مستقبل العراق في ظل نظرية الأمن الوطني الإقتصادي – قتيبة آل غصيبة

مستقبل العراق في ظل نظرية الأمن الوطني الإقتصادي – قتيبة آل غصيبة

إحدى أحدث نظريات الصراع بين الدول القائمة هي “نظرية الأمن الوطني الاقتصادي”؛ تركز هذه النظرية على النزاعات الاقتصادية بين الدول؛ حيث يتم استخدام الاقتصاد كأداة لتحقيق الأهداف الأمنية والسياسية.

مؤسس نظرية الأمن الوطني الاقتصادي هو “دانيال إس. بيل”؛ وهو عالم اقتصاد أمريكي؛ وتم تأسيس النظرية في عام 1980،  عندما نشر بيل كتابه “The Political Economy of National Security” (الاقتصاد السياسي للأمن الوطني)؛ وتناول الكتاب العديد من الموضوعات؛ ناقش فيها العلاقة بين الاقتصاد والأمن الوطني ، تعتبر نظرية الأمن الوطني الاقتصادي حتى اليوم مادة دراسية هامة في العديد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في جميع أنحاء العالم.

تتلخص فكرة هذه النظرية؛ في أن الدول تستخدم الاقتصاد لتحقيق الأمن الوطني؛ وأنه يجب عليها حماية اقتصادها من التحديات الخارجية؛ وذلك من خلال تطوير القطاعات الاستراتيجية والتكنولوجية وتعزيز التجارة والاستثمارات. ويعزى ظهور هذه النظرية إلى الانتقال العالمي نحو الاقتصاد المعرفي والتكنولوجي؛ ( يتناول الاقتصاد المعرفي والتكنلوجي؛ كيفية تحسين الإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي من خلال الاستفادة من المعرفة والتكنولوجيا؛ ويعتبر تحسين الجودة وتقليل التكاليف وزيادة الإنتاجية والتنافسية في الأسواق العالمية بمثابة الأهداف الرئيسية للاقتصاد المعرفي والتكنولوجي) ؛ إذ يتم استخدام المعرفة والابتكار لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والأمنية،   وتقوم  الدول حاليا بالتنافس والسباق من أجل السيطرة على الصناعات الجديدة مثل التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. من أبرز الأمثلة على تطبيق هذه النظرية هو الصراع الحالي بين الصين والولايات المتحدة؛ إذ تسعى الصين لتحقيق الأمن الوطني الاقتصادي من خلال؛ تطوير صناعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والتجارة الدولية؛ وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من الصناعات الحيوية الاستراتيجية.

تقليص نفوذ

في المقابل؛ تعتبر الولايات المتحدة هذا النهج التجاري والتكنولوجي المتسلح بالمعرفة والابتكار تهديداً لأمنها الوطني؛ وتسعى بدورها لتقليص النفوذ الصيني في الاقتصاد العالمي وضمان السيطرة على القطاعات التكنولوجية الحيوية الحيوية.

ومن المتوقع أن تزداد أهمية خطط تنفيذ نظرية “الامن الوطني الاقتصادي” مع تزايد التنافس الاقتصادي بين الدول حاليا؛ وذلك في خضم تأثير التطورات التكنولوجية والابتكارية على النظام الدولي.

من المهم أن تنظر الدول حاليا وفي مقدمتها “العراق” إلى هذه النظرية بشكل شامل وعميق؛  وتعمل على إيجاد حلول مشتركة  ومستدامة مع الدول الاخرى  للتحديات الاقتصادية والأمنية؛  بما يحقق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية دون الإضرار بالأمن العالمي والاستقرار.

 وقدر تعلق الامر بالعراق الذي  لايزال يواجه منذ الغزو والاحتلال الامريكي؛  العديد من التحديات في تحقيق الأمن الوطني الاقتصادي، ومن أهمها:

1- عدم الاستقرار السياسي على المستويين الداخلي والخارجي؛ نتيجة لإستحواذ ومصادرة بعض الدول الخارجية كالولايات المتحدة الامريكية وإيران للقرار السياسي والاقتصادي وتضارب مصالحهما في العراق ودول المنطقة؛  مما يؤدي الى صناعة ازمات وصدمات سياسية واقتصادية شديدة مفتعلة لا تزال تساهم بشكل كبير في صناعة حالة من  الفوضى والارتباك الشديدين لدى الحكومات المتعاقبة؛ وما لم تنأى القوى السياسية الحاكمة للعراق بنفسها عن هذه الصراعات وتتبنى سياسة داخلية وخارجية مستقلة ومتوازنة في العلاقات؛ فإن العراق سيبقى في مقدمة الدول الفاشلة

2- اعتماد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على صادرات النفط، وبالتالي فإن أي تقلبات في سوق النفط العالمية ستؤثر على الاقتصاد العراقي بشكل كبير؛ وطالما استمر  الاقتصاد في العراق على تصدير النفط الخام بشكل كبير؛ فإن ذلك يتطلب؛  التنويع الاقتصادي للتقليل من تبعية الاعتماد على النفط الخام وزيادة الدخل القومي الاقتصادي؛  وتعزيز الاستدامة الاقتصادية للبلاد؛ والعمل الجاد إعادة بناء البنية التحتية الأساسية، مما يستلزم تمويل كبير وخطط وطنية شاملة لإعادة الإعمار.

مقدمة حروب

3- التهديدات الأمنية المستمرة؛ وفي مقدمتها الحرب ضد داعش وتدمير البنية التحتية؛ حيث يتعرض العراق لهجمات إرهابية وعمليات اختطاف وقتل، مما يؤثر على الأمن الوطني الاقتصادي ويخيم على الاستثمارات وابتعاد  المستثمرين عن العراق.

4- انتشار الفساد الواسع النطاق في البلاد؛ حيث يؤدي الفساد إلى تدهور الوضع الاقتصادي والمالي؛ وصناعة مافيات وعصابات تساهم بالسيطرة على القرار الامني والاقتصادي في العراق؛  وتعريض البلد لخسائر كبيرة.

5- التحديات الاجتماعية، حيث يعاني العراق من الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي وتعطيل  النمو الاقتصادي.

6- النزاعات السياسية والطائفية، حيث تؤثر هذه النزاعات على الأمن الوطني الاقتصادي وتعرقل عملية التنمية الاقتصادية وتثير الاضطرابات الاجتماعية والأمنية، وتزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في البلاد.

7- ضعف البنية التحتية، حيث تعاني البنية التحتية في العراق من قلة الصيانة والتجديد والتطوير، وتحتاج إلى تحسين وتحديث وتطوير في كافة القطاعات الاقتصادية، مثل الطرق والجسور والمطارات والموانئ والخدمات الحيوية الأخرى.

لتحقيق الأمن الوطني الاقتصادي في العراق، يجب العمل على مواجهة وحل هذه التحديات ؛ والاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية المتاحة في البلاد؛ وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة والتوجه نحو التنويع الاقتصادي؛ وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد؛ والعمل على تطوير البنية التحتية؛ وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية الخاضعة لسيطرة ومراقبة الحكومة.

وخلاصة القول: ان البرنامج الحكومي في العراق يجب ان يتمتع بالسيادة على عقله وجسده. والله ثم العراق من وراء القصد