محكمة عمان الشرعية 1

محكمة عمان الشرعية 1
لست خصماً كما صورني بعضهم
استجابة لقرار محكمة عمان الشرعية، الذي أصدره فضيلة القاضي الشرعي، زيد إبراهيم الكيلاني، في القضية رقم 6018»2012، المتضمن إلزامي نشر مقال، أوضح فيه ملابسات ما حصل، وأعلن موقفي الصريح من الدين. وأود أن أبين، بأن الخلاف الذي أوصلني إلى المحكمة، يرجع إلى سوء فهم، أو سوء تحليل لتصوراتي الخاصة. وهي مشكلة وهمية زائفة، تتولد نتيجة لما تمتاز به كتاباتي، من غموض شديد، وصعوبة في الفهم. فلم يفقه كل الناس، ما أتحدث عنه، أو أوافق عليه.
وإنني أكرر هنا، ما سبق لي أن قلته مرارا، فأنا لست شيوعيا، ولست ماسونيا، ولست خصما عنيفا للدين كما صورني بعضهم. لكن طاعة العقل السليم، موعظة تدعو إلى العصيان العلني، وتجلب المتاعب لصاحبها.
إنني لا أملك التأثير على الناس، فوسائلي كلها ضعيفة، فأنا لست خطيبا شعبيا مصقعا، ولا أستطيع أن أجذب الناس، بشخصيتي الرقيقة، وليس لي صوت كأصوات الخطباء له رنين يذهل الأسماع، وتقشعر له الأبدان. فأنا رجل فقير، لم أكسب قط مالا كثيرا، وعلي دين كثير. إلا أنني أتمتع بمزاج متفائل، واعتقد بسهولة في أوجه الخير من كل شيء، وإنما أدخل السرور على نفسي، إيماني العميق بان واجبي هو أن أسمو بالناس، وأرشدهم. فمن واجبنا أن نرشد الناس، ونبرز المشكلة في الانحراف عن الدين، وينبغي ألا نخشى الخطأ والقصور، وألا نخشى الحوار والنقاش، ولا نحسب أن اختلاف الآراء مما يذهب بروعة الدين. ولا يجب أن تكون هناك محاكمات، واتهامات بالردة والكفر. فكيف نفكر في ظل هذا الخوف؟ إن الرجل المفكر، الذي يعيش الآن في العاصمة، قد يجد أروح لذهنه أن يعيش في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، لما كان يجد فيها من روح التسامح وحرية الفكر، التي لا نجدها نحن الآن. فهل يحسن بنا أن نتمنى لو كنا نعيش في عصور ما قبل الميلاد؟ أولسنا نعيش حياتنا العلمية والفكرية، على ما وصل إلينا من تلك العصور الحرة؟
وينبغي التنويه إلى أن كل دراسة تقصد إلى البحث في حقيقة الكون، واستقصاء علته، لا بد أن تنتهي إلى مرحلة يقف حيالها العقل عاجزا، لا يستطيع أن يدرك عندها من الحق شيئا، سواء سلك إلى ذلك سبيل الدين أو العلم، أو ما شاء له من السبل. ولكن المحاولة في هذا المجال، تبدو كافية، لتوجيه النظر إلى شطر من الثقافة الدينية، أهمله أهله، وتغافل عنه ذووه، واعني بهذا الشطر، الدراسة العقلية، والبحث والنظر في ماهية الدين، وعلاقة الإنسان به، والصراعات الدينية، وطرائق التفكير، وغيرها.
إن عصرنا رجعي، لأنه يعيش على الماضي، وأنا رجل أنزع إلى الحرية والتحرر، وأتطلع وراء التفصيلات، إلى الحقائق الطبيعية والبشرية الأساسية، واعتقد أن الإبداع يمكن أن يكون الآن، وفي هذا المكان. فلا رياء في العادات، ولا انقيادا أعمى، ولا تشبثا بثبات الرأي خوفا وفزعا. فلماذا لا تكون لنا علاقة أصيلة بالعالم؟ ولماذا لا يكون لنا فكر وثقافة يتميزان بنفاذ البصيرة لا بالتقاليد؟
إنه لا بد لكل عصر من أن يكتب كتبه، أو قل إن كل جيل يكتب للجيل التالي، فكتب العصور السابقة القديمة، لا تلائم هذا العصر، إذ سرعان ما يصبح الكتاب شرا وبيلا، ويصبح الكاتب مستبدا. إن فكر الجماهير العامة، خامل معوج، ولا يغزوه العقل في يسر. ولا أقول الإنسان المفكر الواعي، وإنما أقصد ذوي المواهب الذين يبدأون بداية خاطئة، وينطلقون من المذاهب الثابتة، وليس من رأيهم الخاص. فيقولون هذا حسن، دعنا نتمسك به، إنهم بذلك يخنقونني، لأنهم يتطلعون إلى الوراء وليس إلى الأمام. والوضع الطبيعي أن ننظر إلى الأمام، فإن عيني الإنسان في مقدمة رأسه وليست في مؤخرته.
إن أولئك الذين أرهقت نظم التراث ثقافتهم، لا يظهر من بينهم ذلك المفكر الذي يعين على بناء الجديد. إن لدينا مؤلفون عديدون، ولكنهم استنفدوا قدرتهم على الكتابة، فلماذا لا يقلعون عنها، ويتوقفون عن تكرار خطاباتهم السابق.
إنني لا أستطيع أن أتخلى عن عقيدتي، فالبندقية الفارغة لا تعدو أن تكون بندقية فارغة، حتى وإن أكد لنا القدامى والأشراف بأنها تنطلق فتقضي على الدنيا. ولسوف أصبر على إهمال الناس لي، وعلى لومهم إياي، وعلى محاكمتي، وأترقب الوقت لنفسي، ويكفيني سعادة أنني أستطيع أن أقنع نفسي وحدي، بأنني في يوم محاكمتي، قد شاهدت شيئا على حقيقته.
بيد أنني أدرك بأن مقالاتي ينقصها الشرح، وأنا أتألم من أجل ذلك. لكني اعجز عن الجدل، وأتحاشى ما أستطيع ذلك، الكلام في الموضوعات ذات الأهمية الشائعة، كالدين مثلا، لأنني اعتقد أن واجبي يقف عند حدود تنوير العقل، ولكن الناس، يقابلون هذا الواجب، بالنقد، والاستنكار، والسخط، ويتهمونني بالضلال والردة. وقد تبين لي، أن الناس يستمعون بالترحاب يوم السبت، إلى الأمور التي تبدو لهم كفرا يوم الجمعة.
ومما يزيد المشكلة خطورة، أن الناس يتبع بعضهم بعضا، ولا يفكرون تفكيرا حرا مستقلا، وكل شيء يظهر عندهم بمظهر خاطئ، والطريق الذي يسيرون فيه، لا يدرون إلى أين ينتهي. وأناس آخرون لا يعلمون ما يفعلون وهم يقظى، تماما كما ينسون ما يفعلون وهم نيام، لكنهم يرشدون الناس في الدين، وعلينا أن نسمع لهم. وعلى وجه العموم، معتقدات الناس وآراؤهم العامة، كلها خاطئة، بل والقلة القليلة من المفكرين، ليسوا بأحسن حظا كثيرا من عامة الناس. ولذلك نجد من يطلب الحرية الأخلاقية، وان يسير الإنسان على العقل في أفعاله، وبالا يتبع العامة والجماهير.
فكان يجب على الناس أن ينظروا للأشياء كما هي، لا كما رآها أسلافهم، ولا كما رآها من حولهم، ولا كما يرونها بمنظار ميولهم، وعواطفهم، ومصالحهم، وكان عليهم إن يصطنعوا الجرأة، في ذلك. فالشك معذب، ولكنة منج مطهر.
أما موقفي من الدين، فإنه هداية اختياريه للناس، تعرض عليهم مؤيدة بالأدلة والبراهين، والرسل مبشرون ومنذرون، ولا سلطان لهم إلا سلطان التذكير، والدعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة.
وقد هدى الله الناس بالأنبياء والصحف المقدسة، كصحف إبراهيم وموسى، ومع أن الاعتقاد بآله مختلفة لشعوب مختلفة، كان موجودا في عصر ما، إلا أن الاقتناع بأن الله واحد، حدث بمجيء الإسلام، وأكدته الصيغة في جملة لا اله إلا الله . وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، آخر الأنبياء، دعا إلى الإسلام، وأيده الله بالمعجزة العلمية، والحجة العقلية، وهو القران الكريم .
صالح خريسات عمان
/7/2012 Issue 4254 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4254 التاريخ 18»7»2012
AZPPPL