
مطالعة في كتاب قراءات لوليد شاكر نعاس
التاريخانية الجديدة والخطاب الفلسفي
نجم الجابري
(مدخل)
يعد الدكتور(وليد شاكر نعاس) أستاذ النقد الحديث في جامعة المثنى احد كبار النقاد العراقيين وله مؤلفات نقدية عديدة يدرس بعضها في مناهج وزارة التعليم العالي وكتابه قراءات في النقد المعاصر مدار بحثنا احد منجزاته ولأهمية الكتاب للدارسين وللمشتغلين في النقد نقدم هذه المطالعة المتواضعة للكتاب فله (جماليات المكان في النص الأدبي وقراءة سيميائية في شعر أبي تمام وقراءة في تحليل النص القصصي القرآني كما أنّ له النقد الأدبي الحديث قضاياه ومناهجه وغيرها )
في هذا الكتاب الصادر عن مكتبة المثقف بــ 104) ) صفحة من الحجم المتوسط يقدم البحث شرحا عن المدارس النقدية في العالم ومن الطريف لقد أمضيتُ شهورا أعيد ُ قراءة هذا الكتيب بإمعانٍ وأجدني أعجز من أنْ أقاربَه أو ألامس ما جاء فيه ولا أملك سوى أنْ أدعو القرّاء والمختصين لقراءته والتنوير به.
لقد منحنا المؤلف فرصة تاريخية بالاطلاع على المدارس النقدية منذ سقراط وأفلاطون الى زمن الحداثة والعولمة والتاريخانية وذوب في بودقة كل المدارس وقرب رؤيتها بحيث يمكنك أنْ تميّز بسهولة الفرق بين مدرسة وأخرى.
وقد أثرى البحث بمصادر معتبرة منها الأجنبي ومنها العربي وقدم في النهاية رؤيته واستدلاله على مر التاريخ وأوضح ان المعنى يحتل الحيّز الأوسع في الدراسات الإنسانية والعلمية لاسيما الدراسات الأدبية والفلسفية التي قامت على توضيح المعنى بكل جوانبه ومعالجة إشكالياته المعرفية وعدّ النعاس محاضرات سقراط مع جور جباس في طبيعة الفن وإضافة أفلاطون لقيام نظرية فلسفية في الخطابة في محاورات جورج باس وفيدروس وفي نظرية المحاكاة الأفلاطونية والتي ترى العمل الأدبي والشعر خصوصا (محاكاة لحسي متحول عن مادي أصيل ) مشيرا إلى إنّ هذه الآراء تطورت جميعها عند أرسطو في مؤلفاته واستمرت لدى فلاسفة العصور الوسطى والحديثة في مناقشة المعنى وضمن المباحث الطبيعية التي تتصل بالعالم المادي والمباحث التي تتعرض الى العقل البشري وكيفية إدراكه للأشياء .
كما وجد الباحث أنّ الخيوط الأولى لهذا المعنى فلسفية أيضا تمثلت في مؤلفات أفلاطون ومناقشته الجادة لمفهوم الابستيمولوجيا في كتاب (كراتلس) وفني الشعر والخطابة مرورا بالتراث النقدي الفلسفي والأدبي لدى اليونان والرومان والعرب وغبرهم وصولا الى الكلاسيكية الحديثة عند الغرب والتي توجت بظهور مناهج نقدية متتابعة كالمنهج التاريخي والواقعي والجمالي والنفسي والانطباعي.
من هنا يتوصل الباحث الى أنّ جميع المباحث الفلسفية والأدبية كونت حصيلة خصبة ومتنوعة جعلت النقاد يتمايزون في نتاجهم الفكري وفي دراستهم لتشكل المعنى بشكل لم يكن ملحوظا في العصور القديمة والوسطى كما عدّ الباحث التراث النقدي في دراسة المعنى وتشكله يمثل جانبا من المعرفة التراكمية التي تكمل موضوعتها بعضها البعض والتي لايمكن لأيّ فكرة جديدة فيها أنْ تمحو أو تلغي الأفكار القديمة المتصلة بها وإنما تتجاوركلها.
هذا يعني أنّ النظريات وما يتخللها من مقولات معرفية أسهمت على نحو مباشر أو غير مباشر بتطور نظرية المعنى وأنّها تبقى
مفتوحة لاتجاهات معرفية مستقبلا سيما وأنّ هذه يجب أنْ تخضع الى معطيات تؤثر في إنتاج المعنى وتحدد كيفية استقباله وتفكيك مقولاته لأن المعطيات الدالة التي شكلت المعنى عند النحاة ليست هي التي عند البنيويين أو عند (السيميولوجيين) كما أن نتاجات المعنى متعددة على حد رأيه ، بدلالة أنّه لايمكن الإمساك بمقوم واحد وطرح المقومات الاخرى جانبا فهناك مقومة
القرينة التي بدونها يبقى المعنى الكلي غامضا وهناك مقومة الى ومن أو الى أي يشير القول ؟ وتغيرات مقام الصوت الذي لايمكن ضبطه إذا كان المقول كتابيا أو ما يسمى القرينة الصوتية وكذلك اللسانية والتصريحية (دلالية ) والاشارية والثقافية الخ.
المقدمة
يعتبر الباحث غايته بأن يسهم في معرفة تشكيل المعنى الأدبي في الاتجاهات النقدية المعاصرة البنيوية وما بعدها …
ويبدو البحث إعادة لقراءة مبسطة لأنماط المعنى عند أصحاب المذاهب النقدية المعاصرة والتي يرى ان أهميتها ثابتة وانتشارها
مؤكد في معظم جامعات العالم …..
ولهذه العلة أختار الباحث هذه المناهج دون غيرها معتقدا أن دورها مهما ويشعر به الباحث الأكاديمي والأدبي لكونه يظهر ان هذا المناهج تكشف عن عقلية جديدة في تفحص النصوص الأدبية والبحث عن المعنى ثم فهمها !!
ان تعرض الباحث هذه المناهج الى هذه المناهج وإبراز باحثيها جاء بشكل سهل ومبسط ولم يغص في دراسة تاريخية أو التعرض الى الجوانب التي تقود الباحث الى استقصاء بعيد ليس هذا مكانه نتجنب بذكاء التطرق الى التفكيكية الأمريكية أو افق الواقع الأمريكي أو المأخذ على بعض المناهج ، ونسجل هنا تساؤلا مشروعا عن عدم الخوض في التفكيكية الأمريكية تجنبا للإطالة في البحث أو أنّ هذه المحايدة تولّد انطباعا لدى المتلقي بأن المدارس الأمريكية خارج إطار المناهج هي التي تبحث عن شكل المعنى كونها تفكك في معظمها النص وتبحث عن شفراته أو لخصوصيته والمتمثل بنقض الأضداد في المنهجية الميتافيزيقية الأوربية (الحضور ــ الغياب ) وخاصة الحضور في الحقل الكلامي الذي يرفضونه ويرفضون الحقيقة الحاضرة.
( محاور البحث )
اعتمد الباحث أربعة محاور هي (البنيوية والتوقيع والتفكيكية والسيميولوجيا ) إضافة للخاتمة
في البدء يتوصل الباحث الى أنّ اتجاهات النقد البنيوية ومابعدها أسيرة المؤشرات التأريخية والخيال الأدبي ومنهم الأعراف التي اشتغل عليها المؤلف وهذا يوفر أرضية واضحة للمنهج أو النظرية التي تبحث عنه صحة التفاسير مستدلا بقول (هارلود بلوم) (ليست هناك فقط تفاسير مغلوطة لهذا النقد كله شعر منثور ) في هذا الباب يشير الباحث الى احتمالية ان جميع الاتجاهات النقدية التي تبحث عن المعنى إنّما تجاهد للوصول الى المعنى وتقربصعوبتة بل تعذر استخلاص المعنى النهائي للعمل الأدبي بدليل أنهم وفروا أرضية لحرية التفسير تصل الى حد إغراق الناقد بآلية التأويل أو جعله يحل محل المؤلف في البحث عن المعنى ويشرح الباحث أقطاب النص ومؤشراته التاريخية والخارجية ويوضح في (ص10 و ص11 ) نوعية العمل الادبي ووصفه
وفي( ص12 )اتجاه المعنى الأحادي البنيوي وفي هذا الاتجاه يشرح الباحث المنهج البنيوي كمنهج نقدي معاصر كونه ينهمكفي فحص النص على أنّه ذو كيان مستقل مكتف بذاته ليس بحاجة الى الإحالة الى المرجعيات ( ص13 ) يصف الباحث النصوص بالتراكيب الوظيفية وتتحكم بها علاقات معقدة من الدال والمدلول أما معاني النص فتتوقف على طبقات نظام النص الذي تحكمه سلسلة مرادفات أو تضادات أو أنظمة معجمية وكتابية وعروضية ونحوية كما يرى ذلك (لوتمان).
ويستمر الباحث في مقاربة لهذا الاتجاه في (ص14 ــ 21 )حيث يتجه إلى المعنى القصدي في أفق التوقع من خلال الظاهرانية كمدخل لنظرية القارئ وفي المعاني المختلفة في (ص37 ) اتجاه نزاع المعاني التفكيكية كما في (ص43 )اتجاه المعنى الشفروي السيميولوجيا في هذه المحاور يستعرض الباحث أشهر الرواد في هذا المضمار ويوجز رؤية كل منهم للنص
والمؤلف والمتلقي
ويستخلص الباحث ان المناهج النقدية البنيوية وما بعد البنيوية ويتحرى تحليلها للمعنى المتشكل في النص الأدبي فضلا عن التطرق الى أوجه التلاقح الفكري والمنهجي في مسار المناهج النقدية ولخص للمتلقي عدد من البحوث لخصها بأربعة محاور منها إنّ السيميولوجي يبحث عن المعنى داخل الشفرة مع محاولة تعتبر الشفرة من قبل المتلقي النموذجي للوصول الى تعديل جديد هويتها وثانيها إنّ المنهج البنيوي له نظام في السيطرة على المعنى وثالثهما ان المعنى عند أصحاب افق التوقيع يرون ان المعنى في تفاعل بين القارئ والنص ورابعها حاولت التفكيكية ان تصل الى المعنى الذي نصوغه ونصل اليه بحد ذاته لايخضع للسيطرة كون كل معنى يوجد اخر بجانبه يزعزه ويقصيه.
التاريخانية الجديدة
(ص (65 يقدم الباحث مدخلا الى التاريخانية الجديدة ويمهد لذلك معتمد على قناعة جازمة إنّ إي نظرية أو تيار نقدي أدبي هو وليد ظرفه التأريخي الثقافي وهذه الحقيقة يراها ماثلة في العصر الذي نعيشه.
ويعتبر التاريخانية الجديدة أحد معالم نقد ما بعد الحداثة الأمريكي تحديدا الذي استطاع أن يجد له مسببات في هيمنته على الخطاب النقدي المعاصر وإن يفرض حضوره في ممارسات ثقافية شتى اثبت من خلالها أنّه الأقدر على تفتيق معميات النصوص الأدبية التي لها اتصال مباشر بفضاءات السلطة والاقتصاد والمجتمع والقوة لقد اعطى مفهوم التاريخانية سلطة ثنائية بين النص ومتلقيه مع تفعيل فجوات خارج النص كما أنّ التاريخانية الجديدة كتيار جديد منهج غير واضح الملامح ولم يثبت فاعلية حتى داخل الثقافات التي افرزته فضلا عن كونه منهجا غير نقدي كما يرى الكثير لأنّ التاريخانية الجديدة تحاول الإنعتاق من لباس النقد المعاصر نحو آفاق رحبه تتمايز بمعيار جديد في فهم الممارسة النقدية لجميع أشكال الثقافة وليس كما يشاع أنّها نظرية تمهد لموت النقد !!! (ص68 ــ (69 يسهب الباحث في مقاربة هذه الرؤيةوفي النهاية يرى الباحث أنّ تيار التاريخانية الجديدة منهج حتمي في تطور النقد المعاصر كونه يرى أنّ مؤلف النص ومتلقيه ينتميان الى عوالم واعراف تحكمها قوانين وضعية يكشفها التأويل ويخضع لإنظمتها بوعي أو دونه وهذه الاحوال والجذور تعود اليها من خلال التاريخانية هنا نود أنْ نقول وبناءً على ما ورد في توضيح التاريخانية أنّ المتلقي في أيّ نقطة في الكون يخضع فحوى النص لإنطباعاته الاولية في اللاشعور ويستنتج أو يجترح الرؤية التي يعتقد أنّ النص وظف من اجلها كما أن المعاني التي يشكلها النص والغاية تكون برؤية وثقافة المتلقي نفسه !!
في مبحثه الاول (البيئة الغربية والمؤثرات التأسيسية)
في أولا البيئة الغربية والنقد المعاصر:ــ
(ص (70 يتحدث الباحث عن عصر مابعد الحداثة التي يراها تتدهور في نقطتين رئيسيتين :
أولهما :ـ ما نجم من تغيرات في الوعي الفردي تجاه الدين والسياسة خصوصا المعتقدات الأخرى وما لحقهما من متغيرات ثقافية وفكرية مصدر شرعيتها الواقع البيئي الفكري في اوربا.
وثانيهما :ـ إنّ المناهج النقدية المعاصرة البنيوية وما تلاها التي استندت على تعقيدات الفلسفة الحديثة تلك مهدت لولوج عصر نقدي ذي منظور مغاير تماما لما سبقه معتمدا على معايير ممنهجة ذات مرجعيات لها رباط وثيق بالفكر الغربي السائد في حينه (ص.(71
في هذا الباب يشير الباحث الى تداعيات الواقع الاوربي سواء كان فكريا أو دينيا والذي تمخض عنه في ما بعد ناتج من هيمنات كثيرة أهمها سطوة الكنيسة وسطوة رجالها على نظم الحياة بمعنى ظهور استبداد ديني ينافي القيم الأخلاقية والروحية لكل الاديان بحث يوظف كل المكاسب والامكانيات المتاحة لخدمة القلة المسيطرة على مقاليد الآمور كلها وهنا نؤكد أن الحال في الشرق الآن أشبه بالحال في اوربا في قرونها الوسطى فما زال المجتمع الاسلامي يرى في الحاكم وأن كان مستبدا مفترض الطاعة وواجب الولاء له.
ولهذا نرى انّ خطوط حمراء تقف امام المبدع في تجاوز تلك الهيمنة الكاذبة وظهور أي صوت خارج شرعية قوة الحاكم يعتبر خروجا عن الدين بمعنى أظهر لدينا خطابا او نصا التحم مع تناغم التوجه المتطرف لأن الانسان لايمكنه أن يبدع في اختصاصه إذا كانت هناك مراقبة من المرجعيات المقدسة عليه ويستذكر الباحث محاكم التفتيش في اوربا.
أود أن اشير الى ان التعاليم الروحية في كل دين عززت قيمة الانسان ودافعة عنه وعن حريته واعطته كامل الحرية حتى في عملية العبادة بغض النظر عن ما يترتب على ذلك من ترغيب لكن الدين الاسلامي مثلا احترم المرأة واعطاها حريتها وحقوقها وكذلك الانسان بشكل عام ورسم له كيفية التعامل مع الابداع وفق ضابطة اخلاقية وجعل العمل مقترنا بالنية ودعا الى العلم والتعلم والبحث عن الذات ولم يكفر في بحث عن كنهه كل شيء ، فإذا اعتمدنا ان المنجز المتشكل منه المعنى سواء كان في أي غرض يحتاج الى تجاوز مراحل لدى المتلقي كي يستوعب المفهوم الذي ورد فيه حيث ان الدين تعرض لإنتكاسات كبيرة ولم يرقَ الى طموح المختصين سوى أنّ هناك علامات واضحة في التاريخ الاسلامي أظهرت ان ليس هناك مدرسة فلسفية خالصة وان العرب لم يتجاوزوا عقدهم وصراعهم على السلطة واقتبسوا من الحضارات المجاورة علومها وجيرت لإجتهاداتهم
الفقهية على مر العصور حتى في اوربا انقسم العالم الى كاثوليك وارثودوكس لكن ظهور حركات متعددة من امم متعددة انتج جيلا من المنورين الذين غاصوا في علل الاشياء واظهرت تجربتهم تلك التجارب الفلسفية اصلا والتي انسحبت الى الادب واصبحت مدارس لها كما في الفن التشكيلي ان الانسان في اوربا مازال يبحث عن ذاته المادية وكسبه غير المشروع من خلال غزو الامم ونهب خيراتها وازدواجية التعاطي مع الانسان من مكان لآخر نحن مثلا لو غادرنا النقاط السوداء في تاريخنا.
ومضينا بعيدا عن اجتهادتنا الدينية والعاطفية لوجدنا الاسلام اعطانا كل شيء ولم يأخذ منا أي شيء ولهذا كله وجدنا ان هناك مدارس في العالم ، من المتعارف اننا نقلد الغرب في قشوره وليس في جوهره وانطلقت اصوات نشاز تريد الانتقام من الدين وليس من اساء و استخدام الحق وظهر كتّاب تناغموا مع تجربة الغرب وهي بلا شك اتت على مراحلكان آخرها البنيوية وما بعدها والتاريخانية كما يصف الباحث تفاصيلها وبصراحة أشير ان البنيوية بالاساس هي فكر ديني يعتقد ان المخلوق أي الانسان عندما يولج في الحياة يكون في حل في كل ما يعمل أي انه كائن مستقل وله عقل يختار أي شيء يمحض ارادته وليس في النهاية مايلزم ان يحاسبه ولهذا جاء القول أن ولادة النص موت المبدع !!
وهكذا سوق الغرب هذه النظرية اما التاريخانية فذاك بحث اخر لايخلو من استعماريته واستغلاله للامم الاخرى وعدم التفكير بعقدة الذنب وإيذاء الاخر لفراغ تلك المفاهيم من محتواها ولازدواجيتها في التعامل مع الانسان حسب المصلحة وليس احقاقا للحق !!
في (ص (70 يجري الباحث تحقيقا حول المؤثرات السياسية والتأسيسية في الانسان الغربي وصراع المجتمعات واختلافها فمثلا هناك من يرى ان البنيوية وفرت الزاد الفكري لأثارتها نقاشات علمية بين مختلف الباحثين والمفكرين ويشخص الباحث ان بعض النقاد أخذ عليها الغاء التاريخ وعدم تأمله في مجرى الاحداث بوصفه ليس مرجعا للمعرفة …. ألخ (ص (77 وهذا
يعزز ما قلناه في السطور السابقة !!
في مضمار خطاب المؤثر التأسيسي الفلسفة ـــ النقد يجد الباحث ان السؤال الفلسفي الذي شغل الغرب كان اكثر عمقا من غيره لوصول مرحلة الاستقرار في صياغة معرفية تتلاءم مع التطور ولهذا فأن التاريخانية الجديدة تعتبر الخطابات الحداثية اتكأت على مؤثرات تأسيسية مباشرة وغير مباشرة ممثلة بخطاب الفلسفة والنقد وبطروحات الجمالية والماركسية بكل اشكالها وخطاب الشكلانيين والانثروبولوجيا الثقافية وسوسيولوجيا النص الادبي اضافة لخطاب الاستشراق ومنظري البنيوية (ص 81 ــ 90 ) وفي هذه الصفحة يغوص الباحث في خفايا رموز المذاهب ويظهر اختلافهم الجوهري احيانا اما في (ص92 ) المصطلح والإنبثاق في هذا الفصل يدخل الباحث بحذر رأي الدكتور (نوري جعفر ) في حديثه عن مفهوم التاريخ ورؤيته ذات الاربعة الاتجاهات بينما يرى (محمد آركون ) هذا المصطلح التاريخانية بأنّه يسمح له بتجاوز استخدام اللاهوت القومي أو الايدلوجي للتاريخ.ويستخلص الباحث أن التاريخانية مذهب يقول بأن كل شيء أو كل حقيقة تتطور مع التاريخ وأن الاشياء والحوادث تدرس من خلالها ارتباطها بالظروف التاريخية !!
ويضيف أما مفهوم التاريخانية الجديدة فهي ممارسة ترمي الى مقاربة العلامة بين النص والسياق بوصف النصوص الأدبية الفضاء الأمثل لمختلف التشعبات السياسية والأقتصادية والآجتماعية في (ص67-(96 هناك انعطافة مهمة في مفهوم التاريخانية حول الآلية التطبيقية في مجالات عديدة (ص 98 ــ 99 )يشرح الباحث تاريخ التاريخانية والمتمثل في البحث في عصر النهضة وصياغة النفس ولعل التاريخ هنا يقصد تبادل الهيمنة بين بريطانيا وأمريكا للسيطرة على العالم وتسويق ثقافتهم وحضارتهم نلاحظ ان بعض الامريكان يرى ان الاعمال الأدبية تقع في فراغ تأريخي بحجة ان الاطار المقبول هو الخطاب الانساني وهذا يدل على ان الامريكان ليس لهم تاريخ وانهم شعوب شتى تقادموا من افرازات الحضارات الغربية المتناقضة!!اكثر شيء في هذا البحث أثار إنتباهي ان هناك مجموعة من المفاهيم المنهجية التي سعى (غرينبلات) لتطبيقها على ادب (شكسبير ) تحديدا وقد اتت افتراضاته انه لايوجد هناك نص بريء انما هو نتاج مغموس بمؤسسته التي افرزته ولذا عد ّ النصالأدبي بمثابة نص تأريخي تترك عوامل كثيرة في صياغته هنا تظهر الصورة واضحة ان ليس هناك شيء بريء وليس هناك خطاب انساني مقبول هناك افرازات مرحلية لقوى متصارعة وقد اشبع الباحث الموضــــوع في (ص 100ــ 102 ) ونجد في هذه الصفحة أنّ الباحث توصل الى ان التوصيف السابق في الصفحتين المذكورتين يظهر ان الخطاب الادبي يجب ان يفسر ضمن سياقات كل من تاريخ الكاتب وتاريخ ناقد العمل الأدبي بمعنى قراءة النص في حالتي الإنتاج والتلقي !!
لأن التاريخانية تنظر الى مبدع النص بأنّه انسان يرتبط بنظام مجتمعي له منظومة كبرى تفوق مدركات الانسان وتتعالى عن سيطرته والتــــــــاريخ هنا هو جزء من منظومة علاميات المجتمع !!
في (ص (104 يقدم الكاتب تسع نقاط اجمل فيها نقاد التاريخانية الجديدة(ص(106 يتحدث عن منهج التاريخانية الجديدة صياغة ادبية للآتجاه مابعد البنيوي ورد فعل على الاتجاهات التي اتخذتها المدرسة الكلاسيكية في النقد لاسيما البنيوية ومابعدهاويوجز الباحث ان العلاقة بين النص ونتاجه و نظامه الثقافي (ص (107 و(ص (108 يظهر طرائق الاجترار بين الكتابة والثقافة ، أما في (ص (110 لبرالية النص.
وهنا نتحدث عن ما جاء به الناقد الماركسي (تيري الغتن) حول امكانية ان يتضمن نقدا للمعتقدات السياسية والقيم الأيدلوجية وما اشكال هذا النقد ؟ وتساؤله عن الكيف في اقحام الأدب للتاريخ السياسي والتاريخ الأيدلوجي لحقبة معينة ؟
ولاندري هل كان لأجل الأثبات أم للنفي ؟ لأن بلا شك بأن النص الادبي جزء من أيدلوجية الانسان وربما حتى الدولة بأكملها.
ضمن ظروف تاريخية معينة ولعلنا امام الكثير من النصوص التي خالفت ذلك ودحضت نظريات وايدلوجيات كانت تدين بها وتعتنقها . .
لأن التشدد يفرز نمطا من التفكير لدى الانسان المبدع للبدء بمرحلة ما بعد الفكرة مثلا نرى ان منتقدي الشيوعية وطريقهم في الحكم اكثر بكثير من منتقدي النظام الرأسمالي ومن ثار ضد الشيوعية بكل مدارسها كان ضمن الاطار لكن النتيجة ان الفكر الماركسي غادر ادارة الدول وعقولها ولانستثني تجربة الصين وغيرها لأنها زاوجت بين افكار الأخرين واقتبست منهم ما ينفع تطورها في كل الميادين !!
(ص (111 يشرح الباحث رؤية التاريخانية الجديدة عن شعرية (ص112 ــ ص (113 يضع الباحث الحقيقة امام المتلقي.
أما في (ص (114 في موضوعة التاريخانية الجديدة والمادة الثقافية يوضح الباحث نوع التداخل والأختلاف بين تيار التاريخانية الجديدة وتـــــيار المادة والثقافية ضمن المشهد الثقافي لما بعد الحداثة ويشرح ابعاد نقـاط التداخل الى (ص.(117
في خاتمة البحث
يجد الباحث نفسه امام سبع نقاط يحمل فيها تصوره عن بحثه أولها:ـ ان البيئة الغربية كانت عاملا واضحا تفتيق تيارات فكرية واجتماعية واقتصادية.
وثانيها :ـ ان الخطاب الفلسفي الغربي في العصور الوسطى وما بعدها كان له القدح المعلى في تنوير الانسان وتجريده رأي الدين والكنيسة والسلطة ومن ثم وضع اللمسات الرئيسة للحداثة.
أما الثالثة :ـ فيؤكد الباحث ان النقد المعاصر والخطاب الفلسفي عنصران ريئسيان اتكأ عليهما باحثو التاريخانية الجديدة لبلورة اتجاه مغاير لأطروحتها بخصوص محض العلاقة بين النص وتمثلاته التاريخانية والثقافية كما يرى الباحث ان التاريخانية الجديدة نشأت في سبعينيات القرن الماضي على يد (ستيفن عزينبلات) في قراءته لأدب عصر النهضة الشكسبيري تحديدا كما يحمل الباحث مبادئ عامة وافتراضات ينبغي للباحث ان يتسلح بها قبل محاولة اجراء بحثه وفق هذا التيار الجديد كما يرى ان باحثين ظهروا في التسعينات اسهموا في التنظير والتطبيق في تيار التاريخانية الجديدة وأخطر ما توصل له الباحث ان خلطا حصل بين التاريخانية الجديدة والمادية الثقافية ولذلك ثبت ابرز نقاط التداخل والاختلاف بينهما
في موضوعة عولمة الادب والادب المرغوب فيه نموذجا (ص (133 يظهر الباحث جدل المفهوم وجدل الهوية حاول الباحث ان يجد مفهوم محدد للعولمة لكن تباين آراء الباحثين في مفهومها وفي شأن ظهورها وفق ايدلوجيات مختلفة يصعب على المحقق ان يجد فسحة من المعرفة ليوظفها في تحقيق ما يصبو اليه لتشابك الافكار وتناقضها كم يبدو !!
عموما سندع للمتلقي الاطلاع على ما ورد في هذا البحث من (ص133ـــ .(150
الملاحظات
ــ استخدم الباحث عشرات المراجع المعتبرة في بحثه الرائع
ــ أراد الباحث ان يظهر للمتلقي المدارس النقدية ومنها البنيوية وما بعدها والتاريخانية واوضح بما لايقبل الشك إمكانية في انتزاع التوضيح وتقديمه لأي قارئ بسيط مثلي بصورة لاتقبل التوضيح والشرح
اظهر الباحث رؤية ولكن ليس بعلانية في قناعاته كمتخصص في موضوعة النقد بأسلوب جميل يمكن ان يستنبطه القارئ أو يستقرأه في متن البحث
ــ كما سجلت على الكتاب أخطاء مطبعية كثيرة تتجاوز (30خطأً مطبعيا)
ــ كما لاحظت ان الباحث شرح في منجزه تاريخ البنيوية وما بعدها وقدم بنية وحداثة للتاريخانية !!!
























