مأدبة نص ما بعد الحداثة: الجنوح نحو طلاسم الفكرة
فوزي الطائي
هل يحتاج الإنسان إلى مرآة ليدرك حقيقة ما آلت إليه حياته ؟, وما أنطفأ من سنوات عمره؟,حتى يجهش بضحكةٍ مُرّة, يُغالب بها مكر دهره, و لا يسمح للشامتين أن يستبقوا معه في المضمار نفسه الذي يعدو فيه, فيكون التزاحم في الطريق (خيبة), بعد إن تزل به القدم, أو يُقد له القميص, أو تُكسر له اليد, نحن من زمن بعيد تخلت عنا الضحكة الحنون, وأنواع السعادات غادرتنا إلى منافي الموت, ولم يُبقِ لنا الزمن سوى هذه الضحكة الخائبة التي نطلقها في مرآتنا المتصدعة, بما يُشبه مواء قطةٍ عجوز .
من يُجيب على تساؤل الشاعر جبار الكواز: مَن الضاحك في المرآة ؟ لقد تركنا نُنقّب في كلماته لعلنا نجد الجواب. ولكن بعد أن ننهي قراءتنا للنص لا نستطيع أن نجيب بشيء, ليبقى السؤال قائماً: مَن الضاحك في المرآة ؟ وهكذا سنستبعد أولاً هناك علاقة بين ضحكاتنا والمرايا التي نُصبت على جدران نفوسنا, وبوابات مقابرنا, وفي الطرقات.
من الضاحك في المرآة ؟ سؤال مهم يطلقه الشاعر العراقي الكبير جبار الكواز, في أيام المحنة التي نعيش, في ديوانه الصادر حديثاً عن المركز الثقافي بابل – دمشق ــ القاهرة بإدارة الشاعر الدؤوب ولاء الصواف الذي أخذ على عاتقه مهمة تسهيل إصدار نتاجات مبدعينا في شتى المجالات, بعد أن تلاشى دور دار الشؤون الثقافية( العامة! ) غير ( الهامة ), فهي تتفرج على معاناة مثقفي وأدباء العراق, متجردةً حتى من الكلمة الطيبة في استقبالهم .
ويأتينا الصدى … من الضاحك في المرآة ؟ في القصائد الاثنتي عشرة التي ضمها ديوان الكواز الجديد (من الضاحك في المرآة ؟) والتي ستكون هذه الدراسة مكرسة للقصيدة التي حملت عنوان الديوان. إن الضحك بقدر ما يفتح آفاقاً جديدة من الود, مع النفس افتراضا يخفي وراءه حزنا وتعاسة, قال تعالى: ( فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون ) وهناك كثيرٌ من الناس جُبلوا على عادة اجتماعية متوارثة مفادها: إن الضحكات حبائل الأحزان القابلة! فيتعوذون بالله, ويتوجهون بالدعاء أن تكون ضحكة خير وبركة, لا تلحقها حسرة, وخير للإنسان أن يسُر من أن يضحك.. وهذا الأمر لا نجده متجسداً تماما في قصائد هذه المجموعة التي تبنت النص المفتوح ما بعد الحداثة.
هذه النصوص منحت لكاتبها حرية الكلام وهي تستند على المفارقة التي يصنعها الانزياح في الاستعارة, وبشكل يخضع إلى ضوابط الذائقة لدى الشاعر, ( كان المطر نائماً في العشب يترقب شمس ذكورته ليذوب عن ميسمه برق الطفولة وبستان ( المؤمن ) تتحين في آبارها غروب ملائكة وشياطين, فماؤها عذب وزرائبها تتكىء على جدوع النخيل..), تسلل الأغتراب النفسي إلى مواطن هذه الكلمات في النص, وبدأت المساومة, بين المطر والعشب, من جهة والبستان وآبارها من جهة أخرى, صراع تكتنفه المخاوف من المجهول القادم, ستكون نتيجة الصراع محسومة لصالح البستان فيكفَّ المطر, ويموت العشب, والآبار تقوم ببيع الماء العذب بالقطرات لمن أراد أن يشرب أو أراد سُقيا.
لقد بدأت ( سيرة الهواء ) في النص بسوق الغيوم, حتى تحتدم في صراع مع عناصر في الأرض متأهبة لزرع فتنة: ( لم يجد في نفسه حُلُماً ينقادُ إليه صاعداً رويداً حتى يغمرك ليؤكد لصوصيته الكبرى في اقتراف معصية البرد في مقبرة الأعشاب, الماء أجنة موت وحسرات الجوع تحفزنا لقفزة نائمة في الأحراش ) وبنى الشاعر نصه على مفردة تعد رمزاً للحزن والبكاء والتطهر, إلا وهي ( عاشوراء ) التي تستدعي طقوساً في كل عام لرفع الرايات السود وإقامة مجالس العزاء.. وقراءة المآتم, وتوزيع الطعام, والإيواء, وتعطيل المباهج الحياتية من غناء وأعراس وأفراح.. والجديد الذي وجدته عند الشاعرهو يريد أن يقول لنا إن حياتنا أصبحت كلها ( عاشوراء ) وليس يوماً واحداً من كل عام . صرخة بوجه الحزن كي يفك قيوده عنا :
( النار نار عاشوراء تعاند حالبيها وسدرة تخلق ثأرها خوفاً وحذراً لتقول لطرائد البكاء: تلك نار الميّتين الراسيين في جهنم.. وحيث رأس الحسين معلق على رماح العطش والهواء عاشوراء تحتضن سدرة)… ومخالفة المألوف في النص ثيمة تؤشر ما يجري على الطريق التي سلكها جلجامش وأنكيدو طمعاً في يوم جديد لا يلغي شيئاً من الرغبات, ولا يحفل بإلغاء هوية الإنسان مهما طال الزمن, وليس عنده رغبة في قبض مزيد من الأرواح التي تأهبت لدخول بوابة الموت, والمشاكسة في معاني الألفاظ تقودنا إلى توخي الحذر, وإن الماء مثلما يطفئ النيران, قد يغرق الأجساد. ( الماء راية لا تسترها الطير ولا تنشدها الغيوم ولا تفعل بها صيحة ( لا حكم إلا لله ) الماء غبار راعف في إسطبل الوقت وقطار نازف ) ويمضي الشاعر ينسج ألفاظه على محمل رباعية: الهواء..الماء..التراب..النار, بدا من خلالها كأنه يلقي خطبة سريعة في محفل عام, والتوجه في حد ذاته ليس مقصوداً, مهمة الشاعر كانت التبليغ ليس إلّا, أما ما يحدث بعد ذلك فليس معنياً به, كما أن الشاعر وعلى وفق رؤى نصه هذا لا يريد أن ينتظر استقدام الأسئلة من مؤيد لفكرته ومن مناوئ لها، يطرح النص الذي بين يديه من دون اكتراث كونه مولوداً كامل الخلقة؟ أم خديجاً؟ , يمشي سوياً على قدمين, أم يستند على عكاز؟ , مشرقاً ساطعاً, أم متوارياً خلف الهموم؟ , إن هذا في عُرف الشاعر لا يشكل عقبة, مادامت الفكرة راهبة لا ترجو نكاحاً, ومادامت ملامح الحزن تكتسح الوجوه, ومادام الشاعر قاد جوارحه كلها من اليد والأسنان والقلب ، ليقف بشجاعةٍ أمام تهافت النفوس في زمن يُقبّل رؤوس العاهرات: ( فلقد صرنا سحابة تبكي بين أصابعنا, مجنونة تغسل جروحنا لتقول لنا (هيت لكم) ولأن الزمن الحديث بسرعته وابتكاراته لم يترك للإنسان فرصة يلتقط فيها أنفاسه, ويعيد توازنه تجاه ما يرى ويسمع, أراد الشاعر أن تكون كلماته عَجلى تمر أمام السامع والقارئ طيفاً من حلم, أو نبرة تترك وشمها على معصم الذكرى:
(مدينة آباء نائمين وأمهات ناحبات ورايات سود وحروف نقشت مساميرها في غيمة سرداب البيت ومنارات وتكايا ومراقد مقدسة تؤوي إلى نشور) صور فنية تعكس جانباً حياتياً من الماضي القريب فالحي الذي نشأ فيه الشاعر (المهدية) يتردد ذكره في النص بكثرة, أصبحت المهدية مثابة تنطلق منها المباهج, وتعود إليها الطيور بالأحزان, وترفرف على شرفات بيوتهاملامح الحزن: ( لم يكن التراب الذي أوقد في بيوت (المهدية) إلا ماءً آخر حين صارت حلتهم يواقيت دم وحضائرهم مسارب خوف ونساؤهم أشلاءا). وفي مقطع (سيرة التراب) يختلط الموروث الشعبي مع الأمكنة القديمة في الحلة مدينة الشاعر, يأخذه الحنين إلى تلك السنين وقد تأججت بمجد الطفولة الحالمة: ( التراب ينفض صراخ راية(دار الغيبة) أيام النوروز ويرقص عند أواني الياس وأعواد البخور حين تغني الحسناوات..) ويصنع الشاعر بعد ذلك من تراكيبه اللفظية خطرات فلسفية: (الخشب حسد يقتله الحطابون وتنزفه الغابات) و (الرايات تعرف موت الريح فهي عاشقة له). علماً إننا نجد في نصوص الشاعر بعضاً من التراكم اللفظي المغلق الذي لا يفضي إلى نتيجة, ولا يستدعي حضوراً فكرياً أو جمالياً فهو عقيم, ولا طائل من تحته: ( الضفادع والأفاعي والعقارب والنمل والنحل والذباب والجراد والبعوض والبرغش واليرقات والعذراوات..أسراب لأخلاط تصنع كل حي ولا حياة إلا به وهو يشير إلى خطواتك التي قتلتها المفاجأة ) , في نص (سيرة النار) ضمن هذه القصيدة يقول الشاعر: (هكذا بلا موعد كانت عيوني ترى ومضة أغفلها الأحياء ففرقها الأموات, لم يكن مشعل (عاشوراء) سوى رأس ينحدر منه الدم مؤذناً لطفٍ جديد), هنا تُوقد اللوعة, وينتشر اللهيب, وتحترق أصابع الشاعر وهو يريد أن يكف سعير النار عن ما تبقى من أحلام لم تحترق بعد, هل هو الشاهد الوحيد في هذه النكبة ؟ لم يحفل بدور آخر لأي إنسان كان, مملكة بدون شعب, هجرتها الملائكة والشياطين معاً!, هو يجوب مدينته (الحلة) كلها ولا يرى سوى أنقاض ذكريات تكدست في وجنات الطفولة في: مشهد الشمس, المهدية, دار الغيبة, مقبرة اليهود, سجن الحلة…فقد جاء تغليب المكان في النص لأن في واجهته مازالت الخطايا تتناسل من حقبٍ طويلة, شبِعت موتاً تحت الركام: (الريح تستقي جروح طفولتنا طمعاً حين تغادرها خيول الدخان) ومن خلال نظرة أولية إلى هيكلية النص نرى بوضوح انه قام على التناص القرآني, ينظر هذه المفردات: جهنم, الجحيم, الحميم, السعير, الزقوم, الموقوذة, الزفير, اللهيب, القطران, الحطب, القيامة, الرعد, الحطمة, الجبال, الطوفان…فهي مفردات قرآنية لها مدلولات نصية ومعنوية, ثم أدخل الشاعر لغة التناص في ثنايا السرد محققاً فيها صوراً حسية خدمت الفكرة وعززت قناعة القارئ بها: (لا تعرف للكلام مستجراً وللأشجار حواراً إلا من مقلاع أو مصيدة أو حفرة أو جرفٍ هارٍ..) , وهكذا عندما يكون الكاتب منحازاً في رؤيتهِ المعرفية, يجعل من قارئه في جمهرة المتفرجين في ملعب أنماط الكتابة الأدبية جميعاً. ولأن المسالك المفتوحة أمامه كثيرة ومتنوعة لإيصال إشعاعات نصه بذكاء للقارىء, إذاً لاحاجة لأن يبدو متعباً في خطواته, كاداً ذهنه في أخيلةٍ مبتكرة, وفي نصٍ فيه دعوة للتغيير, رغم ما تنخرط فيه من أحزان, وتتسول فيه من خيبات, ولم تكن سيرة (الهواء والماء والتراب والنار) إلا سيرة الشاعر نفسه بكل ما تحمل من إرادة نحو السعي الحثيث لبناء وطن تبدو فيه الحياة أكثر إشراقاً.لقد كان الشاعر الصديق جبار الكواز يحمل فكرة صائبة ودقيقة عن الحياة, وهذا ما يشفع لنصه أن يكون أكثر قبولاً, لأن – وكما يقول ليو تولستوي – (الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة ستكون لديه دوماً فكرة خاطئة عن الموت).
























