

حسين جليل
في مدننا العراقية اليوم، أصبحت الأرصفة رمزًا مهملًا ومهمشًا، بعدما كانت جزءًا لا يتجزأ من التخطيط العمراني الذي يضمن للمدن هوية ثقافية واجتماعية. الأرصفة، التي من المفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للمشاة، أصبحت رهينة لظاهرة عشوائية تشوه وجه المدن، وتخلق حالة من الفوضى التي لا تعكس سوى غياب القوانين الصارمة وفشل الرقابة على تنفيذها.
تتحول الأرصفة في كثير من الأحيان إلى مساحات مخصصة لأنشطة تجارية غير مرخصة. من قبل أصحاب المحلات والباعة المتجولون الذين يتجاوزون على حقوق المشاة ويستولون على الأرصفة ليعرضوا بضائعهم، مما يحول الرصيف إلى جزء من السوق ويضطر المارة إلى السير في الشارع بين السيارات، مما يعرض حياتهم للخطر. ولا تقتصر المشكلة على هؤلاء، بل تتعداها إلى المتنفذين الذين يعمدون إلى قطع الطرق والأرصفة دون مراعاة لحقوق المواطنين، من خلال الاستيلاء عليها
ليس فقط أصحاب المحلات والمتنفذين من يتجاوزون على الأرصفة، بل نرى أيضًا أصحاب المنازل يحولون الأرصفة أمام منازلهم إلى امتداد لملكيتهم الخاصة. يتسبب هذا في تضييق المساحات المتاحة للمشاة، وأحيانًا يتحول الرصيف إلى مكان لوقوف السيارات الخاصة، مما يفقد الرصيف وظيفته الأساسية.
إحدى الظواهر الأكثر إزعاجًا وانتشارًا هي تحويل الأرصفة إلى مواقع مؤقتة لخيم المناسبات، سواء كانت مناسبات أفراح أو حزن . تتسبب هذه الخيم في عرقلة حركة المرور وتضييق المساحات المتاحة للمشاة، مما يزيد من الفوضى ويخلق بيئة غير آمنة ومزعجة لسكان المدينة.
هذه التجاوزات العشوائية تسهم بشكل مباشر في فقدان المدن لهويتها الثقافية والاجتماعية. فالأرصفة ليست مجرد مساحات مخصصة للمشاة فقط، بل هي جزء من المشهد الحضري الذي يعكس التنظيم والجمال والاهتمام بالإنسان. إن غياب الرصيف يعني غياب النظام، ويعكس حالة من الفوضى التي تضعف من هيبة الدولة وقدرتها على فرض النظام وتطبيق القوانين.
لمواجهة هذه الظاهرة، يجب أن تتحمل الجهات المختصة مسؤوليتها في فرض قوانين صارمة تمنع التجاوزات على الأرصفة. كما ينبغي تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الأرصفة كجزء من البنية التحتية للمدينة، وتشجيع المواطنين على احترام الفضاء العام.
في النهاية، تبقى الأرصفة مقياسًا لتحضر المدن وتقدمها. إن إعادة الاعتبار لها وإعادة تنظيمها سيعيد للمدن جزءًا من هويتها المفقودة، ويضمن للمواطنين حقهم في مدينة منظمة وآمنة تعكس ثقافة الاحترام والنظام.



















