مائدة إفطار- موسى الهاشمي

مائدة إفطار

موسى الهاشمي

ان أقفز فوق السحاب وأضوي في حديقة المنزل الصغيرة وأتناول فطوري بزهو واعتزاز وهدوء ، واطالع صحف الصباح متناسياً الهموم كافة ، رافعاً رأسي بخيلاء ، كما لو أن أحداً أنهض صدري وأنتشلني من براثن لهب رمضاء صيف محرق والقاني في جنة خلد تفتقت على جوانبها الزهور .. كان بحاجة إلى تأصيل جذوري الموغلة بالقدم ،المكبلة بصفحات صفر عطنة من تأريخ مشوه.

 يبدو أن المهمة عسيرة للغاية رغم بساطتها غير أن الإنسان ممكن أن يقتنص لحظات سعادة وينتفض من حين لآخر، بعد هيمنة الإرادة الحرة ، يشطب آلامه المبرحة ، كمن يغتسل بماء مثلج ، ثم يرتدي أفخر ملابسه ويجلس بسكينة في حديقة المنزل بإنتظار إفطار الصباح . ان ذلك يعيد للعقل التوازن ويبعث في النفس الأمل.

ألقت زوجتي الفطور على المائدة وضوت قبالتي ، فسرح نظري بعيداً ليشمل ثوب النوم الشفاف المستمد لونه من زرقة السماء ، وقد كشف عن ثلثي ساقيها ، وأحتضن جسدها على نحو رقيق ، كما لو أنه رسم بريشة فنان محطم الفؤاد ، أراد أن يفصح عن قسوة فلم يخطئ ما أتلفته السنون وما تراكم من لحم وشحم . وأنا أدقق النظر بتلك القسمات اللطيفة أسفت على ما لحق بالجسد الأهيف ؛ إذ كان يوماً أشبه بقصر منيف تشرأب لبنيانه الأعناق ويسيل اللعاب وتهفو إليه القلوب . اليوم ،كما هو أمامي، قد تقوضت أركانه ولحق به الدمار من كل جانب وبات أيلاً للسقوط . وما برح الخراب يزحف ويأبى التوقف، إلى أن بلغ العينين النجلاوين فخبا بريقهما ، والشعر الأسود الزاهي فابيض لونه.

لقد دمر الزمن كل شيء في الطريق إلى الهاوية!

وأنا أشير بيدي إلى أحد أركان الحديقة ، قلت ولا أدري أكنت مواسياً أم كسفاً:

– أنظري إلى جانبك. ما أجمل تلك الزهرة النابتة في حديقة منزلنا . تقف بزهو منذ أسبوع. أني أطالعها كل صباح وأذهب إلى العمـل متفائلاً نشطاً.

بانت ضواحك أسنانها البيض وتعمّقت أخاديد وجهها حين أبتسمت، قالت:

– أعتقد أن هذه إحدى دروس الحياة!

قلــــت وفكــــري يتـــــوغل في عمــــــق حـــــــياتـــــــنا:

– ان ما ألم بنا لكثير، يفوق طاقة بشر حالم مثلنا!

قالت بإمتعاض:

– نحن نحيا في مستنقع، ونبتسم لنعبر عن حزننا العميق.

قلت وأنا أزفر:

– لم يعد وطن، إرادتنا مسلوبة ، أفكر بالخروج.. بمغادرته.

– زمن قذر للغاية، سنموت قهراً وعجزاً إن لم نغادر! وأنا أدفع لقمة سائغة إلى فمي زال الهدوء المنشود في حديقة المنزل، إثر قدوم عربة قناني الغاز، وهي تنادي عبرمكبرات الصوت (بستة غاز)تركت اللقمة تسقط من يدي وسارعت إلى وضع أصبعيَ في أذنيً قبل أن تتمزق طبلتيهما . فعلت ذلك كما أفعل كل مرة تمر فيها مركبة الغاز!

عندما أبتعدت المركبة قلت ساخراً:

– يا لها من حياة مضحكة ، نحن نحيا في زمن الفوضى والحريات المطلقة!

علقت زوجتي وقد أدركت عمق معاناتي:

– التكنلوجيا بيد الحمقى آلة مدمرة .

كان رداً حصيفاً مفعماً بالحكمة والأعتبار من إمرأة خبرت تدريس التأريخ في الجامعة. إلا أن أية قول لم يعد مجدياً؛ فقد علقت بأقدامنا أطنان من وحل القمامة على المدى البعيد والقريب.

ولما رأتني لا أتناول شيئاً من الطعام ، وأن عيناي قد زاغتا وأن وجهي قد طعن. ولما رأت سأتحول إلى مرجل يغلي يوشك أن ينفجر بلا ريب ، أضافت:

– تعال نكمل فطورنا في الداخل .

أجبت ساخراً، وقد أستحوذ على نفسي الإستياء والأمتعاض، كما أني في طريق الإنهيار :

– الهرب من الواقع فعل قاس ،أعني.. نهرب من واقع صنعته عقول زنخة  إننا ندفع ثمن صناعتنا المزيفة. قد نستطيع الهرب من ضجيج بائعي الغاز لكن كيف لنا أن نهرب من العبوات الناسفة والسيارات المفخخة أو ننجوا من الأغتيال العشوائي أو نخفي أنظارنا عن وجوه المجرمين البشعة وهي تطالعنا كل يوم على شاشات التلفاز، والجثث والأشلاء المقطعة والدماء المسفوحة المدمرة للأعصاب؟

إننا ندفع ضريبة إنحراف أخلاقي عام بإمتياز؛ ليس في العراق وحده!

قدمت مركبة غاز أخرى يسبقها الصوت المدوي ، فاندفعنا فارين إلى داخل المنزل قبل أن تبلغ المركبة الزقاق.

وكتعبير عن إمتعاض إنسان فقد الحرية يأبى الإستسلام ويعتقد أن الحل الأمثل هو الصبر وبلوغ النهاية أو الفرار، شرعت زوجتي بالحديث عن شقيقتها العانس وما تلاقي أثناء تدريسها طلبة الثانوية وأنا أزدرد لقمة مطلية بجبن محلى بالعسل، قلت عن حكمة:

– علينا أن نمنحها الحرية اللازمة للبحث عن حل مناسب. ستجد متعة في ذلك رغم كل شيء!

– المشاكل الصغيرة قد كبرت واتسع نطاقها ولم تعد صغيرة أو عابرة.

في تلك اللحظة دوى إنفجار سيارة مفخخة فأهتزت أركان المنزل وأوشك زجاج النوافذ أن يتحطم. أبتسمت هازئاً من تلك الحياة التي نحياها، تناولت كوب الحليب لكن دوى إنفجار آخر جاء متزامناً مع مجيء مركبة غاز أخرى توقفت بباب منزلنا وأطلق سائقها العنان لمكبرات الصوت المثبتة على جانبي المركبة ( غاز غاز غاز بستة).

نسيت ما تحدثت به زوجتي عن شقيقتها وسارعت إلى التلفاز لمشاهدة ما أحدث الإنفجار الأول من دمار وعدت إلى مكاني وراء مائدة الإفطار مشوش الفكر ، غائب البال. لم أصغ تماماً لزوجتي بيد أن ،أظنها، تحدثت عن تطور هام في حكاية شقيقتها . ان ذلك التلميذ المنغولي الهيئة ، والذي شبهته بأحدب نوتردام ، بطل رواية فرنسية قديمة، قد دأب على مطاردتها رغم كل شيء خارج المدرسة وداخلها وقد عجز الجميع عن إيقافه، بما في ذلك ذويه ومدير المدرسة ، وبات يلاحقها إلى البيت!

ودوى إنفجار آخر، فخرجت لأعاين الزقاق، فمر بجانبي بائع الخضار وبائع مساحيق الغسيل، وقد ركب كل منهما مكبراً للصوت. نكست على أعقابي وأنا أضع أصبعي في أذني ، وقلت لزوجتي بمرارة:  – لم يعد البلد يصلح لسكن البشر، علينا أن نخرج بسرعة . في تلك اللحظة، انقطع التيار الكهربائي . إنطفأ كل شيئ . الحرارة ارتفعت حتى بلغت الثمان والأربعين، شعرنا كما لو كنا نجلس في فرن. تناولت قطعة ورق مقوى وشرعت أحركها أمام وجهي لأدرأ العرق المتصبب من مسام جسـدي. ظلت زوجتي تتناول فطــورها بهدوء إستثنائي ، يثير الفضول. تغيرت سحنتي ، إنتابني إحساس باليأس والقنوط. بدوت مشدوهاً، أدور في الحجرة كما لو أني في ظلمة حالكة . ملأت زوجتي كوب الشاي الساخن ودفعته نحوي. نظرت إليها دهشاً وتمتمت وأنا أتحسس حرارة الشاي المرتفعة .

-الحرارة خارج المنزل إثنان وخمسون، هذا في الظل، ولكِ أن تقدري كم هي تحت الشمس.

سددت نظرات نعسى وعلقت قائلة:

-الحرارة ترتفع جداً في شهر آب كي ينضج التمر بسرعة قبل مجيء فصل الشتاء البارد.

أوشكت أن أقول وما ذنبنا نحن بيد أن هاتفي النقال رن . كان المتحدث شقيقي الذي يشغل منصباً مهماً في الدولة، قال( إملأ خزان وقود سيارتك بسرعة ، من المتوقع أن يبلغ إرهابيو داعش أطراف المدينة خلال ساعات قليلة!

تسارعت دقات قلبي ، ورغم ذلك تناولت رشفة من الشاي، بعدها لـــذت بالصمت . أفكر بالتطورات الخطيرة المتسارعة ؛ إلا أن زوجتي لم تخرج عن طبعها الهادئ . ثم إنطلقت فجأة قائلة:

– شيء مقرف، بكل تأكيد، أن تلميذ منغولي يدأب على ملاحقة شقيقتي أينما حلت دون رادع أمر مقرف، لك أن تتصور كم ساء حالها وكم بلغ المرأة المسنة انهارت ، وأوشك أن يغمى عليها من الرعب. المجنون.. يطالب بزواج فوري. راح يلاحقها في البيت، يدعوها إلى السرير. بعد حكايتي هذه أطالبك بموقف حاسم وصلب. ليس لدينا رجل غيرك!

ابتسمت فقط ، لم تكن الأجواء مهيئة للبحث عن حل مناسب في مثل تلك الظروف المعقدة جداً .

سمعت إطلاق نار من مختلف العيار فاندفعت إلى الخارج ومعاينة الزقاق . إطلاق النار يقترب . عدت إلى المنزل مسرعاً، درت في الحجرة مشدوهاً، عاينت زوجتي وفي نفسي أن تشاطرني الرأي ونتحدث عن خطورة الموقف إلا أني لم أجد ذلك ضرورياً بعد. كان علي أن أتخذ قراراً بسرعة. لا وقت للحديث. الوقت أزف وملأ الخزان بالوقود أصبح أمنية بعيدة المنال.، علي أن لا أفكر بها. اصوات الإنفجارات يقترب . سقطت قذيفة هاون قرب المنزل حطمت زجاج النوافذ . زوجتي تنهار وجهها غادرته الدماء ، نظراتها تلاحقني . أنا ما زلت أدور في الحجرة كما لو أني تائه . نظـرات زوجتي تناشــدني البحث عن حـــل سريع وصحيح .الزجاج والغبار ينتشران في الحجرة. لم يعد لنا ملاذ آمن. التقت نظراتنا أكثر من مرة. ضحكت، ضكت بهستيريا. لم أتوقف عن الدوران والضحك. فكرت أن أخرج وأعاين الزقاق للمرة الثالثة إلا أني لم أقم بالفكرة معتبراً كل شيء إنتهى وبات بلا معنى. فقدت التركيز ،غبت عن العالم ، الإنفجارات تقترب إلا أني فقدت السمع وأصبت بالصمم . دخلت عالم الامعقول . بدوت أرقص وأغني وأتلوى وأطوح بذراعيً ذات اليمين وذات الشمال وكوب الشاي بيدي ، كما لو أني محترف الرقص . جحظت عينا زوجتي ، نظرت بذهول واستغراب . ولما تأكد لديها أني أرقص بصدق ولم أصب بجنون أنما كنت أعبر عن عجز شامل وفشل تام ؛ راحت تضحك وتنقر بأناملها الدقيقة على مائدة الإفطار ، تأييداً وتشجيعاً وانسجاماً. في تلك اللحظة الإستثنائية والحرجة والغريبة مرت فوق منزلنا ، وعلى إرتفاع منخفض، طائرة سمتية، تبعتها أخرى وأخرى محدثة دوياً كالرعد ، إرتجت النوافذ. القيت كوب الشاي جانباً وتقدمت من زوجتي متناولاً ذراعها ؛ فراقصتني عن طيب نفس . رقصنا كما لو كنا في عالم غير العالم الذي نحن فيه ، غائبين عن إيما خطب . وأنا هائم في مححيط الملكوت وأوغل في الرقص أحسست بسعادة غامرة ورددت أغنية شعبية قديمة كنت قد سمعتها في صباي ( عمي يا بياع الورد كلي الورد بيش، كلي) ثم طوقت خصر زوجتي بذراعي ، إحتضنتها بقوة إستثنائية،  كما لو أني أبغي أن أدسها بين أضلعي ، فألقت برأسها على كتفي، شعرت إنها ستنام مطمئنة إلى الأبد. وبقينا نرقص ونرقص ، ثملين بوجودنا ورقصنا معاً . ظللنا هكذا.. نرقص ونغني حتى أدركتنا قذيفة هاون ثانية، لم أعلم بعدها شيئاً . ثم صحوت أو أفقت من غيبوبتي. تململت وأزلت التراب المتراكم عن وجهي. ثم راحت ذراعي تبحث عن زوجتي؛ وجـــدها مسجاة إلى جانبي. سارعت إلى إزالة الأحجار وقطع الأسمنت عن جسدها ووجهها بإصرار وفزع، أزحت كل ذلك بهمة مَن ينبش في قبر . وجدت رأسها يغرق في بركة دم متجلط . صحت، صرخت، ناديت بلا أمل.( لا. لا، لا تموتي، أرجوك). وبكيت، أنتحبت. وبشفتين يابستين صفراوين همست بصعوبة بالغة.( أجل.. نعيش.علينا أن نعيش) ثم ماتت. تلمست وجنتين ذاويتين، ولثمت شفتين ميتتين. لقد ماتت. أجل.. فارقت الحياة حبيبتي في نفس تلك اللحظة.

أغمضت عينيها وبكيت. ثم سجيدت جسدي إلى جانبها وأحتضنتها لدرجة أصبحنا قطعة واحدة . أنقطعت دموعي وغبت عن الوعي متأثراً بجراحي الثخينة . وأنا بين الحياة والموت سمعت جلبة ولغط كثير لعدد من الناس،  لم أفهم جله بيد أن جملة واحدة علقت في ذهني ( إدفنوهما معاً ، في قبر واحد) هبت نسمة هواء باردة أثلجت صدري وأبتسمت في سري. بعد ذلك أختفت الأصوات ولا أعلم ما حصل…