مضامين شعرية فريدة من جواهر الفقه والأدب

الجواهري في ذكرى رحيله العشرين

مضامين شعرية فريدة من جواهر الفقه والأدب

تشارك صحيفة (الزمان) في استذكار مرور عشرين  عاما على رحيل شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري التي تصادف اليوم 2017/7/27 عبر أضمامة لمساهمات مبدعين واكاديميين وسياسيين عراقيين مميّزين، مختارة من كتاب سيصدر بالمناسبة خلال ايام، وذلك عن مركز الجواهري للثقافة والتوثيق موسوماً بعنوان  استذكار الجواهري.. تباه بالوطن والشعر والتنوير يحمل رؤى وذكريات وحكايات مختلفة ومتنوعة عن بعض عطاءات الشاعر الخالد، وإرثه وتراثه الحياتي  والابداعي والوطني العريق .

1- في غربة الجواهري واغترابه الإبداعي

                              د. عبد الحسين شعبان

هل كانت غربة الجواهري اغتراباً أم هجرة وهو الذي عاش ثلث عمره البيولوجي ونحو نصف عمره الإبداعي في المنفى؟ كنت أقول مع نفسي: ماذا لو بقي الشاعر الجواهري في العراق، أسيكون هو الجواهري نفسه؟ أم أن الغربة أضفت على اغترابه نكهة جديدة وعميقة؟ وظل هذا السؤال يراودني سواء بيني وبين نفسي أو في حواراتي ومطارحاتي مع الجواهري الكبير.

لكن الجواهري يختلف عن أدباء المهجر الذين عاشوا في الغربة ثم اغتربوا، في حين أنه  كان مغترباً قبل غربته البيولوجية، وقد يكون اغترابه ازداد عمقاً بعد غربته، وإذا كانت غربة الجواهري زمانية، فقد ظل مرتبطاً بالمكان بوشائج قويّة، إذْ لا يمكن تصنيف القصائد التي أنتجها الجواهري في الغربة باعتبارها من ” أدب المهجر” الذي طبع نتاجات أدباء كبار مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة ورشيد أيوب وفوزي المعلوف والياس فرحات وغيرهم، وذلك لأن الجواهري بقي يعيش، بل يسمع، نبض بيئته ومجتمعه، بلغته المنفردة وبنائه الفني المعهود وتركيب قصيدته السائد، وكأنه لم يبارح المكان.

وحتى ما أنتجه من روائع في المهجر، فقد كانت نكهته محلية وعراقية وعربية بامتياز، ومن يقرأ قصائد ديوانه ” بريد الغربة” وقبل ذلك قصيدته الشهيرة “يا دجلة الخير” وغيرها يتأكد من أن الغربة رغم لواعجها لم تترك مثل ذلك التأثير على لغته وقصيدته وفكره.

وكنت قد سألته: وماذا كان هناك يا أبا فرات: زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟ فكان جوابه: الإثنان معاً، “أي والله”.  واستمرّ في القول: صحيح أننا دفعنا أثماناً باهظة من كراماتنا المُهانة، ومن شماتة الشامتين، وتشفّي المتشفين ، ولكننا مع جفاف الغربة، كسبنا حريتنا وحلاوة الحياة. هكذا إذاً كان “الفردوس المفقود” و”الفردوس الموعود”.

وإذا كان الشاعر بطبعه مأزوماً ومغترباً، فإن أزمة الجواهري واغترابه الروحي معتّقان وكانا أشد قسوة عليه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 من جميع مراحل حياته، بسبب مرارته وخيبته والحزن العميق الذي أصابه بعد أن كان قد حلم بالثورة وغنى لها .

إن اغتراب الجواهري هو اغتراب الذات المبدعة التي تظلّ أمراً إيجابياً، بل مرغوباً، ودونه يبقى المبدع تائهاً أو حائراً أحياناً، لأن مثل ذلك الاغتراب من ضرورات الحال الإبداعية فلا إبداع دون اغتراب الروح، الذي هو توكيد للأنا المبدعة التي لا تفكّر بمستقبلها مثلما لا تبحث عن ماضيها، بقدر ما ينصب اهتمامها باللحظة الإبداعية، تلك التي حاول الجواهري الإمساك بها في كل الأوقات، بل إنه لم يدعها تفلت من بين أصابعه، مثل هوّيته تبدأ وتنتهي بنصّه الشعري، الذي لا يعلو عليه شيء.

{كاتب وباحث اكاديمي

2- الجواهري

د. سعد عبد الرزاق

    ربما أنا لست الشخص المناسب للحديث عن شعر الجواهري، فأنا بإختصار لا أفهم بالشعر.  لا يُثمن الجواهري بإعتباره شاعراً فحسب، فكثير من معاني شعره لها خلفيات فلسفية واجتماعية وسياسية.

   وربما هذا هو إنعكاس للحياة التي عاشها شاعرنا الكبير، ”عشت حياة عاصفة، اختلطت فيها عوالم بعوالم، الفقه بالشعر، والشعر بالسياسة.والسياسة بالصحافة، والصحافة بالحب، والحب بالصداقات، والبؤس بالنعيم، والتوطن بالترحل، والطفولة بالرجولة“  .

  وقد تشبع الجواهري بالفقه والشعر واللغة العربية من الأجواء الثقافية التي كانت تسود مدينته التي ولد فيها، وهي النجف.  وكثير من الحكايات التي يرويها الجواهري تعود الى ايامه الأولى في مدينته، ”فرغم انني نقلت رحالي من أرض لأرض، مسافراً أو متنزهاً أو شريداً، إلا ان جذوري بقيت في تلك المجدبة الواقعة بين الصحراء والبساتين ونهر الفرات“ .  ورغم اعتزاز الجواهري بالنجف وشخصياتها المتميزة وتقاليدها ومرقدها العلوي الذي جاور البيت الذي نشأ فيه، فأنه ينتقد الكثير من السلبيات التي كانت تسود في المدينة.   وبهذا الخصوص يعاتب والده الذي ”يبدو انه لم يفهم الواقع المرٌ الذي آلت اليه زعامات العوائل النجفية، بل وكل بيوتات العراق وماشابهها، فقد اصبح المال والاملاك المتوارثة والقدرة على التحايل وعلى اعطاء الأبهات حقها من المظاهر، فضلاً عما يمتاز به الواحد عن الآخر من الدهاء في ذلك، اساس الزعامات الأولى،..“ .

 وبالمناسبة  فأن شخصية الجواهري ابعد ماتكون عن الفئوية او الطائفية، انه وطني عراقي بحق، لا يميز الناس على اساس خلفياتهم الدينية او المحلية او غيرها، بل ربما يصح القول عنه بأنه كان اممياً.

 تعرفت على الجواهري في نهاية عام 1962 في براغ، والتقيته مراراً فيما بعد.  جلساته ممتعة للغاية، وهو شخصية مفعمة بالحيوية، حساسة، ومنفتحة على الأخرين. وقد يتبادر الى الذهن إنحيازه الى اليسار السياسي، إلا انه يلتقي مع اليسار في كل الأمور الوطنية التي تعادي الأفكار الرجعية وتدعو الى التحرر بكل اشكاله، خصوصاً تحرر المرأة العراقية.

 وفيما يخصني فأنا تعلقت ببيتين من ابيات شعر الجواهري التي تنطبق على اوضاع مجتمعنا ما بعد 2003.

لا تنس انك من اشلاء مجتمع،

يدين بالحقد والثارات والخطلِ

يستنفر اليوم من امس على غده،

على المذاهب والأديان والنحل

{ كاتب وباحث اكاديمي

1/محمد مهدي الجواهري، ذكرياتي، الجزء الأول، دار الرافدين، دمشق، ص14.  2/ نفس المصدر، ص 39. 3/نفس المصدر ص45

3- ويستعصي على الموتِ الخلودُ

                                    رواء الجصاني

    في مثل هذه الايام، وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

” الجواهري يرحل إلى الخلود في احد مشافي العاصمة السورية – دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام…”

  وهكذا يطبق ” الموت اللئيم” اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

–  المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد…

 – السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان “ حزباً ” بذاته، يخوض المعارك شعرا وفكراً ومواقف رائدة…

– الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

… وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي “لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر”.. ناشر صحف ” الرأي العام”  و” الجهـــاد”  و”الثبات” … ورفيقاتهن الأخريات …

– منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

 لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صُلبا

 – صـاحب ” يوم الشـهيد” و” آمنـــت بالحسين ” و” قلبي لكردستــان” و” الغضب الخلاق” و” لفداء والدم”… شامخ، يطأ الطغاة بـ” شسع نعل ٍ عازبا”..

…  والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن “وشـك معترك أو قرب مشتجر”.. كيّ “يطعم النيران باللهب”! ..

– مبـــدعٌ بلا حـدود في فرائـد” المقصــــورة ” و” زوربـا” و” المعـري”  و” سـجـــا البحـر” و” أفروديـت” و” أنيتـا” و”لغة الثياب” و” أيها الأرق” وأخواتهن الكثار…

–  وهو قبل كل هذا وذاك ” أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس”.

 – كما انه ” الفتى الممراح فراج الكروب” الذي ” لم يخل من البهجة دارا” ..

– رائدٌ في حب وتقديس من ” زُنَّ الحياة” فراح يصوغ الشعر ” قلائداً لعقودهنَّ” … و” يقتبس من وليدهن نغم القصيد” ..

–  وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره ” ميتون على ما استفرغوا جمدوا” وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى ” لغير الشعر من وثن ”  … فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ…

…انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته “يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا” … فهل راحت قصائده – حقا – ” ملؤ فم الزمان” !! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده ” سيبقى ويفنى نيزك وشهاب”  وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي

 وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ

 ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

…ترى هل صدق بما زعم ؟؟!. التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!.

4- الجواهري، قَرْنٌ من الشعر

      حسان الحديثي

 لم يعرفْ الشعر العربي منذ قرون عديدة عبقريةً متفردةً كعبقريةِ محمد مهدي الجواهري ، وسيجد المتتبعُ لشعرِه الدارسُ لأدبِه أنه أمام أطوار شعرية تصاعدية تُمثل عقوداً من حياة محمد مهدي الجواهري ، ولعلنا نستطيع ان نلقي نظرة من بعيد على حياته لنزدادَ فهماً ودرايةً بحياتِه التي انعكست على فنِه وادبِه

 فالجواهري هو الصبي المنطلق من أزقةِ وحواري النجف المُتعلم في مدارسها الدينية الضاربة في القدم، المتجرع شوك ألفية ابن مالك وجفاف كتاب سيبويه في صغره ثم الناهل من أمالي أبي علي القالي والمتمعن في نسيج ادب الجاحظ في البيان والتبيين، والجامع بين فقه اللغة وعلوم البلاغة والبيان إلى النقد في كامل المبرّد وأدب ابن قتيبة

 الجواهري هو الطالبُ الذي نحت اللغةَ بآلةِ الدرس والإجتهاد ثم جمّلها من خلال الإطلاع على آداب وفنون الشرق والغرب والإحاطة بالتاريخ حتى تربع على عرشها فأصبح يقلّب المفرداتِ بقلب عارف وعقل عالم حتى غدت عنده أطوعَ من الطين في كف الكوّاز

 الجواهري هو الحالمُ والطامحُ الى شرفِ الريادةِ في فنه وأدبه المتنقل بين بغداد ودمشق وبيروت وغيرها من المدن العربية حتى وسع افاقها واحتوى فضاءاتها وتشرّب عراقتها ثم المتغرب في مدنية آوروبا وحضاراتها حتى ايقن أن طول المسير من دون غايٍ مطمح خجل

 الجواهري هو الشاعر والأديب الذي ظل يرمِقُ المعاني بإسجاح ولطف وترمقه بالف طرف فادرك دون مبالغة ولا تكلف انه شاعرٌ ولقد ولد كي يكون شاعراً ، وقدره ان يكون شاعراًحتى جلس على عرش الشعر فلقب عن جدارة بـ “شاعر العرب الأكبر”

 الجواهري هو المتمكن في ثمانية عقود من الشعر أن يصلَ أوَّل الشعْرِ بآخرِه وأن يُعيدَه سيرتَه الأولى بعد أن شطَّ ومالَ كثيراً ، فهو الشاعر الذي ألبس الحَداثةَ بالتليدِ مستفيداً من حافظتِه العجيبةِ وإدراكِه لشعرِ الأولين وذكائِه الفريدِ في فهمِه لأساليبِ شعرِ المتأخرين، فهو -في ما أرى- إمتدادٌ طبيعيٌ لأربعة عشر قرناً من الشعرِ وحلقةٌ لا بدَّ من وجودِها في السلسلِة الذهبية للشعر العربي الذي ابتدأ بالنابغة وامتد بجرير والمتنبي والشريف الرضي وصولاً اليه فهو العباسيُ الذي ولد متأخراً بأثني عشرَ قرناً من الشعر وهو النافذةُ التي اطلّت منها عينُ الأدب الحديث على نهر تراثه من منبعه حتى مصبه وهو الناسجٌ بين لُحْمَةِ التليد وسَدى الحديث بين رصِّ الجاهليين وديباجة العباسيين وحداثة المتأخرين وهو الشاعرٌ الذي جُمعت له قوة ومتانة البناء الى أناقة الالفاظ فجاء شعره شامخَ الطودِ ممردَ الصرحِ هائلَ المحتوى وهو الأديبٌ الذي أخذ مكانَه ومكانتَه بكلِ حزم ومقدرة فكان خير أديب يُبتدأُ ويختتمُ به القرن وهو الفيلسوف الذي البس الفكرة وشي الفهم حتى رفــــــع طلاسم المثوى والمضجع وردها عن عَرَضِ المطمع… الجواهري، هو قَرْنٌ من الشعر.

{ كاتب وناقد ادبي