
ما هي الدولة المدنية.. ولماذا هي خيارنا؟ – آراس حبيب كريم
بالرغم من تعدد تعريفات الدولة المدنية لكن التعبير الأكثر مقبولية هو ما تنقله “الويكيبيديا” والذي يقول أنها هي الدولة التي تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن إنتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية. هناك عدة مبادئ ينبغي توافرها في الدولة المدنية والتي إن نقص أحدها فلا تتحقق شروط تلك الدولة أهمها أن تقوم تلك الدولة على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، بحيث أنها تضمن حقوق جميع المواطنين، ومن أهم مبادئ الدولة المدنية ألا يخضع أي فرد فيها لإنتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. فهناك دوما سلطة عليا هي سلطة الدولة والتي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم إنتهاك حقوقهم أو تهدد بالإنتهاك. فالدولة هي التي تطبق القانون وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم. هذا التعريف نستند عليه نحن وربما سوانا ممن يتبنى اليوم هذا الخيار في العراق بعد فشل تجربة الدولة التي تريد أن تقوم على أسس طائفية أو عرقية طوال 14 عاماً. وطالما نؤمن بذلك فما هي الإشكالية التي حالت حتى اليوم دون بلوغنا هذه الدولة المنشودة التي لا نريد أن نتعامل معها على مستوى الأحلام أوالعواطف بينما هي واقع حال في عشرات الأمثلة الناجحة في العالم.
هذه الأسئلة وسواها مما يرد في سياق هذه الرؤية المتواضعة التي أضعها أمام الأخوة الذين يتبنون هذا الخيار من قوى وجهات وتوجهات آملاً منها أن تكون إسهامه لا تستفز أحداً بقدر ما تساهم في بناء صرح تجربة سياسية ناضلنا جميعاً سنوات طويلة من أجل تحقيقها بعد عقود من الظلم والدكتاتورية والتسلط والتهميش. وبالتالي لا يصح أن نقلب الأدوار ونمارس سياسة فيها الكثير من الظلم وأقصد بذلك من يرى في الدولة المدنية وكأنها خروج على الثوابت الدينية. وهذه مغالطة لا تصمد أمام أبسط إختبار ذلك أن الدستور العراقي واضح في مواده سواء بشأن ثوابت الإسلام أو معايير الديمقراطية. فالدولة التي قدمنا التضحيات من أجل قيامها في زمن المعارضة هي نفسها التي نجد أنفسنا الآن نكافح من أجل تحقيقها لأنها ببساطة لم تتحقق وفق ما أردناه وخططنا له.
ترسيخ ثقافة
ولعل المفارقة الأهم التي باتت تحتاج توضيحا تتمثل في أن بعض الجهات تريد ترسيخ ثقافة خاطئة لدى المواطن قوامها أن الدولة المدنية تتنكر للدين أو هي ضده. وهذا خطأ جوهري لأن الدولة المدنية لا تتعامل مع الدين كشعارات على مستوى بناء الدولة. مهمة الدولة المدنية هي تطبيق قوانين العدالة الإنسانية ومنها ما كرسه الدين الإسلامي الحنيف بخصوص حقوق المواطن وواجباته. لكن الفرق بين من يريد تقديم خدمة بوصفه موظفاً حكومياً يتقاضى عليها أجراً وطبقاً للقانون وبين من يريد أن يصور ذلك على إنه عمل وواجب ديني. هذا لم يكن موجوداً حتى في صدر الإسلام حيث كان النبي يمارس سلطته داخل المدينة طبقاً لمبدأ المواطنة المعروف والذي أقرته كل الدساتير والنظم الحديثة وهو مبدأ الحقوق والواجبات.
خيمة كبيرة
وأود هنا التذكير إننا كنا بالمؤتمر الوطني العراقي أيام كان الخيمة الكبرى لقوى المعارضة بكافة صنوفها وأيديولوجياتها ومرجعياتها على عهد مؤسسه الراحل الدكتور أحمد الجلبي إلتزمنا ببناء الدولة الحديثة العادلة التي تستوعب الجميع من منطلق أن العراق بلد تعددي من حيث الأعراق والأديان والمذاهب. كانت أيام المعارضة بمثابة مخاض صعب تبلورت فيه الرؤى والتوجهات بإتجاه هذا الهدف لكن كإطار عام فقط لأن القضية الكبرى التي كانت تهيمن على الجميع هي إسقاط النظام ومن ثم لكل حادث حديث من حيث التفاصيل. لكننا كمؤتمر وطني اليوم وبعد تحولنا الى حزب سياسي بقيت أهدافنا ورؤانا بشأن كيفية بناء الدولة هي نفسها لم تتغير. بل إزدادت قناعتنا بالدولة المدنية بوصفها الخيار الوحيد لبلد تعددي.
ربما يسأل أحد ماهو الجديد إذن طالما كنا منذ البداية نتنبى هذا الخيار؟
الجديد في الواقع هو كثرة ما بات ينادي بالدولة المدنية بحيث إختلط الحابل بالنابل. وضاعت طبقاً لتلك المعايير التي يتم بموجبها قياس الحاجة ومتطلباتها.فهناك من يريد مجرد ركوب موجة. وهناك من يسعى لمصادرة حق سواه. وهناك من يريد إعادة تسويق نفسه عبر تبني شعارات الدولة المدنية بينما كان قد فشل إسلامياً في تقديم أي خدمة للناس. وهناك أيضا من نزع جلده الديني ليرتدي جلداً مدنياً طالما أن الموسم هو موسم الهجرة إلى الدولة المدنية دون أن يعرف لماذا يختارها. هدف واحد يرمي إليه هو الإستحواذ على الأصوات الإنتخابية عبر رفع مثل هذا الشعار الذي يبدو فضفاضاً عليه.
إن الدولة المدنية ليست موضة لكي نلهث وراءها. بل هي خيار إستراتيجي بالنسبة لنا بعد أن وجدنا نجاحها في كل العصور وعبر كل القارات. فأوربا التي نتمنى أن نبلغ ولو ربع ما بلغته دولها كلها مدنية. وفي كل القارات فإنه حين تتم الإشادة بدولة سواء في آسيا ام أفريقيا ام الأمريكيتين فبالتأكيد دولة المواطنة التي هي كناية عن الدولة المدنية. فهذه الدولة هي التي تحقق العدالة في كل شيء بدءا بتطبيق القانون وتقديم الخدمات وتكافؤ الفرص. كما إنها تضمن التنوع والتعددية وإحترام الخصوصيات والحريات الدينية والثقافية. لذلك فإننا نعمل على تنمية الطبقة الوسطى وتشجيع القطاع الخاص وتوسيع نطاق الإستثمار وإطلاق المبادرات الهادفة الى بناء القدرة الإنتاجية من خلال الإستخدام الأمثل للموارد والطاقات.
كما نعمل على إستثمار عقول الشباب بما يؤدي إلى تسريع العملية التنموية وتنويع مصادر الدخل الوطني والإنتقال الى مرحلة ما بعد النفط. إننا لا نريد الإغراق بالشعارات والوعود السياسية التي لم تعد خياراً تنافسياً صحيحاً بعد أن جربها المواطن على مدى الدورات الإنتخابية الماضية، بل نريد تطبيق رؤية واقعية يمكنها أن تسهم في جعل الدولة المدنية في متناول اليد بوصفها خياره الوحيد.
الأمين العام للمؤتمر الوطني العراقي


















