
مؤلفات المؤرخ الأستاذ الدكتور خاشع المعاضيدي
ناصر محسن المعاضيدي
اجمع اهل الاثار واهل العلم بالانساب والسيرة والاخبار من اهل الاسلام، وما وصل الينا من غيرهم، على ان بني ادم اليوم في اقطار الارض كلهم عربهم وعجمهم انتسلوا من ذرية نوح وابنائه عليهم السلام. ولم يكن لنوح لصلبه ولد، انسل احدآ الا ثلاثة هم: سام بن نوح، وبافث بن نوح، وحام بن نوح، واليهم انتسبوا وبهم عرفوا قال تعالى: “ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون، ونجيناه وأهله من الكرب العظيم، وجعلنا ذريته هم الباقين، وتركنا عليه في الاخرين، سلام على نوح في العالمين” (1).
وقالوا في ولد سام بياض وادمة، وفي ولد حام سواد وبياض قليل، وفي ولد بافث شقرة وحمرة، واجمعوا ان العرب من سام، وان الكرد من ولد كرد بن كنعان بن حام، وقيل ان الاكراد والناس وما وراء النهر من بافث، وان اراضي بافث كانت من اركينية وما جاور جبالها الى خلف باب الابواب، ويقال غير ذلك (2).
واما الديلم فانهم من ولد ديلم بن باسل بن ضبة بن اد، وقد غزا باسل ارض العجم ومات هناك، فسار ابنه ديلم بمن معه من قومه، الى الموقع الذي هلك فيه ابوه باسل، وصادف ان استقام امر العجم، وخشي ديلم الهلاك، فانحاز الى الجبال التي بها الديلم اليوم ،فأقام بها هو وولده ،وقال اخرون ،ان الديلم من بني ضبة بن ادد بن طابخة بن الياس بن مضر من عدنان ،وهولاء غير ديلم العجم.
ان معرفة العرب جانب من التاريخ القديم والحديث لشعب شقيق لهم ،هو الشعب الكردي ،تربطهم واياه اخوة متعددة الروافد ،وتعود بداياتها الى حلول الاسلام في ديار الكرد،ثم عمدها الزمن ،وصقلتها الثقافة المنتشرة من اوجه عديدة ،وصهرتها بوتقة الكفاح المشترك على مر العصور ضد الغزاة والمحتلين ،ومن اجل الغد الزاهي السعيد،ان معرفة هذا الجانب من التاريخ بالغ الاهمية ،خاصة وان الشعب الكردي يشغل صفحة بارزة في سجل تاريخ شعوب الشرق الاوسط،صفحة تحتاج الى جهود مثابرة خلاقة ،واقلام مخلصة نيرة ،تسبر اغوارها وتضع حقائها اما انظار الجميع ،لما في ذلك من اهمية علمية واجتماعية كبيرة (3).
غير ان المؤرخين لم يختلفوا حول نسب شعب كما اختلفوا حول الشعب الكردي خاصة منهم علماء الاجناس ومؤرخوها الاقوام والشعوب القديمة ،ولم تجد رأياً يتفق مع الاخر بهذا الشأن، كما لم يقطع اياً منهم برأي حاسم ،انما يطرح عدة اراء ،ثم يرجح احدها .
وقد اثار هذا الموضوع اهتمام العلماء الروس وغيرهم الذين القوا الضوء عليه ،مدفوعين بهدف توضيح هذه الاشكالية ،مستعرضين الحجج التأريخية ،والاثار ،وعلم اللغة ،وعلم الاجناس ،وقد ظهرت عدة فرضيات بشأنه ،غير ان هذه الفرضيات تبقى اراء لأصحابها ولاتصمد امام النقد (4).
اما الظروف التي كونت الشعب الكردي فيمكن اجمالها بالأبعاد التالية :ـ
اولاً:ـ البعد الجغرافي :ـ
كردستان او بلاد الكرد .هو الاسم المحبب الى قلوب الاكراد ،لانه يلامس احلامهم الوطنية ويحرك امالهم القومية ،ويجعلهم يشعرون على الدوام ان لهم وطنا قوميا خاصا بهم يسميه العرب قديماً (بلاد الجبال)،وكلمة كردستان على رأي ،انها تتكون من مقطعين هما كورد،وتعني الشجعان ،وستان ،وتعني الاقليم ،ولذلك سمي سكان هذا الاقليم (الكرد)وفي رواية اخرى ،ان وفرة الشجاعة وشدة الحماسة والغيرة ،الصفات الذاتية لهذه الامة ،هي التي ادت الى تسميتهم اكراد(5).
وقد يكون اسم الاكراد بالاصل ،اصطلاح اطلق على الارض الجبلية الواقعة بين العراق وايران وتركيا وسورية ، او اسم منطقة صغيرة منها ،ثم اطلق هذا الاسم على الاقوام التي سكنتها ،على اختلاف اصولهم ،سواء كانوا وافدين اليها او اصليين فيها ،والدليل على ذلك عدم قيام كيان سياسي موحد على مدى التاريخ لسكان هذه المنطقة الواسعة ،كما لا تربطهم لغة واحدة كما هو حال الشعوب والامم الاخرى ،لكن الظروف السياسية والطبيعية كونت ،منهم ولهم شعور مشترك بانهم جميعاً شعب واحد هو الشعب الكردي ،وان مصلحتهم تقتضي ان يتوحدوا في هذا الاتجاه ،فضلاً عن وجود عوامل داخلية وخارجية كثيرة وكبيرة تضغط عليهم كي يتوحدوا بهذا الاسم المفضل لديهم . وقد عرف شعب باسم كردوخ عاش في منطقة كردستان منذ سنة 1700 ق.م وكان الاعتقاد انهم اجداد الاكراد ،غير ان الباحثين المختصين ،اثبتوا ان الاكراد لايمتون بصلة الى شعب كردوخ ،ويرى فيورسكي المختص في تحقيق اصل الاكراد ان الاكراد الذين قدموا من شرق ايران وجدوا اقوام تسكن المنطقة تحت اسم مشابه واختلطوا معهم واندمجوا كلياً حتى اصبحوا قوماً واحداً ،وهو يعتقد ان الاكراد من اصل اري الا انهم امتزجوا بعناصر اخرى.
حلف قبلي
ويسكن القسم الجنوبي الغربي من كردستان العراق ابتداءً من جبال قرة تبة،الحلف القبلي الكبير زنكنة ،اما المنطقة الواقعة بين كركوك وكفري فتسكنها قبائل الداوودي والطالبان والبيات والشوان ،اما شمال كركوك باتجاه الموصل فتسكنه قبيلة الدزة ئي الغنية والقوية ،في حين تسكن قبيلة الهماوند وشيخ اسماعيلي المناطق الواقعة بين كركوك وسليمانية ،وتنتقل قبيلة اسماعيلي مع الجاف صيفا الى ايران ،اما قبيلة كاكائي فتسكن مناطق كركوك والسليمانية ،في حين احتل الحلف القبلي البارازاني الاماكن المحيطة بكركوك ،اما قبيلة خوشناو القوية والمتقدمة ثقافياً بين الاكراد ،فقد سكنت المنطقة المحيطة باربيل ،كماتسكن قبائل اخرى في اربيل مثل :طاري ،الشيخان ،آلو،سيلانا ،شلايين ،بالك،سورجي ،زيباري ،المازوري ،سبان ،كاكاخان ،شيروان ،مامارتي وهركي القوية وغيرها (6).
وكان حلف الجاف القبلي اكبر الاحلاف عددا وهيبة في كردستان الجنوبي ويشغل المنطقة المحيطة بالسليمانية القريبة من الحدود الايرانية قرب حلبجة، ويعيش قسم منهم في الجانب الايراني، ويتالف هذا الحلف من ثلاثة فروع هي الجاف مرادي، والجاف جوانرودي، والجاف كرمنشاه، ويتالف هذا الحلف من احد عشر عشيرة كبيرة، بينما سكن الاكراد المتعربون المناطق المحيطة بالموصل مثل قبيلة خاسينان، وقبائل كللي، وسندي، وخاجام في زاخو، ومزوري ودوسكي في دهوك ودزه ئي في العمادية.
اما اليزيديون فيعيش اغلبهم في سنجار الى جانب العرب، اما الشيخان فيسكنها اليزيديون فقط، وقد انفصل اليزيديون عن الاكراد عندما دخل الاكراد الاسلام، وعاشو منذ ذلك الوقت منفصلين منعزلين، ويعتقدون انهم اتباع الاحفاد الشيخ عدي على الاختلاف الآراء بهذه الشخصية.
ثانيا: البعد البشري:-
يعتبر الاكراد من اقدم سكان المنطقة الشمالية من العراق، فقد ورد ذكرهم في كتاب (رجعة العشرة الاف) لقائد اليوناني (زينفون) باسم الكردوخيين، وهو مايدل على ان الاصول التاريخية لهذا الشعب تعود الى شعوب القديمة التي سكنت هذه المنطقة، او بجوارها منذ الفي سنة قبل الميلاد، ومن هذه الشعوب الاتي (7):-
- الكويتيون:-
لا يعرف اصلهم بضبط، ولعلهم من جبال لورستان، او من الاقاليم الشمالية الشرقية، وهم من الاقوام البربرية، تمكنو من اسقاط الدولة الاكدية، وحكمو العراق، قرن من الزمن، وكان عهدهم مظلم في تاريخ العراق.
- الحيثيون:-
وهم من الشعوب المجاورة للعراق الطامعة فيها، غزوا العراق اوائل سلالة بابل الاولى (سلالة حمورابي) ونهبوا بابل ودمرومها، لكنهم لم يستقروا فيها طويلا حيث تمكن الكيشيون من طردهم بعد ان اخذوا الاسلاب والغنائم منهم.
- الكيشيون:-
وهم من الاقوام الهمجية التي اضطرتها الظروف الى الهجرة من موطنهم الاصلي في الالف الثاني قبل الميلاد، الى منطقة الشرق الاردني، وقد اختلف في اصلهم وشائع انهم من الاقوام الجبلية شمال شرق نهر دجلة، وانهم من الاقوام الهندواروبية، وان اسمهم مشتق من اسم الههم القومي، وقد جائوا من شمال شرق العراق بأعداد قليلة، واسسوا سلالة حاكمة سميت (بابل الثانية) دام حكمها زهاء خمسة قرون.
- الميتانيون والحوثيون:-
وهم من الاقوام الهندواوربية، اصلهم من الاقوام الجبلية في شمال العراق . في النصف الثاني القرن الثاني الميلادي، وكان مركزهم (توزي وكركوك) واقاموا دولة في العراق سميت (ميتاني) بجوار الاشوريون، ثم تمكن الاشوريون من طردهم، وظهر بعضهم في بلاد الشام.
- الميديون:-
وهم من الاقوام الهندواوربية، التي وجدت شمال غرب ايران اواخر القرن السابع قبل الميلاد، وهاجموا بلاد اشور سنة615 ق.م واحتلوا مدينة (ارّابخا) كركوك الحالية وغيرها من بلاد اشور، ثم تمت المصاهرة بين الزعيم الكلداني وابنه الملك ميدي، وفي سنة 612 ق.م نجحوا في الهجوم على نينوى وفتحوها عنوة، ودمروها. ولم تذكر النصوص التي وصلتنا عن السلالة اور الثالثة 2160 -1950) ق.م) كلمة اكراد، انما وردت عبارة (بلاد كار- دا) في رقم سومري من الالف الثالث قبل الميلاد خلال العصر السومري القديم، والتي تعتبر اول اشارة الى كلمة نعرفها اسمها (اكراد) ولا علاقة لهم بالميديين.
- العرب:-
انتشر العرب من جزيرتهم وهم يحملون راية الاسلام، وفي اقطار كثيرة معمورة امتدت من حدود الصين شرقا، حتى المحيط الاطلسي والاندلس غربا، وكذلك شمالا صوب اسيا الصغيرة واواسط اسيا. وجنوبا حتى البحر العربي والمحيط الهندي واستوطن كثير منهم في هذه الديار الفسيحة، ثم اضطرتهم الظروف السياسية والقبيلية بعد ذلك فهاجرت قبائل وعشائر، وعوائل العربية كثيرة الى المنطقة الجبلية من العراق وما وراءها شمالا وشرقا، وخاصة في العصرين الاموي والعباسي، وكذلك العثماني، واستقروا واختلطوا مع الاكراد هناك واكتسبوا لغتهم وعادتهم وتقاليدهم وتصاهروا معهم بعد ان عمدوا الى اخفاء اصولهم خوفا من خصومهم السياسين اولئك الحكام، وقد ارتبط مصير هولاء العرب النازحين، وصاروا معهم ومنهم كما سنوضحه لاحقا.
ثالثا: البعد اللغوي (8):-
ان اهم دعائم بنيان الامة القومية هي اللغة، فلا امة موحدة بدون لغة موحدة ولا مستقبل لقومية في عالم اليوم بدون صرح ثقافي، وادب مدون، وتراث فكري متميز وان اللغة اشد ثباتا، واكثر دواما من الدين، لكن اللغة لم تكن المقياس الوحيد للدلالة عن اصل الاقوام وجنسياتهم، كما ذهب اليه كثير من الباحثين، رغم اهميتها بهذا الشأن خاصة فيما يتعلق بالسامية والآرية، فكثير من الاقوم تتكلم بغير لغتها الاصلية، بعد اندمجت مع البيئات الجديدية التي عاشت فيها معها، فلا يعتبر الامريكان الذين يتكلمون الانكليزية. انكليز مثلآ، ولا الافارقة والهنود واستراليا وامريكا الاتينية الذين يتكلمون الانكليزية والفرنسية والاسبانية، انكليز او فرنسيين او اسبان، ولا كل الذين يتكلمون اللغة العربية، ولا كل الذين يتكلمون اللغة الكردية، انما اللغة بعد اساسية فهم في هذا الاتجاه.
وتمتاز اللغة الكردية بتعدد لهجاتها وتلك ثغره لديهم، فهي تبدو كانها عدة لغات لا يربطها رابط ببعضها، وقد ادى اختلاطهم بشعوب الاقوام متعددة، عاشوا معهم وبجوارهم الى تسرب الكثير من كلمات تلك الاقوام والشعوب الى لغاتهم، ولذلك فهم يعملون جاهدين لإيجاد لغة واحدة خاصة بهم يتكلم بها جميع الاكراد.
واللغة الكردية كاللغة الفارسية كونهما من اللغات الآرية الغربية، لكنها تنحدر من الاصل يختلف عن الاصل الذي تنحدر منه اللغة الفارسية نظرا لوجود خواص كثيرة تؤكد اختلاف اللغتين، وذلك واضح في الوثائق الكردية المدونة بوقت ليس بعيد عن تدوين اللغة الفارسية، ومن هذه الفروع الاساسية بين اللغة الكردية واللغة الفارسية الاتي:-
- اختلاف اللفظ اللغوي بصورة عامة بينهما.
- فروق اساسية في هجائية الكلمات بين اللغتين.
- اختلاف القواعد الصرفية بين اللغتين.
- اختلاف بناء الكلمة بين اللغتين.
علما ان اللغة الكردية تحتوي على عدد كبير من اللهجات المختلفة التي تقع تحت مصطلح الكرمانجي وهي قسمان:- شمالية وجنوبية، وهي حسب تقسيم كتاب الشرفنامة تتكون من اربع فروع هي:
- الكرمانجي.
- اللور.
- كلهور.
- كوران.
وفي المنطقة الكرمانجية التي لا يعرف اصل هذه الكلمة فيميز بين مجموعتين لغويتين:
الشرقية التي يتحدث فيها اكراد منطقة مكري وكذلك في مثلث دجلة الزاب الصغير والعمادية وديالى، وهي لغة نقية جدا وغنية من الناحية الصرفية، والغربية التي تضم بقية الهجات الكرمانجية مع خصائصهم المحلية في مناطقهم التالية: ديار بكر، ماردين، بهنان، باذنان، هكاري، اورميا، اريفان، ارضروم، وكذلك التجمعات في اسيا الوسطى وخراسان، اما اكراد سورية فهم يتكلمون عدة لهجات مختلفة فيها كثير من الكلمات التركية الدخيلة.
اما الفولكلور الكردي الذي نشره المستشرقون، فهو يعطي فكرة ان الاكراد رواة قصص وان مواضيع هذه القصص بصورة عامة من الفولكلور الشائع في منطقة الشرق الاوسط والتي تتضمن الاساطير الخيالية عن المجانيين والمهووسون وغيرهم، وان اكثر القصص لذة وامتاع هي قصص الحب للأبطال الشعبيين وابطال الحروب وجنون العشاق وخيالهم.
صحافة كردية
اما الادب الكردي فقد ظهر فيما سجل عن حياة عدد من الشعراء الاكراد وتاريخهم ونتاجهم ومنهم: علي حريري، احمد جرَبلي، فقية تيران، ملاباتي، احمد خالي هكاري، اسماعيل بايزيدي، وغيرهم. كما كتبت معلومات في الدوريات والصحافة الكردية عن عدد اخر من الشعراء مثل اشاه برتو الهكاري، والحاج قادر الكوي، عبدالله بك مصباح المديواتي الملقب (ادب) والشيخ رضا الطالباني، طاهر بك الجاف، ومن الشعراء المعاصرين: علي كمال سليمانية، عبد القادر زهاوي البغدادي، احمد بكك فتاح صاحب قران سليمانية، مصطفى بك الجاف، احمد الجاف، وغيرهم.
وهناك عدد من الكتاب الذين الفوا باللغة الكردية منهم: علي الطرماحي الذي حول قواعد اللغة العربية باللغة الكردية سنة 1000هـ/ 1591م، وملا يوسف الذي كتب ثلاثة اعمال عن (التصريف، الظروف، التركيب) كما ظهر في هذه الفترة كتاب قوانين الصلاة الاسلامية باللغة الكردية. غير ان عدد من الاكراد عندما يريدون الكتابة فانهم يفضلون اللغة العربية او الفارسية او التركية على اللغة الكردية، ومن الاكراد الذين كتبوا باللغة العربية: عيسى الهكاري، تقي الدين الشهرزوري، عبد الله الكردي السنجاري، وهناك عدد كبير من الاعمال التاريخية كتبها الاكراد باللغة الفارسية، ومنها ديوان الشاعرة الكردية ماه شرف خانم المتوفاة سنة 1264هـ.
ومن الكتب التي كتبها اكراد اللغة التركية، الشاعر الكردي المشهور فضولي البغدادي، غير ان هناك من يقول انه ليس كردي انما هو تركي من عشائر البيات والكثير من البيات اتراك، غير ان خورشيد افندي يقول في كتابه سياحة نامة حدود، ان مجموعة البيات الساكنين في كفري وطوزخرماتو هم اتراك، وقد احتوى الادب التركي الحديث على كثير من الكتاب الذين اصلهم من الاكراد وكتبوا في الادب باللغة التركية، كما تضمنت منشورات المبشرين المسيحية جانبا خاصا في الادب الكردي، كما كتب الانجيل بعدة لهجات كرمانجية.
اما الصحافة الردية فقد صدرت اول صحيفة كردية باسم (كردستان) لأول مرة في القاهرة، ثم لندن، ثم في المانيا لصاحبها عبد الرحمن بك بن بدر خان بك البوتاني، ولما قامت حركة تركيا الفتاة شكل الطلاب الاكراد جمعية سمست (هيوا) بمعنى الامل، وقد اصدرت هذه الجمعية دورية شهرية باسم (يوم الاكراد) وقد تصدر العنوان الاول والثاني صورتان للبطل صلاح الدين الايوبي وكريم خان الزند، وقد صدر هذان العددان في اسطنبول في 6/ حزيران و6/تموز من سنة 1914م، وكان رئيس تحريرها عبد الكريم السليمان، ثم تغير اسم الدورية الى اسم (شمس كردستان) ، اما مجلة كردستان فقد اصدرها المبشرون البروتستانت في اورميا في مدينة مكري في نيسان من سنة 1914م.
وقد تجدد نشاط الاكراد بعد الحرب العالمية الاولى، وتميز هذا النشاط بإصدار عدد من المجلات في كل من القسطنطينة والقاهرة وكردستان، وكان اكثر هذه المجلات سبقا جريدة الحياة التي صدرت سنة 1919م باللغة التركية في القسطنطينة، وكان مكرسة للفكرة القائلة (كردستان للكرد) وغيرها من المجلات الكثيرة.
اما ابن منظور (9) فقد ذكر ان كلمة (كَرد) بفتح الكاف، تعني الطرد والمطاردة كَردهم يكردهم اي ساقهم وطردهم ودفعهم، وفي حديث الخليفة عثمان بن عفان (رضي)، انه لما ارادوا الدخول عليه لقتله، جعل المغيرة بن الاخنس، يحمل عليهم ويكردهم بسيفه. اي يكفهم ويطردهم، والكَرد تعني ايضآ، العنق، او مجتمع الرأس على العنق، وفي حديث معاذ، انه قدم على ابي موسى باليمن وعنده رجل كان يهودي فاسلم، ثم تهود، فقال : والله لا اقعد حتى تضربوا كَرده، اي عنقه، وانشد ابو الهيثم في ذلك البيت التالي:-
يارب بدل قربه ببعده واضرب بحد السيف عظم كَرده
والكُرد (بضم الكاف) جيل من الناس معلوم، والجمع اكراد، وفيهم انشد الشاعر ابن الاعربي هذا البيت:-
لعمرك ماكرد من ابناء فارس
ولكنه كرد بن عمرو بن عامر
رابعآ: لبعد الجمعي:-
يقول الامير شمس الدين البدليسي الروزكي في كتابه (10):ان جمشيد الذي اعتلى عرش السلطة في ايران (الضحاك) وهو لقب الطاغية (بيوراسب) قد اعمل السيف بأبناء المنطقة، فهرب من جراء ذلك عدد من الشبان، واتخذوا قلل الجبال الحصينة البعيد عن العمران ملجأَ لهم ومكمن. واجتمع منهم خلق كثير ذووا لغات شتى جاؤا من مختلف الاماكن واجتمعوا في محل واحد، فتزوجوا وتناسلوا وازداد اولادهم واحفادهم واتباعهم شيئا فشيئا، فدعي الجمع اخيرآ (اكراد)، ويضيف معرب الشرفنامة ويقول: ان الاكراد من الشعوب الآرية، وهم من سكان الولايات الشرقية في غرب ايران، وشمال العراق وفي بلاد اخرى مجاورة خاضعة للدولة العثمانية، وان السلالة الكردية باتفاق معظم علماء الاجناس، انها تنتمي الى مجموعة الهندواوربية، وانهم جاؤا الى هذه المنطقة من اواسط اسيا بحدود سنة 2000 ق.م.
خامسا: البعد الديني (11):-
يعتقد الاكراد ان اسلافهم كانوا يدينون بالديانة الزرادشتية، وان كلمة بهدينان (العمادية) قد اشتقت من كلمة (مزدي) اي المتطرف، وتشير المصادر المسيحية ان الاكراد غيروا ديانتهم المسيحية وخاصة منطقة شاه كَرن التي تقع بين دهوك واربيل بعد ان كانوا يعبدون الاشجار ويقدسون الاصنام المصنوعة من النحاس، وقد بنى يشوع دير الثمانين في جزيرة ابن عمر، وهي المنطقة التي كان الاكراد يقدمون القرابين الى الشياطين، كما ان الاكراد الذين غيروا دينهم الى المسيحية كانوا من عبدة الشمس كما تقول بعض المصادر ومنها المسعودي، انه يوجد ضمن الاكراد يعاقبة، ودرخانيين ومسيحيين يعيشون قرب الموصل وجبل الجودي، بينما يرى الدكتور جمال رشيد الاستاذ بكلية الآداب بجامعة الموصل ان الاكراد خلفاء الآرارتيين نسبة الى جبال آرارات.
سادسآ: البعد القبلي والعشائري (12):-
المعروف ان الفرد الكردي، ينشأ في رحاب القبيلة ويكتسب قيمها وتقاليدها وعاداتها، ويبقى منتميآ اليها ومتفقآ معها في اهدافها وقواعدها واساليب التفكير والحياة فيها، وان ظاهرة التنازع التي يعبر عنها بأسلوب دموي في الغالب لا زالت تجري بين القبيلة الواحدة، وبينها وببين القبائل الاخرى، وان هذا التنازع وما يخلق من نفور، هو رأس الاسباب التي ابعدت الوحدة والالفة بين القبائل والعشائر الكردية، حتى صارت اللغة الواحدة والدين الواحد والمصلحة المشتركة، عاجزة في كثير من الاحيان عن توحيد هذه الامة القوية.
ان اربطة القبيلة الكردية، هي الارض اكثر من رابطة الم، فالقبيلة البارزانية مثلآ سميت بهذا الاسم، نسبة الى قربة بارزان مقر القبيلة، ولذلك فان اسم القبيلة والعشيرة الكردية، في الغالب يشتق من اسم الارض التي تسكن عليها.
اختلاف النسب
والقبيلة الكردية تتكون من مجموعة اسر تختلف بالنسب، وتسكن منطقة معينة وتأخذ بالنمو العددي على مر الزمن، فيزداد عدد افرادها، وتتسع اراضيها ويتم التزاوج والمصاهرة بينهم، وسرعان ما يتلاشى مفهوم الاسرة والاصل، ويحل محلها مفهوم العشيرة والقبيلة، ومن هنا يظهر ان القبيلة الكردية هي اشبه بتجمع صغير ينصهر فيه الفرد ولا يعود يعرف غير هذا التجمع، وان سألت احد افراده، فانه لا يعرف الا قريته او اكابر عشيرته وقبيلته.
وقد انتشرت فرق من هذه الامة في ارجاء المعمورة، وهم معروفون بالشجاعة والكرم والغيرة والنخزة والاباء والانفة، وهي جميعها مسلمة على المذهب الشافعي ومنهم طوائف على اليزيدية من اتباع الشيخ عدي بن مسافر، ومسكنهم سنجار وجزيرة ابن عمر وهكاري جنوب كردستان، وقد جبل الاكراد على التنافر والشقاق، لما جبلوا عليه من الحرية والانفة والاستقلال، وانهم لم يتجمعوا على امر واحد غير كلمة التوحيد، ولذلك لم يتيسر لهم اقامة دولة كبيرة حتى الان، الا اذا استثنيا بعض الاسر التي ادعت السلطنة على بعض المناطق ولفترات محدودة (13).
اما عشائر الاكراد في العراق فهي كثيرة ومنها(14):-
- عشائر السورجبة، والخوشناو، والبالكية، والزيبارية، والبلباس، وكوزن، ومنهم علماء اعلام.
- عشيرة المزوري,. ومنهم شيخ مشايخ العراق الشيخ يحية العماري العمري النسب.
- عشيرة الصهران، وهم في الاصل امراء الاكراد، وهم من قبيلة طيء العربية نسبآ ومنهم حكام كويسنجق اولاد عثمان باشا، والاكراد يعترفون بذلك، وقد انقرض هؤلاء الحكام وبقي منهم بعض الضعفاء.
- عشيرة دزده ئي ، لهم مخالطة تامة مع طيء العرب، وهم يتكلمون اللغة العربية بطلاقة لا يفرق السامع منهم لسانآ ولا هيئة عن العرب، وبعضهم يقول انه من طيء، ومنهم الدكتور الفقيه محسن عبد الحميد.
- عشيرة الجاف، منهم الولي العابد مولانا ضياء الدين خالد النقشبندي العثماني.
- عشيرة البارزاني، وعشيرة الطالباني.
- عشائر الهركي، والشوان، وزندة، وزكمة، وغيرها كثيرة.
سابعا: البعد العربي، رواية العرب في اصل الاكراد (15):-
يقول المسعودي في كتاب مروج الذهب: واما اجناس الاكراد وانواعهم، فقد تنازع الناس في بدئهم، فمنهم من رأى انهم من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا الى الجبال والأودية، دعتهم الى ذلك الانفة، وجاوروا من هنالك من الامم الساكنة المدن والعمائر من الاعاجم والفرس، او أنهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة من هوازن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين الغساسنة، ومنهم من رأى انهم من ربيعة بن مضر بن عدنان، وقد اعتصموا في الجبال طلبآ للمياه والمرعى، فمالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم. وعلى هذا يكون الاكراد او قسم منهم من اشراف العرب، وتبدل لسانهم لقرب منازلهم من العجم وان ماذكره البعض من انهم ليسوا من العرب، فهو من قبيل التعصب، والله اعلم.
اما ابن عبد البر، فقد ذكر: ان الاكراد من نسل عمرو بن مزيقيا القحطاني وانهم نزلوا ارض العجم، فتناسلوا وكثر عددهم فسموا (الكرد بالضم)، وهم جيل من الناس ومزيقيا هو لقب لعمرو احد ملوك اليمن ومن ولده الأزد والاوس والخزرج، وذكر ابن خلكان:
ان صلاح الدين ابو المظفر يوسف بن ايوب، من مضر من قيس عيلان، ورفع نسبه الى عدنان حتى انتهى الى ادم عليه السلام، وذكر احد اجداده (علي بن احمد) ممدوح المتنبي، وهو المعروف بالخراساني، وهو الذي قال فيه المتنبي من قصيدة في الخفيف هذه البيت:-
شرف الجو في الغبار اذا سار
علي بن احمد الغمام
وذكر من اجداده حارثه بن عوف بن ابي حارثة صاحب (الحمالة) اي الذي حمل الدماء بين عبس وذبيان، وشاركه في هذه الحمالة خارجة بن سنان، وقد مدحهما زهير بن ابي سلمى بقصيدة من الطويل. وان ما ذكره ابن خلكان يؤيد قول ابن عبد البر في ان قسمآ كبيرآ من الاكراد هم اصلآ من العرب وبالأخص اكراد الشام، ولذلك قال الشاعر مؤيدآ:-
لعمرك ما الاكراد من ابناء فارس
ولكنه كرد بن عمرو بن عامر
ثامنآ: البعد القومي:-
الناس كل الناس الموجودين على وجه الارض اليوم وقبل اليوم وبعده هم جميعا من ادم وحواء، ولا فضل لاحد على اخر، الا بما هيأت له الظروف هذه الافضلية، ويرتبط هؤلاء الناس ببعضهم بعوامل متعددة تميزهم عن بعضهم، او تفرقهم عن بعضهم ، ومن هذه العوامل: الوطن والدين، والسياسة والجغرافية، والقومية والتاريخ المشترك والآمال والآلام التي تمسهم جميعا، وبذلك تكونت وتتكون المجاميع البشرية، ولا يجوز لأي قوم او قومية او مجموعة بشرية مهما كانت متقدمة او متأخرة، ان تفخر بافضليتها على غيرها على الاطلاق، وان هذه الاقوام والقوميات او المجموعات والكيانات البشرية,ايا كانت فهي خليط، ولا يمكن لأي منها ان يدعي النقاء، وان الحضارات القديمة ومنها الحضارة العراقية، انما هي نتاج جميع هذه الاقوام والمجاميع التي عاشت على ارضه المباركة على مر العصور.
وقد افادنا احد مؤرخي الاكراد(16) في مقالة منشورة على الانترنت، ان الكرد من الاقوام الهندواوربية من اجناس الفرس الايرانيين، وانهم من سكان منطقة بوخان الحالية المسماة (كاردو قوي)، وان الاراميين سموا هذه الاقوام (كرد) نسبة الى جبل الجودي الذي كان يطلق عليه بالسريانية (طوروقرود) اي جبل القرود، لوعرته وصعوبة العيش فيه وعندما انحدرت تلك المجموعات من المناطق الوعرة سماهم الاراميون (قرادية) نسبة الى جبل الجودي، ثم سماهم العرب (اكراد).
وان الاكراد مجموعة من العروق المختلفة، ولا ينحدرون من اصل واحد، لكن اغلب المؤرخين يقولون ان الاكراد من الميديين اضافة الى الاشوريين الذين اندمجوا معهم خلال الحكم العثماني، وان تسميتهم تعود الى كلمة (كوتو) نسبة الى شعب كوتو وغيرها من اراء.
ومهما يكن الامر، فان الاكراد الحاليين، كانوا يعيشون في العصور القديمة في المنطقة التي دعيت (بلاد ميديا)، اما بخصوص السلالة الكردية، فيكاد يتفق معظم علماء الاجناس على انها تنتمي الى المجموعة الآرية، وانهم جاؤا الى هذه المنطقة من اواسط اسيا بحدود سنة 2000 ق.م (17).
ان الاكراد اليوم من عدة جذور، جميعهم الظروف الطبيعية والبشرية والسياسية، واندمجت فيما بينها عبر قرون، وان التاريخ والحياة الاجتماعية جعلا من هذا الشعب سلالة او قومية متميزة بوضوح. فتكونت هذه الامة وهذا الشعب الذي يعرف (كرد واكراد)، شأنهم في ذلك شـأن الشعوب والامــــم الاخرى، التي لا يمكن الزم بنقاء اصلها ووحــدة دمها، بما في ذلك الامة العربية التي انضمت اليها ودخلت فيها اعداد كثيرة من اصول غير عربية، وان الاكراد اريـــين وليس ساميين ولا كورانيـــــين ولا ايرانيين، وانهم يتكلمــــــون اللهجات الهندواوربية المشابهة للهجــــــــــة الفارسية الحديثة(18).
وان هذا الخليط اصبح يشعر بالأمان وسلامة العيش تحت مظلة اسمها (الكرد) خاصة وقد صارت لهم قضية مشتركة تسمى (القضية الكردية) من جهة، وتخضع من جهة اخرى لمؤثرات خارجية اقليمية ودولية كثيرة لها مصالح بالمنطقة وبالقضية، الامر الذي اوجد وبقوة تنامي الشعور القومي لدى هؤلاء الاكراد وتطلعهم على اقامة الدولة التي ينشدونها، ولكن هذا لا يعني ان على كل قومية او امة ان تتمحور على نفسهما لتقيم لها دولة خاصة، وقد تكن عنصرية، فالأصل ان يشعر المواطن في البلد الذي يعيش فيه بالمساواة مع الاخرين في الحقوق والواجبات ويتحمل مسؤليته فيها مع الاخرين.
واذا لم تكن للاكراد دولة في التاريخ حتى الان، في المنطقة الجغرافية الخاصة بهم، فان ذلك لم يكن اساءة لهم او نقصآ، طالما انهم يملكون طموحات واهداف قومية وخصائص اصيلة من الشجاعة، وما يحثهم للوصول الى المجد الذي يريدونه، رغم الظروف التي تحيط بهم، خاصة وانهم سبق وان اقاموا العديد من الامارات المستقلة وشبه المستقلة، شكلت جزءآ من تأريخ المنطقة خلال العصور العباسية المتأخرة وفترة السيطرة العثمانية على المنطقة_(19).
























