مشاهدات في عاصمة الثقافة 1

مشاهدات في عاصمة الثقافة 1
عوّاد ناصر
لم أعرف مدينة تعتاش على ثقافة الحنين مثلها.
الحنين عاطفة عاطلة ومعطلة تمنع الناس من أي أفق. فتراهم سادرين في انكفاء مقيم، يقتاتون على ماضٍ هو الآخر متوهماً، فالمدينة، مدينتهم، لم تتطلع إلى نفسها في مرآة، يوماً، ولم تسأل نفسها، يوماً، عن صورتها الحقيقية ككائن حيّ يحسب ليومه كما لغده، ويتفحص قدميه قبل الخروج من البيت ويرمم الزقاق المكسور في الطريق إلى أصغر الأحلام.
مدينة منكوبة بالنسيان رغم ولعها الشديد بثقافة الحنين وهي تقلب دفاترها العتيقة كمفلس أبدي.
وجوه الناس فيها تشبه غبارها الحار وشوارعها الفقيرة، المهملة، والمثقلة بالتعب، الراكدة مثل مستقنعات سوداء تمتلئ بالأشنات والسبايروجيرا والعجز المزمن والكسل والركض وراء اللاأين.
هي تستعد، الآن، لتكون عاصمة للثقافة، بينما لا ثقافة ثمة، والمثقفون فيها مسؤولون، أكثر من غيرهم، عن أميتها، حتى باتت ثقافتها تدمر نفسها بنفسها على أيدي الكثيرين منهم، كي لا أقول كلهم، لأنهم رقصوا في موالد متتالية وطبلوا في أعراس ليست أعراسهم وغنوا لحبيبات وهمية واندرجوا في لائحة الوليمة الفاسدة.. الوليمة الأزلية، المقامة منذ الأزل والمستمرة حتى الأزل، مثقفون أكثر من شيزوفرينيين إنهم المتشظون إلى أكثر من وجه وأكثر من لسان وأكثر من لغة،، يصلحون لأكثر من مناسبة وحرب ودكتاتور، حتى تحسبهم فقدوا القدرة على العيش من دون دكتاتور يرعى أهازيجهم وشعاراتهم ولطمياتهم وولاءاتهم الجاهزة والمعدة على عجل.
تستعد المدينة لتكون عاصمة للثقافة من دون أية مستلزمات للثقافة، بل حتى تلك التقاليد البسيطة في الإدارة والتنظيم، ووزارة الثقافة فيها من أفشل الوزارات وأكثرها فقراً وأقلها نتاجاً، حتى أن وزيرها ذو وزارتين، فما الجامع بين الدفاع والثقافة؟ وسياسيوها لا يحترمونها ولا يريدونها لأنها، كما يتوهمون، دائرة حكومية لا تدر على مديرها أي مال حرام، ولا فرصة فيها للسرقة والفساد، رغم أنها لا تختلف عن أي مقاولة تجارية تتيح السرقة العلنية ووفق القانون والعقد الموقع والصفقة المشبوهة.
أقول يمكن لوزارة الثقافة أن تكون مرتعاً للصوص وسارقي المال العام، مثل أي مؤسسة حكومية أخرى، ويمكنني أن أقدم مئات المقترحات كي تكون كذلك، وأشجع على الفساد فيها، لعل شيئاً من فسادها وفسادهم المالي يشمل الثقافة والمثقفين فيتحقق بعض من آمال وطموحات في بناء أو ترميم مسرح ودار سينما ومكتبة وطبع كتب بشرط توزيعها ، لأن قاعدة الفساد تقول دعهم يفسدون كثيراً لعلهم ينجزون قليلاً
عاصمة الثقافة بلا ثقافة، ووجه ثقافتنا، اليوم، شارع واحد ووحيد، مزدحم ومضطرب وكئيب اسمه شارع المتنبي يشيع قليلاً من الفرح البسيط، فرح مع وقف التنفيذ، تحرسه مقهى الشهبندر التي تقدمت من صاحبها السيد الخشالي لأقدم تعزية متأخرة جداً بفقد أبنائه البررة في تفجير إرهابي.
لم أقابل مواطناً في عاصمة الثقافة إلا وعبر عن يأسه مما هو قائم في هذه العاصمة، والعنوان الأبرز لأحاديث الناس هو كلهم لصوص
للمثقفين في عاصمة الثقافة أعذار جاهزة كي لا يحضروا أصبوحة أو نشاطاً ثقافياً أو فنياً، فمن يعدون على أنهم وجوه ثقافية في عاصمة الثقافة غائبون عن نشاطاتها، حتى من حسبتهم أصدقاء منذ زمن بعيد، والشعراء منهم أكثرهم تجاهلاً للشعر والشعراء
عاصمة الثقافة بلا ثقافة، فلا بنية تحتية تتفاعل مع بنية فوقية، لتجد البنيتان مكاناً للتفاعل والجدل والتأثير المتبادل.
حتى المسيح نفسه لو صار مسؤولاً في عاصمة الثقافة لوجدته أكبر الفاسدين
AZP09