مصدر الألوان – مصطفى السعداوي

 مصدر الألوان – مصطفى السعداوي

لم اكن مختلفا عن غيري من الشباب الذين تخرجوا ولم يحصلوا على فرصة عمل مناسبة, لكنني لستُ كالغير من الذين يعشقون الكسل والراحة, بحثتُ عن عمل مهما يكن بسيطاً حتى لا يتسرب الكسل الى روحي, واستطيع ان اصرف منه عسى ولعلى ان تفرج الامور هكذا كانت تردد والدتي الحنونَ “من الباب للكوسر فرج ” ,في بادئ الامر كان الحصول على عمل صعباً لكن كان لي من المؤهلات ما يساعدني على العمل في محل لبيع الملابس النسائية في الكاظمية, حين اخبرتُ صاحب المحل عن رغبتي في الحصول على عمل وافق واتفقنا على وقت العمل واجوره.

كان من المؤهلات التي سمحت لي في العمل على ما يبدو, وسامتي ولون عينيي الاصفر كانت تقول لي امي اني الاجمل على الطلاق, الاجمل ليس في لون عينيي فقط جميل في كل شيء خلقا وخلقا ومنطقا, وكنت اجيبها دائما ” القرد بعين امة غزال” لكن هذه الوسامة التي تصر عليها والدتي لم تجعلني احصل على محبوبة طوال تلك السنوات!, لا اعرف السبب انا قبيح لهذه الدرجة ام لأنني كنت خجولا اكثر من ما ينبغي؟!.

مرت الايام مملة رتيبة داخل هذه المحل الكئيب المليئة بالألوان, لم يكن لوجد الالوان معنى في ذلك المحل كنت أراها باهتة كأنها صورة لكاميرا تصور بالأشعة تحت الحمراء فسلبتها الوانها, كنت اسأل صاحب المحل بعض الاحيان هل هذا اللون ما طلبته الزبونة فيجيب نعم, انه الازرق الفاتح الذي طلبته الانسة يسألني بعد ذهابها عن جديتي في طرح السؤال, فأجيبه اني كنت امازحه فقد رايته متعبا, اكذب علية لأحافظ على عملي معه, الا اني وفي الحقيقة كنت قد فقدت القدرة على التميز لسبب لا اعرفه, حاولت مراراً ان اعرف سبب هذه التعاسة التي نمت بسرعة كشجرة خبيثة واستحوذت على روحي, الحزن عبارة عن غيوم سوداء صغيرة تدور حول قلبي جعلت من قلبي مركز لدورانها تدور في مسارات ثابتة ومنتظمة, لكن في لحضه ما كانت تتجمع وتكون غيمة كبيرة ملتفة حول نفسها كأنها ثقب اسود تحاول ابتلاع قلبي وكل شيء جميل حولي, استمرت نوبات الحزن لفترة طويلة كنت قد نويت خلالها الهرب من هذه المهنة التي جلبت لي التعاسة, رغم كثرة الحسناوات التي مرت على ذاكرتي, ولكن كان هنا شيء لا اعرفه يمنعني من النظر لكل هذا الجمال .

الى ان جاء ذلك اليوم الذي استعدت به كل الالوان, كأني رجل يبصر لأول مرة في حياته, وقفت هي خارج المحل مع اخوتها الصغار ودلفت والدتها لتشتري بعض الحاجيات, لا لون عينيها الخضراوين التي كحلتهما بعناية تامة ولا لون القمح وقت حصادة على خديها, ولا تلك الابتسامة الطفولية التي ملأت وجهها عندما انتبهت لنظراتي المتفحصة وعينيي التي توسعت على حين غرة وكادت  تخرج من محجريها , السبب اكبر من ذلك سبب لا اعرفه انا الاحمق بكل انواع العلاقات, والغبي في توضيح الاشياء والجاهل في فلسفة هذا الجمال, ربما كان سبب هذا انها منحتني الالوان مرة ثانية او ابتسامتها المشرقة التي بددت كل تلك الغيوم دون سابق انذار.

خرجت والدتها وخرجت انا اتبعهم, كنت خائفا ان لا ارها مجددا, اشرت لها بهاتفي اني اريد ان اعطيها رقمي اريد ان اتمسك بشيء من هذه الحياه التي اشرق من جديد بابتسامتها, كانت ابتسامة الخجل تذكرتي للعبور الى بحر سعادتها, تخيلت انها هناك تنتظرني على شاطئ وبحر وسماء زرقاء لتخلصني من ظلام اوشك على ابتلاعي اوشك على ان يدفنني وانا اتنفس.

لكن كيف ولا شجاعة لي ان اعطيها رقم الهاتف علانية او ان اقترب منها, ولأول مرة يسعفني ذكائي, حركته قوة لا اعرف مصدرها, وجدت نفسي اطلب من بائع محل الحلويات قلم وورقة وقد كتبت الرقم ووضعته في احد قطع الحلوة وارجعت الغلاف عليها كما كان, كانت قطعة الحلوى بيدي طوال الوقت وانا احاول تقديم الحلوى للناس, توزيع الحلوى شائع في الكاظمية المقدسة بسبب النذور , وصلتُ الى عائلتها اعطيت امها واخوتها اولا ومن ثم توجهت لها كنت احاول سحب اكبر كمية من الاوكسجين وانا اقترب منها ليبقى عطرها يسليني فقد كنت اعرف ان الليل سيطول حتما, اعطيتها القطعة التي كان بيدي طوال الوقت واشرت لها انها تحمل رقمي, تحمل احلامي, مستقبلي, الالوان التي وجدها عندما وجدت عينيها وابتسامتها التي بددت الظلام من حولي, سألتني والدتها عن مناسبة هذه الحلوى, اجبتها وانا انظر لمصدر كل الاوان في هذا الكون, وجدت شيء فقدته قبل ان اولد, شيء يبعث الدفء في روحي المتجمدة, ابتسمت عندما سمعت امها تدعو لي بان لا افقده مرة ثانية.

مر الليل طويل جدا اكثر طولا من ما توقعت, كلما حاولت الغيوم ان تتجمع وتبتدئ دورانها كان ذاكرتي تعود بي الى ابتسامتها وطفولة وجهها.

وهكذا مر النهار, بعد منتصف الليل كان اليأس قد تسرب الى روحي وبدأت الغيوم بالتجمع من جديد حول قلبي كنت اشعر بها هذه المرة اشد قسوة مما كانت علية, كان الساعة قد ابحرت في يوم جديد, واشار الهاتف الى تاريخ جديد وشهر جديد ايضا.

رن الهاتف وهو بيدي كانت الشاشة تضيء برقم لم يحفظ في ذاكرة الهاتف بعد, استويت جالسا احسست ان ذلك القلب قد امتلك جناحين وهو يضرب على اضلاعي التي اعتبرها قفص يسلب حريته بدلا من يحميه من كل سوء, فتحت الخط وانتظرت, كذلك ساد الانتظار على الطرف الاخر, لكن كنت اسمع الانفاس كانت انفاس توحي بالخوف والحذر, لم اكن اشجع منها بكثير ايضا, همست بالسلام وهمست بالرد سيطر الخوف والخجل على كلينا, الدقيقة تمر بكلمتين او ثلاثة, وفي النهاية استجمعت قواي لقول قبل ان تذهبي اريد  معروفا, اريد منك ان تشرقي مرة اخرى, قالت اتفقا غدا في نفس الوقت.

مر يوم اخر وانا انتظر, لا اعرف لمَ تَكون عقارب الساعة مقيتة هكذا عندما انتظرها؟!, النهار طويل واتخيل ان هناك عطلاً في الساعة انزلها فاعرف ان العطل في رأسي, دأبت على تغيير بطارية الساعة في اليوم مرتين, مما دفع صاحب المحل لتوبيخي قائلا انك من يحتاج لتغيير بطارية او تغيير جمجمة كاملة.

اشكو لها ان النهار ممل بدون وانه طويل اكثر مما يجب, اشكو لها ذلك الشوق وتلك اللهفة التي تحرقني لها, سألتني عن سبب اختيارها دون غيرها, اجبتها بأني اجهل السبب الحقيقي لاختيارها وهذا اجمل شيء ان تعشق ولا تعرف لماذا تعشق, لم يقنعها جوابي, فأخبرتها ان انثى باذخة الانوثة مثلها لابد ان تجبرني على اختيارها, وطفلة مدللة مثلها لابد ان تجذبني لأكون لها ابا, وامرأة حنونة مثلها لابد ان تدعوني لكون طفلها, كان هذا الجواب شافيا لها اكثر من الجواب الاول تخيلت تورد وجنتيها من الخجل .

التقيتها ثلاث مرات قبل ذلك اليوم, اتصلت بي في الصباح قالت انها ستأتي مع والدتها الى الكاظمية كي تؤدي مراسيم الزيارة وتشتري بعض الحاجيات, وان عليهَ الاستعداد لاستقبلها, وحين انطلاقهم بعثت رسالة انهم في الطريق, كنت انتظر وانتظر ولكن لم يصلوا, اتصلت كثيرا ولم يكن هاتفها يرن ابدا, عدتُ الى البيت مرت ثلاث ايام بلا نوم كنت اراقب هاتفي لعل شاشته تضيء باتصالها, كنت اتذكر بعض الكلمات التي قالتها لي علها تؤنس وحدتي, في اخر اتصال لها قالت انها تشتاق لي ووصفتني بالمجنون, نعم انا مجنونها هذه كلمتي المفضلة (مجنونك), اتذكر انها مازالت تحتفظ بقطعة الحلوى ورقم هاتفي داخلها.

لكن لماذا تأخرت كل هذا الوقت الم يحرقها الشوق الم تعان مثلي الم تسهر ؟!!, عزمت ان اذهب الى بيتها كنت قد اوصلتها مرة من مدرستها لبيتها فحفظت اين يسكن موطني, الصباح يجيء متأخرا كالعادة عندما اكون منتظرا.

ذهبت الى بيتها كان هناك بالقرب من حائط البيت كنبة قديمة للجلوس وفوقها مباشرة كتبت قطعة سوداء كتب عليها اسمها واسم والدتها وقد استشهدتا في الانفجار الذي هز مدينة الكاظمية قبل ايام, لقد سمعت الانفجار حينها, لكن لم يخطر في بالي ان الانفجارات تغتال الالوان! تقتل الملاكئة! كنت اظنها تقتل البشر وحسب!, كنت اتمنى ان اطرق الباب ان احتضن والدها ليعزيني بفقدانها واعزيه, ان يرشدني لغرفتها, لخزانتها كي اخذ احد شالاتها, ذلك الشال الذي رفضت اهدأه لي, اردت ان اشمها للمرة الاخير ولكن هيهات.كنت قد بدأت افقد الالوان تدريجيا, اخرجت هاتفي وكتب اسفل رسالتها الم تصل بعد فقد طال الطريق كثيرا.