مؤلفات ولكن – بهاء زهير أحمد القيسي

المشهد الأول

لا أعلم من أين يستمد كل تلك الجرأة ليطبع أحدهم صورته وهو منحش على غلاف ما يسميه (مؤلف).

إحدى الحالات التي أوقفت دهشتي حينما وقع في يدي (كتاب)، وأتحفظ في إطلاق هذا الوصف عليه، لأن صاحبه لم يكتب في خلال حياته سوى محاولته اليتيمة الوحيدة، وهي بحث التخرج قبيل تخرجه من الكلية، والذي كان لزامًا عليه من أجل نيله شهادة البكالوريوس.

صاحبنا هذا لديه نوازع شخصية عميقة ومتجذرة من مركب النقص والفقر الأزلي، ولرغبته في حصد الكثير من الألقاب الفاشوشية حتى يضعها قبل اسمه للتعريف بشخصه وهوسه الجامح في تحصله على لقب الأستاذ، الأديب، القصاص، الباحث، المؤلف، فقد سعى وأجهد نفسه في الانتماء لشتى المحافل الأدبية المعروفة والمغمورة والتي ما بينهما.

والذي يفت القلب ويمرد الروح هو محاولته في طبع جزء آخر من الكتاب، أو بالأحرى من بحثه القديم المتهاوي، حتى يتكون في جعبته الثقافية الإنتاجية كتابان مطبوعان يتأبط بهما ويهرول إلى أروقة (الجهات الأدبية) حتى ينال الهوية العتيدة ويصنف نفسه في خانة الأديب العراقي..

والذي يتأمل أنه بعد هذا المطبوع ستتهافت القنوات الفضائية وينشغل التواصل الاجتماعي به، وإليه سيقصد كل المثقفين حتى يشرح لنا ولهم.. كيف يأكل السمكة حتى ذيلها ويحل المسألة الزنبورية.

هناك أعمال ومطبوعات أدبية وشعرية وغيرها من جميع عناوين العمل الإبداعي، الشارع والأوساط الثقافية تختنق بها مثل عادة سيارة عتيقة. وهذه الأعمال مطلعة روح الثقافة من خشمها.

هناك المطبوعات التي لا تستحق أن تكون في أحضان رفوف مكتبة، بل كان ورقها سيكون أكثر نفعًا لو كان كورق صحي لمسح. ولا

أود أن أقول شيئًا آخر والذي سيكون أكثر، وربما يكون أكثر قرفًا.

ومن الأصح أن نطلق عليها منذ البداية عمل (كيلنكسي) وليس أدبي.

المشهد الثاني

هناك تعاكس جدلي للموضوع.
الأديب العربي المصري سلامة موسى نشر العديد من المقالات في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي ناقش فيها الجدوى من إقامة أماكن عبادة أو ترفيه يُصرف فيها الكثير من تخصيصات أموال المجتمع للخدمات العامة في القاهرة، وطرح دعوى لإنشاء دورات مياه بدلًا عنها، فيما كانت العاصمة تفتقر لها في مساكن الناس والأماكن العامة، ويسبب انعدامها هذا في كانت تعاني القاهرة من مشكلات ذوقية ووبائية كبيرة.

لم تمض مناشدات سلامة موسى مرور الكرام، ولم يسلم جسده الفكري من الجلد سواء من العامة أو من المتشددين، فقد تم شن حملة شعواء عليه في الإعلام، وأطلقوا عليه اسم سلامة موسى المراحيضي كنوع من التنكيل والاستهزاء.

وكان هذا اللقب يفخر به موسى كثيرًا لأنه تحدى فيه الرجعية وأطلق نداء للنهضة الفكرية التي تبدأ بمجتمع آدمي صحي. اسم (سلامة المراحيضي)!

وكان سلامة موسى يصرح دائمًا بأنه لم يفخر في حياته بلقبٍ ما، كفخره بهذا اللقب!

تذكرت ما قاله بطل إحدى روايات نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل) وهو يتجول في أحياء القاهرة المزريّة: «يا ما جاري في الدنيا… يا مجاري!».

اليوم نفس الحال، نتجول في أزقة المثقفين المدعين ونقول الجملة ذاتها.