عن إستذكارات فيسبوك – زيد الحلي

فم مفتوح .. فم مغلق

عن إستذكارات فيسبوك – زيد الحلي

الذين يتعاملون مع مواقع التواصل الاجتماعي، ولاسيما (فيسبوك)  نشراً ومتابعةً، يدركون ما سأذكره لاحقاً… ولعل أبرز ما يستوقفني فيه تلك الخاصية التي تعيد إلى الواجهة صورا ومقالات مضى عليها زمن، كأنها تقول لنا: هنا مررتم… وهنا تركتم شيئاً من أرواحكم.

ويقف المرء أمام هذا الاستذكار بين حالتين: إما أن يعيد النشر مؤكداً حضوره، أو يمر عليه مرور العابرين… لكن، كيف يمكن إهمال صورة أخ وصديق عمر، وقد تكفل (فيسبوك) مشكوراً بتذكيرك بها؟

لا شك أنك ستعيد نشرها بفرح، وكأنك تستعيد لحظة من زمن لا يريد أن يمضي.

شخصياً، أمر يوميا بمثل هذه الحالات، كما يمر بها كثيرون من رواد هذا الفضاء. ومع هذا التكرار، أتجاوز الكثير مما يُعرض علي، لكنني أتوقف طويلاً أمام صورة لشخص عزيز، أو مقالة أجدها ما تزال نابضة بالحياة، فأعيد نشرها بغبطة، لأن في ذلك متعة خاصة، وبهجة لا تخطئها الروح.

إن الشوق إلى إعادة نشر مقالة قديمة، أو تأمل صورة صديق صدوق، هو حنين إلى قطعة من الذات، واعتراف ضمني بأن العلاقات الصادقة لا تنكسر بمرور الزمن، ولا تطفئها المسافات. فالصديق، في جوهره، هو الأخ الذي لم تلده أمك، لكنه ولد في قلبك، وتكون في مواقف الحياة. هو ذاك الذي فتح لك شبابيك النور حين أظلمت الدروب، وأبعد عنك سهام الأيام حين اشتدت، وكان معك يوم ضاقت الأنفاس، وتلاطمت أمواج التعب، فمد يده دون سؤال، وأعاد لقلبك انتظام دقاته.

فشكراً للصديق الذي يقرأ نبرة الوجع في أصواتنا، ويحسن الإصغاء إلى صمتنا… لا يجادلنا حين نتعب، بل يبحث عن فسحة ضوء يزرعها في داخلنا، لتورق من جديد.

وبعيداً عن (فيسبوك) وخياراته في التذكير بمن نحب، أقول: إن تعريف الصداقة يظل مفتوحاً على احتمالات كثيرة، لكنها في جوهرها علاقة إنسانية قوامها المحبة، والفهم المشترك، والتأثير المتبادل، والرغبة في المشاركة. وهي مصدر لمزيج من المشاعر، بين الفرح والوجع، وبين الطمأنينة والقلق، لكنها في كل الأحوال تظل واحدة من أعمق الروابط التي تمنح الحياة معناها.

وغالبا ما يعززها التقارب العمري، أو التشابه في الطباع والاهتمامات والظروف، حتى يكاد بعضهم يقارب بينها وبين الحب، مع اختلاف السياقات والحدود.

وفي الختام، أقول بصدق: مرحى لطيبة الصداقة… وكم كان بودي أن أذكر اسم عميد الصداقة في حياتي، لكنني أعلم يقينا أنه لا يرضى بذلك، بل يعاتبني حتى على نشر صورته. ومع ذلك، سيبقى في قلبي أخاً عزيزا، ومواقفه تجاهي لا تحصى…

وسيأتي يوم أكتب فيه كتاباً عنه، أهديه إلى أسرته، ليكون شاهداً على إنسانيته في زمن فقد كثيراً من براءته.

Z_alhilly@yahoo.com