد تجلت فيها معاني الانتماء إلى الأرض، وحماية الذاكرة من النسيان.
(انتهى)
























