مكاتيب عراقية ـ سُرَّ من قرأ كتاب التدخين ـ علي السوداني
يكاد المشهد يكتمل، والرؤيا تتّضح، والعبارة لا تضيق، والسطر يجري بمستَفَزٍّ له. مساحة الظلام في المنظر، أزيد من مساحة النور. أستطيع القول، إنَّ المدينة نائمة. أنا أحبُّ هذا. شرفتي دافئة، وعندي ضبّة سكائر بائتة. قبل أوّل البارحة، قبضتُ بيميني الواثقة، على علبة الدخان، وهشّمتها تهشيماً لا قيامة لها من بعده، وسلّمتها الى حلق سلة الزبل. كانت ثمة صورة فوتوغرافية شديدة الوضوح، مطبوعة فوق وجه الباكيت. بطل الصورة، طفلٌ حلوٌ مثل نؤاس، الذي مثله الولد الزعلان عصرية اليوم، عليّ الثاني، يعبئ بفمه الغضّ مصّاصة بخّاخ، من الصنف الذي يستعمله مقطوعو النفَس. الرسمة تكاد تتكلم، والطفل الحلو يريد أن يصيح بك اطفئ سيجارتك يا بابا، قبل أن تنطفئ أنفاسي. على الوجه الثاني من الباكيت، ثمة من يحذّركَ بأنَّ جسدك، قد يُكرَهْ على استضافة وجع السرطان الأكول، اذا ما استمررتَ على شفط مدخنة التبغ هذه، توطئة لموتٍ غيرِ رحيم. في منظر الليلة، انزرعتْ بناية مدرسة ابتدائية عتيقة، بخاصرة جبل اللويبدة، من صوب العبدلي. اسم المدرسة هو بلاط الشهداء وهذا المسمى الموجع، أعادني فوراً، الى مدرسة كانت قائمة ببغداد، وتشيل واجهتها، الاسم نفسه، قبل أن يزورها صاروخ ايراني رجيم، ويهرس أطفالها وطابوقها وحروفها الغضّة. صاروخ سكود الايراني، كان صاروخاً قومياً، مهدى من سوريا، وقيل أيضاً، أنه صاروخ ثوريّ من كوريا الشمالية. لا توجد سلعة على الأرض، مثل السكائر، ينتجها معمل ويسوّقها اليك، ويكتب على أغلفتها الملونة، تحذيراً شديد القوة، من إنك شخص صار السرطان منه، أقرب من حبل الرقبة والوريد. مصانع انتاج وبيع التبغ المخمّر والمحروق والمنكّه، صارت تتفنن في لصق صور مرعبة فوق علب الدخان، تحذر وترعد وتزبد بالنصيحة التي هي أحسن. قلبٌ ملونٌ بزرقة محروقة، وكبد معطوب، ورئة منخولة. أرقام وسائط الاتصال والاشهار، ومنها المعلنة من على شاشات التلفزيونات، وصدور الجرائد، وخواصر المجلات، وثنياتها المبهجات، تزودك بحقائق كاسرة، منها أن عدد قتلى التدخين، ربما صار أكبر من عديد قتلى الحروب، وحوادث الطرقات. أخصائيون علماء عارفون، يحصون لك كلفة كلّ سيكارة تشفطها، على فاتورة سنين عمرك. ستكتشف أن جلَّ الناس المدخّنة، انما تدخن، ليس لأنّ الفعل يسدّ حاجة بايولوجية ملحاحة، بل الأمر لا يتجاوز مفهوم العادة، أو الطقس في أرحم توصيف. قصص القوم المتورطين المصّاصين البصّاصين الشمّامين، تكاد تكون متشابهة، فواحدٌ، وقد تكون واحدة، أراد لفتَ نظر بنت الجيران، فطيّر لها، نَفَسَ فحولة في الهواء، وثانٍ شاف شفتَي نادية لطفي، وهما تتبللان وترتعشان، من سلطان سيكارة رشدي أباظة، وثالث دلفَ الى مقهى الغرباء، فثقّبَتْهُ العيون من كلّ جهاته، فاستلّ سيكارة وأشعلها، فصار دخانها صحبة حركة اليد، مثل ساتر معركة، ورابعة دخلتْ حانة الأدباء، وتيقنت أن ليس بمقدورها انتاج قصيدة نثر واحدة، إلّا بمصّة مدخنة، مسراها الحلق والبلعوم، ومزفرها الخشم المفتوح على منخرين أفنصين. في السطر الرابع من مكتوبي هذا، كنتُ هشّمتُ باكيت سكائري، وجعلته شَذَراً كما عصفٍ معصوف، والآن أراني مزروعاً قدّام سلة الزبل، أوزع نظراتي الجائعة، على كل أرض الواقعة، وثمة عقب سيكارة، كان فلت من بين هرسة الأصابع. عقب بتبغ قليل، لن يأكل من عمر قلبي، سوى خمس ثوانٍ فائضات. صباحكم سكّر، مع شدّة نابتة فوق الكاف
AZP20
ALSO
























