محمد مبارك بين الفلسفة والنقد الأدبي

محمد مبارك بين الفلسفة والنقد الأدبي

عقل موسوعي يربط الظواهر العلمية والفكرية

نجاح هادي كبة

ولد محمد مهدي آل مبارك في الحلة محلة الجامعين سنة 1936م في زقاق صغير كان يعرف (عكد بيت مبارك) نشأ فيها ودخل الكتاتيب ثم انتظم بالمدارس الرسمية ولتفوقه حصل على زمالة دراسية في مصر فحصل على شهادة الليسانس في الأدب الإنكليزي في كلية العلوم والفنون في جامعة القاهرة سنة 1959م.

أصدر العديد من الدراسات الأدبية والنقدية (تربو على خمسة عشر كتابا) يقول عنه طالب مهدي الخفاجي :

برز اسم الناقد محمد مبارك بعد ثورة 14 تموز 1958م، ومنذ ذلك التاريخ

يقرأ المثقفون والباحثون ما يكتبه مبارك في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى،

ويتميز مبارك بثقافة رصينة استوعب فيها الثقافة العربية القديمة والحديثة وبذل جهداً في الوصول إلى الرموز الثقافية المشعة مضافاً إليها تمكنه في اللغة الإنكليزية

وآدابها (عوض، 2010م، ، ج 1  ص : (224.

من مؤلفاته :

 1.الكندي فيلسـوف العقل، كتاب الجماهير، العدد السادس، 1966م.  2.مواقف في اللغة والأدب والفكر، دار بيروت، 1974م- نشر دار الفارابي بيروت ومكتبة النهضة-بغداد.

 3.دراسات نقدية في النظرية والتطبيق، منشورات وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية، سلسلة الكتب الحديثة 95)).

 4.نظرات في الفكر العربي-الإسلامي الوسيط 1986م.

 5.الوعي الشعري ومسار حركة المجتمعات العربية المعاصرة، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2004م، ط1.

 6.مقاربات في العقل والثقــــــــــافة، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1  2004م.

 7.مقالات في الفلسفة العربية الإسلامية، وزارة الثقافة، العراق، من إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013م، ط1.

ولمحمد مبارك مسرحيات مثل :

 1.الإنسان والقضية.

 2.الشاعر والصعلوك.

 3 .الاختيار الصعب.

لابد من الإشارة إلى ان محمد مبارك قد ترأس قسم المسرح في دائرة السينما والمسرح ولمحمد مبارك كتاب من القطع المتوسط في علم الاجتماع عنوانه (محاولة في فهم شخصية الفرد العراقي)، الناشر دار ميزوبوتاميا، 2010م، بغداد في (120 صفحة) ، ط 2.

العلاقة بين النقد الأدبي والفلسفة في فكر محمد مبارك

توصف الفلسفة بانها أم العلوم لأن العلوم والمعارف جميعها من لغة وطب وهندسة…وغيرها نشأت في أحضان الفلسفة ومنها النقد الأدبي فالمدارس النقدية القديمة والحديثة نشأت نتيجة تأمل الإنسان في المعرفة كذلك النقد الأدبي هو تأمل في ما أبدع الإنسان من معارف في الأدب بنوعيه الشعر والنثر ولابد من الإشارة إلى ان الفلسفة قد اهتمت بالعرض والجوهر لكنها بحثت فكرة الجمال وأهميتها كالنقد الأدبي.

(محمد مبارك) لم يكن أكاديمياً وليس هاوياً للفلسفة ولا ماراً عليها لاحتياجات ذات صلة بموضوع معين، ولم يطرق أبوابها لأنها وجدها حاضرة في نص معين وإنما لأن العلاقة بين الفلسفة والنقد الأدبي موجودة منذ بدء التفكير المنظم للبشرية ومحمد مبارك يرى ان من غير الممكن فصل الفلسفة عن النقد، لأن العلاقة بينهما متشابكة ومتداخلة وكل منهما يرفد الآخر (واستفاد) محمد مبارك من الفلسفة في النقد الأدبي إذ كان نقده شمولياً وكان دقيقاً في صياغة تعابيره وفي استعمال المصطلحات والمفردات ، كان قد أعطى العموميات الفلسفية بعض التفاصيل والتطبيقات، واستطاع ان يمزج بين أكثر من فلسفة في التعامل مع النصوص الأدبية. (حسن، 2007م، ص (12.

يقول محمد مبارك : (منذ بدء التفكير المنظم في تاريخ المجتمع البشري الفكري كانت العلاقة بين الفلسفة والنقد وثيقة ذات طبيعة عضوية، ذلك ان النقد من حيث هو وعي بقوانين الإبداع الأدبي وقدرة على انتزاع خصوص كل عمل أدبي أو فني يعرض له تقويماً وفهماً، إنّما هو الوجه الأدبي والفني لعلم الجمال الذي كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من الفلسفة وأحد اهم الفروع المعرفية التي تضمها الفلسفة معالجة ومنظوراً وموضوعات فما من فلسفة يمكن ان تعد فلسفة متكاملة- مثالية أو وضعية أو مادية إلاّ توافرت على ظاهرة الجمال من حيث هو إبداع) (مبارك، 2004م، ص : (79 .

لذلك نلاحظ ان النقد الأدبي عند محمد مبارك هو نقد سوسيولوجي-جمالي يرتبط بالعلة والمعلول فهو حين ينقد ينقّب ويبحث عن الأسباب والمسببات ليصل إلى النتيجة ، قال عن شعر عبد الوهاب البياتي وكأنه يستعمل التسلسل المنطقي : وإذا كانت نزعة الشاعر السردية-الدرامية، ان أفضت به إلى ابتداع القصيدة-الأقصوصة أو البالاد…وإلى اعتماد الأسطورة…ثم إلى اعتماد تقنية التعبير بالقناع الذي تقدمت به ذروته الثانية التي جاء بها سفر الفقر والثورة، والذي يأتي ولا يأتي، فان التعبير بالقناع قاده إلى كتابة القصيدة ذات النفس الملحمي التي تضم في هيكلها العام تشكيلات أسطورية- سردية- ملحمية قادرة على استيعاب روح الشعب وآلامه بكل ما تنطوي عليه هذه الروح من … تصوير ذلك ببراعة وموضوعية لا تبلغهما ولم تبلغهما غير الملاحم الكبرى لشعوب وأمم الحضارات القديمة. (مبارك، 2004م، ص : (198 .

يقول فاضل ثامر : كان محمد مبارك ناقدا من جيلي أي من جيل الستينيات لكنه كان مختلفا عنا جميعاً في أشياء كثيرة وينفرد عنا في انهماكه المتميز بالفهم الفلسفي والاجتـــــماعي والأيديولوجي (ثامر، 2007م، ص : (9 .

لأن محمد مبارك يرى ان العقل هو ماهية الوجود وكينونة المجتمع لكنه في ممارساته النقدية يعطي أهمية للشكل والمضمون بإسلوب تحليلي تعليلي وإلقاء نظرة على مؤلفاته النقدية يتضح إسلوبه النقدي المنطقي.

قراءة في كتبه

 1.الوعي الشعري ومسار حركة المجتمعات العربية المعاصرة :

صدر الكتاب عن دار الشؤون الثقافية العـــــــــــــــامة ببغداد العام 2004م بـ 451) ) أربعمئة وإحدى وخمسين صفحة من القطع المتوسط، قال في مقدمة الكتاب : إذ النقد بما يسبر ويكشف ويجترح- عبر تعاملاته الفعلية مع النصوص الإبداعية. قد يضيف إلى معطيات الجماعة الفكرية ما لم يصل إليه العقل الكلي لهذه الجماعة بآلياته المعهودة ومناهجه وأساليبه المعتادة…فيثري بذلك الفكر العام ويوسع من أبعاد الوعي الكلي/ ص: 5 ومن الملاحظ ان الناقد محمد مبارك في الوعي الشعري يركز في كينونات وماهيات معينة في النقد الأدبي، منها :

 1.ربط التطور الأدبي والنقدي بالأيدلوجيا وحركة المجتمع التطورية المادية والروحية كقوله : ان ظهور قوى أو فئات اجتماعية جديدة في خارطة المجتمعات العربية وتركيباتها الطبقية…وتطور مواقف القوى والفئات الاجتماعية التقليدية أو بعض مراتبها ، كان مدعاة لتبدل وتطور في الرؤية الشعرية العربية حتى بالنسبة للبرجوازية الأقطا-كومبرادورية وهي أكثر القوى تشبثاً بالقديم وحرصاً على تجاوز الأوضاع السائدة /ص:11 .

 2.ربط التطور الأدبي والنقدي بالهوية القومية، قال : ولا أدب الا وهو يحمل كامل خصائص اللسان الذي يرد فيه- أي الأمة والشعب الذي ينطق بهذا اللسان ، وهو بهذه الخصائص يكتسب بعده الإنساني ويطل من خلالها .. أي من خلال هذه الخصائص على الأمم والشعوب الأخرى فيقفها على موجود هذا اللسان ما يضطرب به واقعه التاريخي من قضايا إنسانه وإشكالات تطوره المادي وضرورته التاريخية فيكون بذلك رسالة صدق وسفير للحقيقة /ص: 33 .

 3.إيمانه بالمدرسة النقدية السايكولوجية فهو يرى ان الشعر والنثر منبعهما النفس الإنسانية وهذا ما أكده علم النفس الحديث، قال : ولقد ذهب علم النفس الحديث، عقب انفصاله عن الفلسفة إلى توكيد هذه العلاقة وأفرد للظاهرة الشعرية أبوابا خاصة في مباحثه، وجاء العديد من علمائه بفروض بل نظريات كاملة في فهم هذه الظاهرة، وتقويم آثارها واحتج لذلك بأن علم النفس لا يقتصر في دراسته ظاهرة السلوك البشري على طرف دون آخر، وإنما الإنسان في مختلف نشاطاته الروحية والحسية وجميع مظاهر كينونته وحالاتها وأوضاعها الوجدانية والذهنية هم ميدانه ومجال بحثه/ ص: 56. ولابد من الإشارة إلى ان علم النفس السلوكي والمعرفي يهتم بالموضوعات التي تتعلق بالشعر مثل : الخيال، العواطف، الذاكرة، الإبداع أسبابه ومسبباته ، البيئة الخاصة والعامة، الانتباه وغيرها.

  1. ربط الفلسفة بالنقد – كما أشير سابقاً- فهو يؤكد انه : وجدنا أفضل قرَّاء الأدب الفلاسفة أو النقاد الفلاسفة، بل لعلهم- في الحقيقة- أقدر على قراءة النصوص الإبداعية من مبدعيها أنفسهم…ذلك ان كل فيلسوف أو ناقد فيلسوف…يتقدم على المبدعين في فهم ما يدعون/ص : 81.

 5.إيمانه بمبدأ الحداثة في الشعر، لاسيما فيما يتعلق بقصيدة النثر، قال : وإذا كان هناك من رأى في عصرنا ان الشعر ليس هو الإيقاع وإنما هو الصورة وان الإيقاع ليس هو الرنين الذي نألفه في شعر الإيقاعات الرسمية، وإنما هو في النمو النفسي والروحي للصورة الشعرية أو الحالة الانفعالية التي تنقلها القصيدة عبر قوة الخيال بطاقتيها في التخيل والتخييل عند البشر/ص: 105.

 6.اهتمامه بالتراث ومراحل تطوره وقيمة تواصله مع الحاضر، قال : أما بالنسبة للناقد، فان الماضي يعني فيما يعنيه النظريات النقدية منذ كتاب “فن الشعر” لأرسطوطاليس وما تراكم في ذهن الجماعة وذهنه من تقنيات التجربة الإبداعية في حقولــــها المتعددة/ص : 110.

 7.دفاعه عن كينونة الشعر وماهيته وقد اتضح ذلك في موقفه من هجوم أحد الشعراء التونسيين على الشعر على صفحات جريدة الزمان، فقال : فالشعر العظيم إذن، هو استشراق وقراءة ذكية للمجهول تصدر عن طاقة الخيال التي يرتفع بها الوعي اللغوي إلى ما يتجاوز طاقة الوهم وما تنزف من صور وتشكيلات تقعد بها الحواس عند حدودها المغلقة .. وما هو بالقفزة بالمجهول … في العدم… على ما يصرح به احد شعراء الملف التونسي. الذي نشرته جريدة الزمان، حيث الشعر عنده، لا يقول شيئاً وما ينبغي له ان يقول شيئاً، وهو يسحب الشاعر إلى داخله…إلى ذاته المغلقة ولا يهمه ضجيج الخارج.

إذ ما يعنيه هو الإصغاء إلى الصمت، صمت الداخل المنطوي على نفسه/ص : 117.

 8.تناول موضوع الريادة الذي يشغل الوسط الأدبي في تحديد ماهيته وحدوده فالريادة عند محمد مبارك ليس بالسبق الزمني وإنما هي في قيمة الأثر، قال: وبهذا نخرج من إطار الدائرة المغلقة التي حشرنا أنفسنا فيها في مسألة من سبق من؟ هل سبقت نازك بدراً، أم سبق بدر نازك؟؟ ومن ثم نصير إلى فرز وتأشير قيمة عطاءات أي من رواد هذه الحركة…من بدر ونازك حتى البياتي وأدونيس وصبور بما هي بالفعل من قيمة واثر تشكيل هذه الحركة، ريادة تجربة وتكريس معطيات وتأصيل مسيرة، فمعيار السبق الزمني إذن لا يصلح…وحده…أساساً في تأشير الريادة وتقــــويم دور حالاتها/ص : 202

 9.تناول محمد مبارك في كتابه الوعي الشعري مجموعة شعراء ومبدعين عراقيين بالنقد والتحليل لشعرهم ومقارنة بعضهم ببعض أحياناً كالجواهري والبياتي والسياب وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر وعلي الحلي ويوسف الصائغ ومحمد سعيد الصكار ومظفر النواب وسعيد عقل ومن كتاب القصة عبد الملك نوري.

قال عن الجواهري : أود أن أشير إلى ناحيتين في حياة الجواهري الشعرية الأولى هي طول النفس الشعري حيث تمتد القصيدة لديه إلى عشرات بل المئات، وربما أربت القصيدة الجواهرية على أربعمئة بيت- المقصورة- يانديمي. أما الثانية فهي شدة احتفاء الشاعر بشعره وكثرة عودته إليه معدلاً أو مبدلاً…حاذفاً أو مضيفاً/ص 168.    قال عن البياتي : لعل البياتي هو الأسبق من كل رواد حركة الشعر الحديث في العراق، بل من بين جميع شعراء جيله من العرب على امتداد الوطن الممتد بين المحيط والمحيط، إلى إحلال المتعة الذهنية محل المتعة الحسية بما تنوء به هذه الأخيرة من لعنة أنانية الحواس/ص 169.

الوعي الشعري

من الملاحظ ان الناقد محمد مبارك في كتابه الوعي الشعري جعل الشاعر عبد الوهاب البياتي في قمة الهرم الشعري من بين الشعراء الذين تناولهم بالنقد .

 2.مقالات في الفلسفة العربية الإسلامية، نشـوار القراءة الفلسفية :

الكتاب صدر بمناسبة مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية العام 2010م بعد رحيل مبارك وقد صدر عن وزارة الثقافة-العراق- بغداد، جاء في مقدمة الكتاب التي كتبها د. يوسف إسكندر- بغداد 2008م :  يشكل هذا الكتاب جزءاً من ثلاثة أجزاء كتبها الراحل محمد مبارك…الأجزاء الثلاثة مجموعة تحت عنوان (نشوار القراءة الفلسفية) ارتأت لجنة النشر في دار الشؤون الثقافية بنشر الجزء الثاني منها لتعلقه بمسائل مهمة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وقد عنونه الراحل بعنوان فرعي، (في الفلسفة الإسلامية) وفضلنا من جهتنا إثبات هذا العنوان الفرعي عنواناً رئيساً بإضافة كلمة مقالات، لأنها الأكثر تعبـــــــــــــــيراً عن طابع كتابة الراحل في هذا الكتاب/ص : 5.  يقع الكتاب في (120 ) مئة وعشرين صفحة من القطع المتوسط مع المقدمات والفهرست واحتوى على توطئة فيها تنويه عن أهمية التراث العربي وبالفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن خلدون ومما جاء في التوطئة : ومهما يكن…فانه لابد من تضافرجهود المعنيين بالفكر العربي الإسلامي الوسيط للتوافر على جملة ما انتهى إليه هذا الفكر عبر أساطينه من آراء وتشخيصات ومقاربات ذهنية عامة، حاول بها حلّ إشكالية وجوده الخاص أو لتفسير العديد من ظواهر الطبيعة والاجتماع والإنسان/ص7.

احتوى الكتاب على (15 ) خمسة عشر عنواناً منها :

 1-العرب المسلمون وطرائق البحث .

 2-الترجمة والنبوغ.

 مباحث الطبيعة عند الكندي، مفهوم العقل بين الفارابي وعمانوئيل كانت، النظرية البنيوية في النفس، الرواية الفلسفية لأبي بكر بن طفيل، ابن رشد…امتداد مبدع…وغيرها، في موضوع ” العرب المسلمون وطرائق البحث 1) )و2) ) يؤكد مبارك ان الفكر الفلسفي القروسطي قد انتج مفهوم طرائق البحث وأكد العقل ما دلل على قدرة هذا الفكر وانه لم يكن تابعاً للفكر اليوناني بل كان العقل العربي تركيبياً لا تحليلياً فقط ، من ذلك ما أبدعه الفلاسفة العرب المسلمون من أفكار تركيبية. ولعل ما اتبعه العلاّمة –الفيلسوف- المتصوف العربي الكبير جابر بن حيان من طريقة البحث العلمي، ينتصب شارة أو معلماً عظيماً في مجال الخلق والإبداع على صعيد التنظير، إذ حدد جابر بن حيان، لأول مرة في تاريخ المجتمع البشري خطوات البحث العلمي بأربع لم يضف إليها العلم الحديث خامسة أو ينقص منها خطوة، وإنما درج عليه كما صاغها وحددها جابر أول مرة، وتبدأ هذه الخطوات عند جابر بالملاحظة العيانية المباشرة للظاهرة أو الحدث أولاً، ثم تنتقل إلى الفرض العلمي الذي يعتمده الباحث لتفسير تلك الظاهرة، وذلك الحدث ثانياً، ليمتحن هذا الفرض بالتجربة العملية التي هي عند جابر مصدر كل معرفة حقة ومحكها…فينصح من يأخذ منه ويتلمذ عليه أن يأخذ بها سبيلا مضمونة للعلم فيقول : “أول واجب عليك ان تعمل وتجري التجارب، لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة”. فإذا استقام الغرض بالتجربة انتقل الباحث إلى الخطوة الرابعة والأخيرة حيث يتم صياغة الغرض قانوناً أو مفهوماً منطقياً أو معطى ذهنياً يتجسد الظاهرة موضوعة البحث، فينقلها إلى دائرة الوجود لنا. أما إذا لم يستقم الغرض ولم يثبت أمام امتحان التجربة ومحكها استبدل الباحث به فرضاً آخر فآخر يعرضه على التجربة ممتحناً ممحصاً حتى يستقيم له فرض يصل به إلى المعرفة الحقة/ص 10+11.

ويطرح محمد مبارك أمثلة عديدة في هذا الموضوع “العرب المسلمون وطرائق البحث (1 )و(2   ) ما يؤكد اهتمام العقل العربي بالفكر العلمي والبعد عن الخرافات أو التبعية إلى اليونان.

وفي موضوع الترجمة والنبوغ يؤكد مبارك أثر العرب في الاكتشافات العلمية والفكرية أيضاً إذ تناول النتاج الفكري لأبي نصر محمد الفارابي فيلسوف العقل وصاحب المقاربات الخطيرة في الاجتماع والدولة وإشــــــــــــكالات الخلق/ص : 23. أما الطبيب محمد بن زكريا الرازي فقد جاء بنظريته في القدماء الخمس بما يعدّ الزمان والمكان أحبولين-بلغة عمانوئيل كانت- يعتمدها العقل للاقتراب من الواقع الموضوعي والإحاطة به مدركات وظواهر وأشياء، وحيث الكون عنده يتضافر على تشكيل خمس قوى قديمة قدم الكون تقوم في فطرة العقول بلا استدلال، إذ ليس لعقل ان يتصور الأشياء والظاهر إلاّ بفعل فاعل هو الله الذي هو مبدأ كل كينونة أو خلق ونفي كلية هي بمثابة الصورة وجدها أرسطوطاليس تقف وراء تميز الخلق أجناساً وأعياناً متفرقة ومادة في محض إمكانية للتشكل الذي لا ينقطع/ص24.

تطرق محمد مبارك إلى مفهوم العقل بين الفارابي وعمانوئيل كانت، فقال رغم ان إشارة الفارابي إلى ما نصطلح عليه اليوم بالحس العام أو الفهم الشائع (common sense) في معالجاته لمفهوم العقل تكاد تكون رائدة في تاريخ الفكر البشري حتى برتراندرسل، إلاّ أنه فهمه العتيد لآلية النشاط الذهني وضروبه ومراحله يرتفع به إلى مصاف عباقرة الأرض في نظرية المعرفة. فتمييزه بين ثلاث أدوات حيوية للمعرفة هي : الحس ، الخيال، القوة الناطقة مثلاً، يصادر به على الكثير من طروحات أو مقاربات الفلسفة الحديثة بما فيها أطروحة كانت تنص على : “ان معرفتنا تنبع من نبعين جوهريين داخل نفوسنا، الأولى يتلقى التصورات حيث العقل-الفهم- هو الملكة التي تزودنا بمبادئ المعرفة البدئية، في حين تزودنا الحساسية بالمواضيع التي تصبح مادة هذه المعرفة/ص : 43.

هكذا دواليك يستمر مبارك في تبيان أهمية العقل العربي في الفلسفة والعلم وقوة كشوفاته بما ينم عن إمكانية مبارك بالفلسفة واطلاعه على الفلسفة العربية الإسلامية والفلسفة اليونانية والحديثة ومقدرته على المقارنة بينها ليبين ان العرب والمسلمين ليس كما قال رينان المتعصب على العرب بانهم لا يصلون الى مستوى التركيب في الفكر والعلم وانهم مقلدون لليونان وفلاسفتهم.

يؤكد محمد مبارك المنهج البحثي الذي سار عليه في كتابه (مقالات في الفلسفة العربية الإسلامية) من ان العرب لم يكونوا عالة على غيرهم من الأمم في الفكر والعلم بل كان لهم باع فلسفي وعملي يستند إلى العقل ومن ذلك أيضاً ما طرحه محمد مبارك في موضوع (الرواية الفلسفية لابن طفيل) فقال : يستطيع الدارس من خلال قراءته هذه الرواية ان يتلمس أبعاد عقلانية ابن طفيل ونزعته الاستقرائية التجريبية في النظر، حتى انه ما يكاد يقرر فهماً أو يدلي برأي أو يتقدم بفرض في أية ظاهرة أو إشكالية ذهنية إلاّ من خلال الملاحظة الملموسة والفحص الموضوعي الدقيق والمحاكمة الفعلية شأنه في ذلك شأن جابر بن حيان فحي بن يقظان بطل الرواية ومدار حبكتها، لا يسلم بأمر أو حكم في قضية أو ظاهرة إلاّ من خلال اختبار فحص وتجريب ومحاكمة منطقية/ص : 66.

من طريق ما يتقدم يتضح :

 1.ان محمد مبارك صاحب عقل موسوعي ألّم بأكثر من علم ومعرفة كالأدب والنقد الأدبي والتاريخ والسياسة والاجتماع والفلسفة القديمة والحديثة وعلم النفس.

 2.كانت أبحاثه في أكثر ما كتبه تربط بين الظواهر العلمية والفكرية والأدبية والعوامل التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهو يؤمن بالتطور وبمبدأ ربط الظواهر بأسبابها ومسبباتها.

 3.وظّف الفلسفة في دراساته النقدية ما أعطى للنقد الأدبي عنده شمولية وعمومية غير استاتيكية.

 4.كان له قدرة على الإبداع الأدبي بما كتب من مسرحيات ادى فهم التــــــــــــــــاريخ فيها دوراً كبيراً لديه.

 5.كانت المواقع الوظيفية التي حصل عليها هو أكبر منها كرئيس لفرع المسرح أو محرر في جريدة الزمان في الأردن قبل التغيير (2003م) أو تسنمه تحرير مجلة الأقلام بعد التغيير (2003م). أو عمله في الإذاعة والتلفزيون.

 6.دافع عن التحديث والفكر التقدمي الى جانب دفاعه عن هويته القومية في كتاباته بوصفه عربيّاً ومسلماً .

 7.ترك آثاراً من الكتب فيها معلومات موثقة ودقيقة وعلمية تدل على سعة اطلاعه وإفادته من موسوعيته في التأليف وكان في آخر مراحل حياته مهتماً بالفلسفة، فنشر في جريدة الزمان موضوعات فلسفية مهمة. طبعت في كتاب – كما ألمعنا – بعد رحيله .

 8.وصف بأنه صاحب مبدأ لا يهادن ويقول ما يؤمن به توفي رحمه الله في شهر تموز 2007. وكان الوضع الأمني حينها لا يساعد على معالجته.

المصادر

– ثامر، فاضل (2007م) ، اتحاد الأدباء في العراق يؤبن الفقيد، إجماع على سعة ثقافة مبارك، جريدة الزمان، الملف الخاص بالفقــيد محـمد مبارك، ع : 2793 س” 10  الاثنين 10 من أيلول .

– حسن، رزاق إبراهيم (2007م)، محمد مبارك بين الفلسفة والنقد الأدبي،  جريدة الزمان، الملف الخاص بالفقيد محمد مبارك، ع : 2793 س : 10  الاثنين 10 من أيلول .

– عوض، عبد الرضا (2010م) ، أدباء وكتاب بابل المعاصرون، ج1 ط2  دار الفرات للطباعة والنشر.

– مبارك، محمد، (2004م) الوعي الشعري ومسار حركة المجتمعات العربية المعاصرة، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1.

– نفســـه (2014م)، مقالات في الفلسفة العربية الإسلامية، نشوار القراءة الفلسفية، من إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثـــــــــــقافة العربية، وزارة الثقافة –العراق- بغداد، ط 1 2012م.