مقتل بائع الكتب لسعد محمد رحيم

 مقتل بائع الكتب لسعد محمد رحيم

تعدّد وتنوّع مصادر الروي

ناطق  خلوصي

يوحي لك عنوان رواية ” مقتل بائع الكتب ” وبعض تفاصيل الصفحات الأولى منها ، بأنها   تنطوي  على  حبكة بوليسية تتجلى مظاهرها في : مفردة ” مقتل ” التي يُستهل بها العنوان ، وفي مشهد جثة القتيل ، ببقعة دم تحته تسيل نحو الشارع ، وفي حضور ضابط  التحقيق  ثم في محاولة تشتيت الاتهام وتوظيف التلغيز . لكنك حين تتوغل في القراءة تكتشف أن  الرواية  تلقي بالحبكة البوليسية وراء ظهرها وتستحيل إلى نص سردي كبير يستلهم الواقع ، ومن خلال سيرة  رحل ، يوثق  واقع  مدينة وواقع وطن مر بواحدة من أصعب  صفحات حياته وأشدها عتمة ً في زمن الموت المجاني والقتل على الهوية ورمي الجثث على المزابل ، استكمالا ً لصفحات سود أخرى مماثلة مر  بها على امتداد ما يقرب من نصف قرن .  تتمحور أحداث الرواية حول شخصية محمود المرزوق ، بائع الكتب في بعقوبة  الذي سينفرد بكونه  بؤرة الاهتمام على امتداد زمن الرواية دون أن تنافسه أية شخصية أخرى ، ليقدم ” سعد محمد رحيم  ” من خلال ذلك صورة متكاملة  لهذه الشخصية  ويكشف  عن صفحات تاريخ حياته حتى المعتمة منها من خلال جرد موسع لسيرة حياته  والتحولات التي طرأت  عليه منذ فترة شبابه حتى شيخوخته  قتل وهو في السبعينات من عمره  ، وعبر حياة حافلة بالأحداث الشخصية والعامة  وبالتحولات  الاجتماعية والسياسية التي حدثت  في العراق وفي العالم أيضا ً.  ومحمود المرزوق هذا سليل عائلة برجوازية تمرد عليها وآمن بالماركسية ولكن دون انتماء حزبي وعاش تجربة السجن السياسي  وكان أحد السجناء الذين تم نقلهم بما يعرف بـ  ” قطار الموت ” وقد حشر  في شباط  1963مع نخبة من الضباط والسياسيين في عربات حديدية  مخصصة لنقل البضائع   تم إغلاق أبوابها بإحكام مع الإيعاز إلى سائق القطار  بإبطاء سيره ، وكان الهدف من وراء ذلك ، القضاء على هذه النخبة وكان يمكن لذلك أن يحدث لولا شهامة سائق القطار ، وهذا حدث تعيد الرواية توثيقه  بعد أن كان قد تم توثيقه في دراسات وأعمال سردية سابقة . كان مخططا ً لسجناء قطار الموت ، وهو منهم ،  أن يموتوا وهم في القطار ، وإذا لم يموتوا ، وهذا ما حدث ، فسيتلقفهم سجن نقرة السلمان الصحراوي  الذي قضى  المرزوق خمس سنوات فيه ، يتحدث عنه وعنها الحاج منصور الهادي زميله في السجن   ويبدو أنه لا يحبه  ، فيقول  ” كان المرحوم مثيرا ً للغط .. بطلا ً على طريقته . بطل من غير حروب ودماء .. بطل من ورق ”  ص 101  ? ويتحدث عن الجانب الخفي في سلوك المرزوق خلال سنوات السجن الخمس ومنه أنه حفظ القاموس الانكليزي عن ظهر قلب خلال تلكم السنوات . ويتمادى الحاج منصور بالتشهير بالمرزوق  وربما يتهمه بالمازوشية  : ”  لم أره ضرب أحدا ً قط . كان يحب أن يُضرب ” ض 103  ? وما يلبث  أن  يعترف بأنه لم يكن على وفاق معه ربما بفعل توجهه  الديني بخلاف المرزوق الماركسي والذي يعاقر الخمر ، وبالتالي قد يجد الحاج منصور من يطعن بشهادته هذه . يقول مصطفى كريم  وهو إحدى الشخصيات الثانوية في الرواية  أن ” بعقوبة بسبب أحداث العنف  خسرت أكثر من نصف مبدعيها : بعضهم هجرها ، وبعضهم اغتيل  فيها وبعضهم مات كمدا ً ”  ص 9   ? وكان المرزوق أحد الذين اغتيلوا منهم  وقد اغتيل برصاصة مسدس كاتم للصوت .وتم  ، فيما بعد  ، القبض على قاتله الذي اعترف بأنه فعل ذلك لقاء 300 دولار ما أبخس ثمن حياة إنسان ؟ !  ، وأثبت التحقيق أنه قتل عن طريق الخطأ إذ كان المقصود شخص آخر غيره  لعبت المصادفة دورها  في عملية الاستبدال هذه .  تبدأ أحداث الرواية بوصول الصحفي ماجد بغدادي  إلى بعقوبة  بهدف تأليف كتاب عن محمود المرزوق، وماجد بغدادي هذا ، على ما نزعم ، هو الروائي نفسه رغم أن سعد محمد رحيم سعى للتعتيم على ذلك  حين قال عن المرزوق على لسان مصطفى كريم: ”  أعتقد أنه  يستحق أن يخلّد بكتاب . صديقي الروائي سعد محمد رحيم دلني عليك .. كان لمدة ستة عشر عاما ً في بعقوبة قبل أن يُهدم نصف منزله بانفجار عبوة ناسفة في 2006 فغادر المدينة ”  ص 9 .  ويشير الروائي إلى  بعض شخصيات الرواية بأسمائها الحقيقية  ويعتم على  بعضها الآخر بأسماء مستعارة  مثلما فعل مع هيمن قره داغي  وكاميران عادل اللذين لا يصعب على من هو على صلة بالوسط الثقافي أن يتعرف على الشخصية الحقيقية لكل منهما : هيمن قره داغي الذي يقدم الروائي  وصفا ً لوضعه الشخصي والعائلي  وهو” الأديب القاص الذي يحتفظ بثلاث زوجات  ” وكاميران عادل الذي كان يعاني من خلل في عينه وترك بعقوبة  وهحرها  إلى السليمانية  . وإذ يفعل الروائي ذلك فإنه يدلل على واقعية أحداث روايته  بل يمكن القول إن ما ورد من إشارات إلى أسماء كتب و أفلام سينمائية إنما هي حصيلة قراءات ومشاهدات الروائي نفسه .  ينفرد راو ٍ واحد في الغالب بعملية الروي في الأعمال السردية ، وقد يكون هذا الراوي هو بطل الرواية نفسه أو راو ٍ آخر غيره. لكن سعد محمد رحيم اجترح أـسلوبا ً مغايرا ً يعتمد على نعدد مصادر السرد وتنوعها في روايته هذه  سنتوقف عند عدد منها  ، وتجمع هذه المصادر بين الصور  والحوارات واليوميات والرسائل والذكريات والمكالمات الهاتفية  فضلا ً على مخطوطة مشروع كتاب  ، تتمحور كلها حول شخصية محمود المرزوق ، بوجهات نظر متباينة أحيانا ً، ومنها ما يكشف عن أوراق خفية لهذه الشخصية ، وتنحصر مهمة ماجد بغدادي  الراوي المفترض  في التنسيق بين هذه المصادر .  حين تتوقف عند اليوميات التي كتبها المرزوق   وهي من أبرز مصادر الروي في هذه الرواية وجاءت بعنوان” يوميات الخراب ” وتبدأ بتاريخ  9/4 /  2003 وتنتهي بتاريخ  كانون الثاني 2009 ? وتنتبه إلى دلالة عنوان اليوميات ، ستجد أن الروائي قدّم جردا ً لما حدث في العراق خلال السنوات الست الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق ، وهي من أقسى ما مر به العراق في تاريخه الحديث . يبدأ المرزوق يومياته من مدينته بعقوبة وفي اليوم الأول للاحتلال  9/4/2003  : ” شارع الأطباء الآن فارغ ، مظلم ، مخيف ، يشبه دربا ً تسلكه الأشباح. أسمع أزيزا ً لا ينقطع .. أنا جائع ولا طعام لدي سوى صمونة بائتة وحبة طماطم ”  ص 46  . ويصف ما حدث يوم 12 نيسان : ” سلب ونهب  ..عالم مجنون .. الجو حار .. المدينة بلا حكومة ”  ص 47  و ” المدينة مثل لوحة سريالية رسمها فنان دعيّ .. قصيدة دادائية كتبها شاعر نصف موهوب متبجح لا يعرف ماذا تعتي كلماته .. المدينة قطعة من الهراء .. حلم ممزق إلى أشلاء ”  ص 48  و  ” ترتفع  أعداد  الذين يُقتلون أو يُخطفون .. العصابات المسلحة تكاد تسيطر على الوطن ”  ص 57   وفي يومياته ليوم 1/1/2006 يقول : ” سنة سيئة جديدة منقّعة بالدم والخوف ”  ص 66  وكأنه  يوثق في لوحة بانورامية ما حدث ليس  في بعقوبة وحدها وإنما في مدن كثيرة وفي مقدمتها بغداد .ومحمود المرزوق هذا فنان تشكيلي ، مثقف وجوّاب آفاق تنقّل في أكثر من مكان ، لا يتردد في الكشف عن الجانب المعتم أو السيء في حياته وتكشف عن هذا الجانب رسالة عشيقته الفرنسية جانيت ورسالتاه إليها . وجانيت هذه كانت تعمل موديلا ً للرسم  رسمها وهي عارية . في رسالتها إليه تكشف  عن التحول النفسي الذي أصابه  لاسيما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتبدد حلمه في مجتمع اشتراكي ، إلى الحد الذي جعله يمتنع عن التواصل الجسدي معها  لتكتشف  أن سر ذلك يكمن في علاقته بامرأة أخرى فيكشف هو عن بعض علاقاته النسائية في بعقوبة ، قبل أن يكشف  في رسالة كتبها لها ، عن علاقته  بـ “ناتاشا ” في براغ  ليكتشف بأنها ابنة منشق عن الحزب الشيوعي ومتهم بمعاداة الاشتراكية ، فيجد  الفرصة هنا لإدانة الممارسات البوليسية في الأنظمة الشمولية حين استعرض ما عانته ناتاشا من ملاحقة وتعذيب والإيحاء لها بأنه هو الذي وشى بها ،حتى غابت ، بل غُيبت  من مسرح الأحداث تماما ً .  وفي رسالته الثانية لجانيت يتحدث لها عما عاناه خلال انقلاب شباط 1963 : ”  من استولوا على السلطة اعتقلوا كل من عدّوه مناوئا ً حقيقيا ً أو محتملا ً. وبطبيعة الحال سيتصدر اسمي قائمة الخطرين ، أنا اليساري المفضوح وإن لم أنتم إلى أي جناح من أجنحة اليسار الناشطة حينذاك ”  ص 138  ? ويصف  هذه المرة بنفسه، محنة  رحلة  قطار الموت و السنوات الخمس التي قضاها في نقرة السلمان ، ويقول قبل أن يختم رسالته : ” انظري من أين بدأت وإلى أين انتهيت . ألا يؤشر هذا انفصاما ً ذهنيا ً ، خللاً في الجملة العصبية أو في الأقل صدعا ً وتشوشا ً في التفكير ”  ص ذ40  . وفي اعترافه الضمني هذا ما يبرر وجهة نظر الآخرين  عن اهتزاز شخصيته وعدم توازنه  ، وكان هذا الخلل سببا ً في ما تعرض له من معاناة .  من مصادر الروي الرئيسة الأخرى مخطوطة مشروع كتابه الذي يحمل عنوان  ” كشف حساب ” في دفتر كبير قدمته رباب  إلى ماجد بغدادي ، ورباب ، وليس هذا اسمها الحقيقي، معلمة من معارف المرزوق وربما على علاقة به . تُستهل مخطوطة الكتاب بمقولات  للمرزوق  يوضح فيها رؤيته الشخصية أو فلسفته ،عن الفكر واليقين النهائي، مرورا ً بالخيبات التي عانى فيها من هجر حبيباته له أو هجره لهن  . يتحدث عن الفرنسية جانيت  فيصف بشبق محموم تفاصيل جسدها العاري ليكشف عن عريه الروحي وكأنه واقع تحت سطوة الجسد الأنثوي .

يكشف عن وجهة نظره في توجهه الفكري والسياسي فيعترف بالقول : ”  اقتربت من الماركسية كثيرا ً ولم أؤمن بالتنظيم ، بالكفاح المسلح ، بالحقد والكفاح الطبقيين  ”  ص 154  و ” كنت رومانتيكيا ً أسترجع عوالم باريس ما بين الحربين  ”  ص 155 .? ويسترسل في الحديث عن علاقته  الحميمة  مع صديقيه أندريه  ومحمد المنياوي ، وتظل ذكرى جانيت ترافقه  ولكن في مخطوطة كتابه هذه المرة وبالشكل الذي يفصح عن عمق انشداده إليها ، وما يلبث أن ينتقل للحديث عن الروسية ناتاشا  ويتوسع في الحديث عنها  مثلما توسّع في الحديث عن جانيت بتفاصيل أكثر من تلك التي أوردها عنهما سابقا ًفيبدو هذا الحديث  تكرارا ً لما سبق أن قاله عنهما ربما تشفع له فيه رغبته في  الكشف عن المزيد من خفايا علاقته بهما.  يقول عن باريس : ” كنت أهرب من ذكريات بعقوبة وبراغ  إلى سماوات الفن .. كنت أريد أن أنسى .. كان النسيبان يعادل الوهم كوني في الفردوس  ”  ص  179   ليكتشف حقيقة ذلك الوهم ويقرر العودة إلى مدينته الأم التي شهدت خاتمة حياته .  هذه الرواية  صدرت  عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد عام 2016 وجاءت في 216 صفحة  توزعت على تسعة فصول  رافقت محمود المرزوق في رحلة حياته  ووثقت سيرته بإيجابياته وسلبياته ، في نص سردي مفعم بلغة سرد صافية وبحس إنساني عال ٍووعي متقدم : نص يضع سعد محمد رحيم في صف متقدم من كنّاب الرواية في العراق !