مرايا آدم لفائز الحداد.. نبوءة الحب تضارع السؤال
طلال سالم الحديثي
كلما قرأتُ نصاً شعرياً جديداً للشاعر فائز الحداد يرتسم في ذهني سؤال يمكن أن أصوغه هكذا : هل يسعى الشاعر الحداد إلى تشكيل أفق إبداعي جديد في شعر الحداثة المعاصر ؟ وهو سعيٌ جاهد إذا صح هاجسي .ونصه الشعري الجديد بعنوان (مرايا آدم) الصادر هذه الأيام عن دار العراب في دمشق .و(مرايا آدم) هوامش سيرته، وهوامش سيرته يتماهى معها الشاعر ليصوغها حسب رؤيته في قصائد تجاوز عددها الأربعين .ويمثل العنوان (مرايا آدم) أحد المفاتيح الإجرائية التي تُسهم في توجيه المتلقي الى مقروئية النص من خلال مايمنحه له من (صورة إستباقية عن المتن ، وشحنة دلالية مكثفة تدفعه الى البحث عن جماليتها في المتن) .فإذا كان العنوان هو أول مايستقبله المتلقي في بداية ممارسته فعل القراءة ، فإنه يمثل على مستوى الممارسة البنائية العنصر الختامي الذي تثبته الذات الشاعرة ، وتحاول من خلاله إكتناز دلالة النص ، فالعنوان بُنية شعرية مركزية باذخة في تكثيفها ، وتدليلها على كينونة النص الماثل خلفها .مُفتتح مجموعة (مرايا آدم) قصيدة بعنوان (آدميات) ، وهذه القصيدة عدها الشاعر بمثابة مقدمة لمجموعته الشعرية ، وفيها يقول :
على وشكِ نبوءة الحبِّ ..
أضاع الوحي طريقي .. فمزّق الرسالة !
ضارعته السؤال عن المُنزّلةِ عليَّ ..
قال :
النبيّاتُ أضعنَ التُقى في الغوى !!
وتاه الشعراءُ في تمائم النساء !!
عُدْ بالتفاحةِ لحواء يابن آدم..
ونمْ بعين ِ الذئب.. كيوسف ..
فلولا الأنبياء لأختار الله الشــــعراء .
ولغة هذا النص لغة إيحاءات لرؤية الشاعر التي تتمرد على السائد المتداول ، ولعلها تقوم على نظرة الحداثيين التي تعد الشعر لغة واللغة كائن متجدد يعود جمالها (اللغة الشعرية) الى نظام المفردات وعلاقاتها، فالشعر خلقٌ ورؤيا وتغيير لنظام الأشياء ونظام علاقاتها . وهو يقوم على الإدهاش والجرأة والجدة والإبتكار ، فللشعر الحديث هندسة داخلية خفية تسيطر عليه وتوجهه في إطار القصيدة الرؤيا كما يرى أدونيس .كما أن الصورة الشعرية في شعر الحداد تقوم على التخييل ، ذلك أن الخيال هو الذي يوّلد الصورة في النص الأدبي ،وهو الذي يخلق التفاعل والتواصل مابين المتلقي والنص ، أي أن القدرة الخيالية في النص تتحول في النص الى رصيد تخييلي في نفس المتلقي ، ليبلغ التفاعل مداه، وعليه إذا عجز النص عن إداء هذه الوظيفة إستحال شكلاً ميتاً لفقدانه قوة التخييل والتأثير، والأصل في النصوص المكينة في باب الفن إداء وظيفة تخييلية في الأساس ، وإلا فكيف يحدث ما نسميه التفاعل بين النص والقارىء ؟
والطريف أن القوة التخييلية التي تبثها النصوص الأصيلة في نفوس قرائها ، لايمكن أن تبلغ غايتها من دون طاقات عاطفية ، ومُحال أن تنهض صورة من دون عاطفة ، من أجل ذلك كان التخييل ممزوجاً بالتعاطف شرطاً من شروط التذوق .وهنا تتجسد الأبعاد الثلاثة التي وضعها هوراس والتي تتعدى (تعليمية) مَنْ سبقوه ، إذ إشترط في الشعر : (أنْ يُعَلِّم) و (أنْ يُمتع) و(أنْ يَهُز) .
وفي وصية يوسف يقول الحداد :
آدم ياأبتِ :
ذَنْبُكَ أنجبتني بينَ سكين قابيل ودمِ هابيلَ
فتناسل أخوتي في الذئاب !!
وأنا هنا لاأفسر ، فالشعرُ لا يُفسر ، وإنما هي قراءة في المضمون قد تُلقي ضوءاً يُحدد قيمة هذا الشعر الذي نُعجب به ونقرؤه فالشعر كما يقول شاعر : ليس وسيلة للتعبير عما يجيش في النفس الإنسانية من إنفعالات ومشاعر في مواجهتها الدائمة مع مظاهر العالم الخارجي وأحداثه فحسب ، بل هو طريقة لممارسة الحياة ، ومفتاح الدخول الى اعماقها ، ومشعل لإضاءة دهاليزها المعتمة، وجسر لوصل ما إنقطع من وشائج بين الإنسان وبين أشياء الوجود، منذ أن ظهر الإنسان ككائن مستقل في هذا العالم .تبدو في (وصية يوسف) معادلة توازن مابين سكين القاتل ، قابيل توهماً ، لأن إسم (قابيل) ومثله (هابيل) لم يردا في تفسير قرآني مطلقاً لأنهما في القرآن (ولدا آدم) دون تسمية ، وإنما الإسمان توهمتهما ظنون المفسرين والرواة .مابين سكين القاتل ودم القتيل تتناوب فصول هذه الحياة بإختصارٍ يوجز كل تفاصيل المسيرة الإنسانية منذ آدم وحتى قيامة الحياة .وما يوسف ومقتله الكاذب إلا مراوغة تنم عن مكر النفس الإنسانية في تغليبها الأنانية على الأخوة الصادقة وهو خبث يتواتر مده في بني الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى اليوم ، ولعل أبلغ صوره ماتجسد في شخصية الحسين (ع) كنموذج تتعادل فيه (التضحية والفداء) في ألمع الصفحات ، ومابين الكيد والحقد وسفالة الضدّية في أسوء الصفحات . ولكن ماكان إلا أن يكون كما خاطبه الشاعر :
ما كان لكَ ، إلا أنْ تكون الحسين ..
بؤرة النبوءات في ضمير العرش
وبيان الحق في الحكمة القتيلة
هل لك أنْ تكونَ غير الحسين ؟
بوابة الفتح للشهادة، وقبلة السيف للجراح
أشكُ.. ويقيني دمي !
وعلى هذا المستوى من (التوتر الإدراكي) تتعاقب مضامين القصائد الصادمة حتى بعناوينها مثل : العبث المقدس ، العرّاب ، الصقر ، الطاعون ، الهيضة ، الرجل المسدس ، إرهاب الخبز ، الصعلوك ، الهراتي ، الطريد ، .. إلخ .ومقابل هذه (الندوب البشرية) الغائرة في نفس الإنسان يُبرز الشاعر (أيوب) نموذجاً للمقاومة الفردية على الصعيد الإنساني ، هذا النبي الذي أُبتلي بأقسى الجراح يصابر لينتصر ويُصابر لتنتصر الحياة على الجراح ، وتنصر الوردة على السكين .وهنا يبرز دور (الصورة الشعرية) في سياق تحديد مفهوم الشعر على إعتبار (أن الصورة تعبير إستخدم الكلمة لتجسيد الأثر الفني ، أو فعل المعرفة الخلاقة) .ومن أهم وظائفها أنها تساعد على تقريب الرؤية الشعرية من الواقع ، وعلى تحريك مشاعر القارىء كلها لاعقله فقط ، كما أن التعبير بالصورة المجسدة يُكسِب القصيدة حركةً وغنىً هو الى حدٍ ما يؤنسن الفكرة ا] يوجدها كياناً مستقلاً فريداً .إن الشاعر (فائز الحداد) في مجموعته (مرايا آدم) يختزل في قصائده كل خصائص الصورة الشعرية التي شخصتها مدارس الحداثة ومنها :
فقدان التسلسل المنطقي ، لأن القيم الجديدة لشاعر الحداثة صدمت قارئ القصيدة وهزّت أركان تصوره التقليدي للشعر ، وأدخلته عالم تجربة شعرية تهاوى فيها المنطق التقليدي الذي تحكم في اللغة والأساليب والمعاني وعلائق المجازات حتى أصبح لكلِ قصيدة منطقها الخاص وصورها الشعرية، فالرابط التقليدي هجرته الصورة الحديثة وأحلت محله الوشيجة الشعورية .ومن خصائص الصورة الشعرية الجدّة والأبتكار الى درجة الصدمة ، والجدّة مرتبطة بالجديد ، والصور الشعرية الجديدة وحدها القادرة على جمع الإحساسات والإنفعالات الجديدة والتعبير عن روح الحداثة الشعرية .ومن خصائصها : التكثيف والإيجاز الذي يُعمق الفكرة ، فالشاعر يستخدم مفردات صوره الشعرية كإشارات إنفعالية تختزن في داخلها تجارب وعواطف متعددة، وعملية التكثيف والتبئير تجعل الصورة الشعرية وسيلة لإذابة مختلف العناصر والمكونات المتناقضة والمتباينة والمتشابهة وجعلها في كُلٍ واحدٍ أو بؤرةٍ واحدةٍ تلمع كا لبرق الخاطف .وللصورة الشعرية طابع حسي لأن الصورة تمثيل حسي للمعنى إذ الشاعر (يمسح) بحواسه العالم المحيط به ويُسبر ماحوله ، فتتحول مدركاته الحسية الى مدركات ذهنية، ولذلك أضحت الحسية تُشكل صُلب ماهية الصورة الشعرية وجوهر عناصرها المكونة .وهكذا يتماهى الشاعر فائز الحداد مع مسيرة القصيدة الحديثة التي تخلّت عن الغنائية لتتجه نحو الصورة التي أصبحت مهمتها تتمثل في تجسيد المجردات وكيفية التعبير عن المطلقات بصورة حسية مُذّوبة بأحاسيس هادئة في ظاهرها ، متوترة في أعماقها .وهو بذلك يضيف الى قصيدة الحداثة ألقاً باتت تفتقده في نصوص كثير من الشعراء الهواة الذين أضاعوا الجهد في أشكال تفتقر إلى الشعرية سمة حياتها .فالقصيدة ممارسة وجدانية عقلية تتضافر في تكوينها بلاغة المعنى وبلاغة التعبير، وهو مالا نجده فيما نقرأ إلا عند الصفوة من الشعراء الذين يمارسون القصيدة معاناة ومكابدة لاضرباً من اللهو والعبث والفجاجة لا ينتج سوى أشكال ميتة في توابيت من الألفاظ الخُلّب .وأحسبُ ما قلتُ لايفي تماماً بما عند الشاعر فائز الحداد المبدع الذي ننتظر منه الكثير في قابل الأيام .
مراجع القراءة :
__________
1) مفهوم الصورة الشعرية لدى شعراء مجلة ِ(شعر) ، عبد الرزاق المجذوب ، مجلة عبقر عدد (10) جدة 2011 .
2) الممارسة النقدية في ضوء تذوق الشعر وتحليله ، د. أحمد علي محمد ، مجلة الموقف الأدبي ،ع 542/ 2016 ، دمشق .
3) التناص التاريخي ، د. علاء عبد المنعم ، مجلة عالم الفكر ، ع (1) / 2015 ، الكويت .
دمشق / 30 /7/ 2016
























