سحر الكلمة الأولى 2-2
للعلاقات حياة داخل البيئة الإجتماعية
فوزي هادي الهنداوي
عريف السيمياء
يعرف أحد مؤسسي علم السيمياء العالم السويسري الفرنسي الأصل دي سوسير De Saussure هذا العلم بأنه: (( علم عام لجميع النظم ذات العلامات او الرموز التي يفضلها الناس للتواصل بينهم )) (38)، وهذا الأمر جعل السيمياء علماً اجتماعياً ، كما استلزم أيضاً أن تكون العلامات مبنية وفق نموذج اللغة.
أما المفكر الآخر شريك سوسير في تأسيس علم السيمياء العالم الأمريكي تشارلز بيرس Charles Pierce الذي يوصف بأنه مؤسس التقاليد الأنكلو- سكسونية في هذا المجال فيعد السيمياء المذهب شبه الضروري أو الشكلي للسيميائية. (39)وهنا نلاحظ كيف أن سوسير قد أكد الصفة الإنسانية والاجتماعية للسيمياء في حين يبرز بيرس الصفة المنطقية والشكلية لها، حيث يرى سوسير أن السيمياء هي دراسة حياة العلامات (الإشارات) داخل الجماعة الاجتماعية أو المجتمع.وبرغم ان الفيلسوف الإنكليزي جون لوك John Locke استخدم مصطلح السيميائية بهذا المعنى في القرن السابع عشر، إلا أن فكرة السيميائية كأسلوب متعدد المعارف (أي متعلق بحقول معرفية عدة) يتناول الظواهر في مجالات متعددة ، تجلت فقط في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من خلال أعمال سوسير وبيرس كل على حدة.ومن بين أهم المفكرين من ذوي التأثير بهذا الحقل كلود ألفي شتراوس وميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وجوليا كريستفيا وأمبير ايكو. (40)
التطور التاريخي للسيميائية
تعود بدايات علم السيمياء إلى الحضارة الإغريقية القديمة ، إذ يمكن العثور على إشارات داخل الموروث الفكري الذي خلّفه اليونان منذ القدم ، تلك الإشارات يلتقي بعضها مع الكثير من الأفكار التي قالت بها السيمياء الحديثة.
وأهم ما يمكن إيراده في هذا المجال الجهود التي قام بها الرّواقيون الذين عُدّوا السباقين في اعتبار العلامة تحتوي دالاً ومدلولاً ، كما يذهب الى ذلك أمبرتو إيكو. (41)
أما المرحلة الثانية في تاريخ السيميائيات القديمة فهي المحاولة التي قام بها القديس أوغسطين حول تشكيل نظرية تأويلية يتم تطبيقها على النصوص المقدسة ، ثم يختفي مصطلح السيميائية مدة طويلة ولا يظهر إلا في دراسة الفيلسوف الإنكليزي جون لوك 1704-1632بدلالة مشابهة لتلك التي قدمتها الفلسفة اليونانية الإفلاطونية. (42) أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العصور الوسطى التي لم يعثر فيها على الشيء الكثير، ثم تجيء المرحلة الرابعة التي بدأت تشكل فيها نظرية العلامات والإشارات خلال القرن التاسع عشر.كان سوسير وما زال احد أبرز أعلام البحث اللغوي واللساني في تاريخ البشرية كونه صاحب أهم ثورة لغوية شهدها العصر الحديث ، ثورة انطلقت بعدها دراسات لغوية لسانية جادة.
ومن أهم المقولات التي جاء بها سوسير في اللغة هو اعتبارها نظاماً من الإشارات يعبر بها بني البشر عما يدور في أذهانهم من أفكار وأحاسيس ومشاعر، مثلها في ذلك مثل باقي الأشكال الإشارية الأخرى.
وهكذا جعل سوسير اللغة (( نظاماً من العلامات ، تعبر عن الأفكار، مثلها مثل أنظمة أخرى تشبهها كأبجدية الصم ، والإشارات العسكرية وغيرها ، ولكن اللغة هي أهم هذه الأنظمة العلاماتية(43) )) ويمكن وصفها نسقاً من العلامات.
لقد رفض سوسير الفكرة التي ترى أن اللغة هي كومة من الكلمات المتراكمة تدريجياً عبر الزمن ، تؤدي وظيفة الإشارة إلى الأشياء في العلم ، فالعلامة عنده مركبة من طرفين متصلين يمثلان (( كياناً ثنائي المبنى ، يتكون من وجهين يشبهان وجهي العملة النقدية ، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر )) (44).فالطرف الأول هو إشارة مكتوبة أو منطوقة ، وهي الدال Signifiant أي الصورة الصوتية للمسمى ، والطرف الثاني هو المدلول Signifie أو المفهوم الذي نعقله من الإشارة لها.
وبحسب سوسير فإن : العلامة =
هكذا نحصل على تحديد مفهوم العلامة « Signe » بأنها ذلك الكل المركب من الدال والمدلول ويمكن توضيح ذلك بيانياً :
العلامة ((Signe
إشارة مكتوبة أو منطوقة (مسموعة – مرئية) : Image
مفهوم التصور الذهني : Concept
العلامة ((Signe
إشارة مكتوبة أو منطوقة (مسموعة – مرئية) : Image
مفهوم التصور الذهني : Concept
ومن ثم فإن العلامة أو الدليل عند سوسير « وحدة نفسية ذات وجهين مرتبطين ارتباطاً وثيقاً ويتطلب أحدهما الآخر » (45) وعند عملية الجمع بين – الدال والمدلول – يتكون المعنى اللغوي ، هذا وإن « العلامة لدى سوسير، قائمة على الدال والمدلول ، مع إقصاء المرجع والعلاقة الموجودة بينهما اعتباطية » (46) وهذا نجده بشكل واضح في بعض العلامات المحاكية للطبيعة (Conomtopees) « كمواء القط ، وخرير الماء»(47) وتعد فكرة إهمال المرجع أو المشار إليه فكرة يكتنفها الغموض في علاقة الدال بالمدلول ، إلى ان جاء (أوجدان وريتشاردز)(48) ، وأكدا على أن فكرة المشار إليه في كتابهما (معنى المعنى) ، فالرمز يقابل الدال عند دي سوسير، والفكرة تقابل المدلول ، أما المشار إليه فلا وجود له عند سوسير، وعليه تتنوع العلامات تبعاً لتنوع المعارف الإنسانية ، من ألفاظ وإشارات ، ورموز، وآثار وإيماءات جعلت العلامة تنقسم إلى علامة لسانية ، وأخرى غير لسانية ، مما دفع بالنقاد إلى خوض غمار هذا العلم ، ومن خلال البحث في أغواره ، فإننا سنكون على أبواب مؤسس آخر للسيمياء ، اختار لها اسم السيميوطيقا.
سيميوطيقا بيرس
إذا كان بعض الدارسين يذهب الى أن دي سوسير أول من بشّر بعلم السيمياء الحديث حين قال أنه من الممكن أن نتصور علماً يدرس حياة الدلائل في صلب الحياة الاجتماعية فإن الكثير منهم يرى أن المنشئ الأول والأب الشرعي لهذا العلم هو المنطقي الأمريكي شارل ساندرس بيرس (49) ، وإن كان سوسير ينطلق في تصوره لعلم السيمياء من خلفية لسانية لغوية ، فإن تصور بيرس لهذا العلم يقوم – أساساً – على المنطق والذي يراه مرادفاً للسيمياء ، ومنطق بيرس هو منطق العلاقات ، ولا يسمح المنطق الشكلي كما تصوره هذا العالم إلا بدراسة البنيات المحمولة من نوع ” الموضوع محمول ” ويحتوي هذا الشكل في جوهره على موضوع يكمن دوره في تعيين الشيء أو الأشياء المتحدث عنها ، ويحتوي على محمول يعبر عن خاصية الشيء أو الأشياء ، ويحتوي هذا الفعل على الذي ليس له دور سوى ربط الموضوع بالمحمول ، وهو يعد كرابطة Copule .
ومن هنا يصبح البحث في مجال السيميولوجيا بحثاً هاماً يحتاج إليه كل مناحي المعرفة. يقول بيرس: « ليس باستطاعتي أن أدرس كل شيء في هذا الكون كالرياضيات والأخلاق والميتافيزياء والجاذبية الأرضية والديناميكية الحرارية والبصريات والكيمياء وعلم التشريح المقارن وعلم النفس وعلم الأصوات وعلم الاقتصاد وتاريخ العلم والكلام والسكوت والرجال والنساء وعلم القياس والموازين إلا على أساس انه نظام سيميولوجي »(50) ومنه اتصف الدرس السيميائي عند بيرس بالشمول والتنوع لتنوع المعارف والمواضيع المدروسة.ومن أهم ما جاء به بيرس في نظريته السيميائية هو تلك التقسيمات النظرية حول المنظومة الدلالية ، ومنها ما عمد إليه حسب تصوره الخاص إلى تقسيم العلامة أو الدليل إلى ثلاثة أقسام ، يعرض إليه الباحثون على النحو الآتي:-
- الممثل: الدليل باعتباره دليلاً.
- الموضوع : وهو ما يعنيه الدليل أو هو المعنى.
- المؤوّل : وهو ما يجعل الدليل يحيل على موضوعه.
ويعرض باحثون آخرون للتقسيم نفسه على خلاف طفيف في البنية الاصطلاحية بينهما ؛ وذلك حين يؤكدون على أن العلامة التي هي نموذج للمقولة الثلاثية تشكل – إذن – من حيث الكنه علاقة ثلاثية بين ثلاثة أركان يطلق عليها بيرس أسماء العلامة بحد ذاتها ، الموضوع ، التعبير.
ومنه نجد أن مصطلح الممثل أو الذي يسميه بيرس العلامة بحد ذاتها يقابل مصطلح ” الدال ” عند سوسير، بينما يقابل مصطلح الموضوع عنده مصطلح ” المدلول ” عند سوسير ويتجاوز بيرس المقولة السوسيرية من خلال مصطلح التعبير أو المؤول، فلا وجود لهما في المصطلح السوسيري ، وتأسيساً على ما سبق نستطيع القول: إن بيرس في أثناء دراسة العلامة راعى عاملين هامين هما:
- عامل الطابع الطبيعي أو الاصطلاحي لها.
- عامل التفسير لها ؛ أي فهمها من قبل المتعامل معها.
ونستطيع أن نذكر إلى جانب هذا التقسيم المهم تقسيماً ثلاثياً آخر جاء به بيرس حول طبيعة العلامة لا يقل أهمية عن سابقه ، ويقوم هذا التقسيم على وصف العلاقة القائمة بين الدال ومدلوله، ومن المتاح لنا عرض هذا التقسيم على النحو الآتي:-
- الإشارة : تكون العلاقة فيها بين الدال والمدلول علاقة تجاورية في المكان، وهي ذات طابع بصري في مجملها ، ومثل ذلك السهم الذي يشير إلى مكان معين أو حركة الاصبع وغيرها.
- الأيقونة : تكون العلاقة الرابطة بين الدال والمدلول – في هذا القسم – علاقة تشابه، فتكون الأيقونة بهذا: شيء يؤدي عمله ووظيفته كعلامة انطلاقاً من سمات ذاتية تشبه المرجع أو المشار إليه، وهي بهذا صورة تحيل إلى متصور تلك العلاقة فيهما علاقة مشابهة ، ومنه فالعلامة الآيقونية تفهم من خلال فهم نظيرها المشابه لها، وذلك كعلامات المرور والصور الفوتوغرافية والخرائط وغيرها.
- الرمز : ومثاله الأول هو العلامة اللغوية كما تصورها سوسير من قبل ، وإن كانت العلاقة بين الدال والمدلول تقوم على التجاور المكاني في الإشارة ، وعلى التشابه في الأيقونة ، فإن العلاقة التي تربط بين طرفي العلامة في الرمز هي علاقة محض عرفية وغير معللة، فلا يوجد بينهما تشابه ، أو صلة فيزيقية ، أو علاقة تجاور.
ولقد كان هذا التقسيم الثلاثي للعلامة أهم فارق تجاوز به بيرس مفهوم العلامة عند سوسير؛ ذلك أنه لم يقتصر- في أثناء تصنيفاته- على العلامة اللغوية كما فعل سوسير، بل وسع مجال العلامة ليشمل كل ما هو لغوي وغير لغوي كما لمسناه سالفاً.
ومن كل ما سبق ذكره بعد طرح سيميولوجيا ” دي سوسير” ” وسيميوطيقا ” بيرس نجد أن اتجاهات السيموطيقيا تتوسع ؛ فــ ” محمد مفتاح ” يفرغ النظريات اللسانية على التيار التداولي والتيار السيميائي والتيار الشعري، أما بيير جيرو فيحدد ثلاث وظائف أساسية للسيميولوجيا هي « وظيفة منطقية واجتماعية وجمالية »(51) كما أن الناقد (مبارك حنون) ، وقد صنفها إلى عدة اتجاهات منها « سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة وتصور سوسير للسيميولوجيا، سيميوطيقا بيرس(52) ، ورمزية كاسيرار، وسيميوطيقا الثقافة » (53) بينما نجد (محمد السرغيني) يحدد ثلاث اتجاهات أساسية هي: « الاتجاه الأمريكي ، الاتجاه الفرنسي ، الاتجاه الروسي »(54) بالإضافة إلى هؤلاء جميعاً نجد (عواد علي) الذي يحصرها في ثلاث اتجاهات أيضاً هي: سيمياء التواصل ، سيمياء الدلالة ، سيمياء الثقافة.وهذا ما يجعل من « السيميائية سيميائيات لها فروع ولها انشقاقات ، ولهذه الاتجاهات مؤسسون وأنصار »(55) كما سلف ذكره، حيث نجد أشهرها اتجاهات ثلاثة هي :-
أ- سيمياء التواصل. ب- سيمياء الدلالة. ج- سيمياء الثقافة.
وقد أسهمت جميع هذه الاتجاهات في تيسير السبل لقراءات متعددة وأصلية للنصوص الأدبية طلباً للغائب من مفاهيمها واستجلاء للغامض من علاماتها.تلكم باختصار لمحة عن المنهج السيميائي الذي تبلور في البيئة الثقافية الغربية، واستطاع – نتيجة لاعتبارات عدة – أن يقتحم عدداً من الثقافات ، ومنها الثقافة العربية التي استوردت في فترة من الفترات هذا المنهج ووظفته في معالجة الظاهرة الأدبية.
اهتمام الدراسات السيميائية بالعنوان
يتشكل النص الإبداعي من معادلة لابد منها ، أولها العنوان وآخرها النص، لذلك لابد للباحث أن يدرس ويحلل العنوان وينظر من خلاله إلى النص ، من منطلق أن العنوان حمولة مكثفة للمضامين الأساسية للنص. فالعنوان هو وجه النص على صفحة الغلاف لذا كان دائماً : (( يعد نظاماً سيميائياً ذا أبعاد دلالية وأخرى رمزية تغري الباحث بتتبع دلالاته ومحاولة فك شفراته )) (56) بغية استجلاء المفاهيم النصية المتراكمة داخل الحيز النصي.
في ضوء ذلك لم يكن اهتمام السيمياء بالعنوان اعتباطياً ولا من قبيل الصدفة بل لكونه ضرورة كتابية (57) ، جعلت منه مصطلحاً إجرائياً ناجحاً في مقاربة النص الأدبي، ومفتاحاً أساسياً يتسلح به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها (58) ، كذلك لكونه أولى عتبات النص التي لا يجوز تخطيها ولا تجاهلها وإن أراد المتلقي التماس العلمية في التحليل والدقة في التأويل ، فلا شيء كالعنوان يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته ، إن العنوان يقدم لنا معرفة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه. (59)
العنوان إذن هو أولى عتبات القارئ التي يقيس دلالاتها على جميع مضامين النص ، فهو مفتاح الدلالة الكلية التي يستخدمها القارئ مصباحاً يضيء به المناطق المعتمة ، في النص والتي يستعصي فهمها إلا من خلال العودة إلى العنوان. (60)
ويسعى المؤلف الى منح العنوان مسحة فتية تبعد النص عن البنية السطحية قدر الإمكان عندما يقوم بنسجه ، سواء من خلال الصورة الذهنية أو من خلال متخيله الذهني، لذلك قد يقود العنوان إلى تأكيدات داخل النص ضمن مجموعة من السياقات أو بعضها، كسياقات الحدث أو الوصف أو التركيب اللغوي او الدلالي فكرياً أو حياتياً ، وهذا يعني أن العنوان يدخل المتلقي في عوالم عديدة ومحطات كثيرة في هيكل العمل وجسده بشكل مباشر أو غير مباشر.
يقول رولان بارت : (( العنوان هو نظام دلالي سيميولوجي يحمل في طياته قيماً أخلاقية واجتماعية وأيديولوجية ، ولأن العنوان ذو دلالات وعلامات رامزة للنص أو لجزء منه ؛ فإن دراسة العنوان تأتي وفق ما يتميز به من وظائف بصرية وجمالية وترويجية أو إغرائية ودلالية.)). لهذا يطرح الدارس على نفسه الكثير من التساؤلات تجاه العنوان ، مثل: هل العنوان مفتاح النص؟ أمأخوذ من المادة النصية ؟ أجاء محض صدفة من المؤلف ؟ ما نوع الدلالات التي يحملها العنوان ؟ كيف تتم عملية تأويله ؟ ممَ يتكون ؟ أهو جملة اسمية أم فعلية ؟ أهو عنوان بارز على الصفحة أم محفور فيها ؟ خصــــوصاً إذا عرفنا أن العنوان هو(31) :
(( أعلى اقتصاد لغوي ممكن ليفرض أعلى فاعلية تلق ممكنة )) كما يقول محمود عبدالوهاب الذي يرى أيضاً ((ان العنوان على المستوى اللغوي يعتبر مقطعاً لغوياً يعلو في النص وتتحكم فيه قواعد نحوية وسيميائية )) (62).
لقد أولت السيمياء أهمية كبرى للعنوان ، وذلك باعتباره مصطلحاً إجرائياً ناجحاً في مقاربة النص الأدبي ، ونظراً لكونه مفتاحاً أساسياً ، يتسلح به وبالتالي ، يستطيع العنوان أن يقوم بتفكيك النص من أجل تركيبه ، وذلك عبر المحلل للولوج إلى اغوار النص العميقة بغية استنطاقها وتأويلها بنياته الدلالية والرمزية ، وان يضئ ، في بداية الأمر، ما أشكل من النص وغمض.
فالعنوان – إذاً – هو مفتاح تقني يجس به السيميولوجي نبض النص ، ويقيس به تجاعيده، ويستكشف ترسباته البنيوية وتضاريسه التركيبية ، على المستويين : الدلالي والرمزي.
وقد أظهر البحث السيميولوجي أهمية العنوان في دراسة النص الأدبي ، نظراً للوظائف الأساسية المرجعية والإفهامية والتناصية ، ولا نبالغ إذا قلنا (( إن العنوان يعتبر مفتاحاً إجرائياً في التعامل مع النص في بعديه : الدلالي والرمزي )). (63)
وهكذا ، فإن اول عتبة يطؤها الباحث السيميولوجي هي استنطاق العنوان ، واستقراؤه بصرياً ولسانياً ، أفقياً وعمودياً.
في ضوء ذلك، يمكن القول أن العنوان هو الذي يسم النص، ويعينه ويصفه ، ويثبته، ويؤكده ، ويعلن مشروعيته القرائية ، وهو الذي يحقق للنص كذلك اتساقه وانسجامه، وتشاكله ، ويزيل عنه كل غموض وإبهام.
وتعد العنونة أولى المراحل التي يقف لديها الباحث السيميولوجي لتأملها واستنطاقها ، قصد اكتشاف بنيتها وتراكيبها ومنطقوتها الدلالية ومقاصدها التداولية. ان العناوين عبارة عن علامات سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص ، كما تؤدي وظيفة تناصية ولا سيما اذا كان العنوان يحيل على نص خارجي يتناسل معه ويتلاقح شكلاً وفكراً. وهكذا (( … يمكن أن تشتغل العناوين علامات مزدوجة )) (64) حيث أنها في هذه الحالة تحتوي القصيدة التي تتوجها، وفي الوقت نفسه تحيل على نص آخر، وبما أن المؤول يمثل نصاً ، فهو يؤكد واقع كون وحدة الدلالة في الشعر نصية دائماً ، وبإحالته على نص آخر يوجه العنوان المزدوج انتباهاً نحو الموقع الذي تفسر فيه دلالة النص الذي يحتويه. إن المقارنة بالنص الذي تم استحضاره تنور القارئ ، لأنه يدرك التماثل الموجود بين القصيدة ومرجعها النصي على المستويين : الوصفي والسردي.
ويمكن ، على سبيل المثال ، أن يكون للمرجع النصي نفس المولد الموجود في القصيدة، وهكذا ، فالعنوان هو الذي يسمي النصــــوص والخطابات الإبداعية ، ويعينها ويخلق أجواءها النصية والتــــناصية ، وذلك عبر سياقها الداخلي والخارجي ، علاوة على استيعابه للأسئلة الإشكالية التي تطرحها هذه النصوص والخطابات ، وذلك عبر عـــــناوينها الوسيطة البؤرية.
كما أن للعنوان وظائف سيميولوجية متعددة ومتنوعة ، حيث يرد علامة ، ورمزاً ، وإشارة ، وإيقوناً ، ومخططاً وصورة.
وتقوم العناوين بأدوار سيميولوجية مهمة في إثراء امبراطورية العلامات ، نظراً لما تؤديها من وظائف كثيرة في التواصل الثقافي والحضاري. إن العناوين كما يرى رولان بارت عبارة عن انظمة دلالية سيميولوجية ، تحمل في طياتها قيماً أخلاقية واجتماعية وايديولوجية ، وهي أيضاً وسائل مسكوكة مضمنة بعلامات دالة ومعبرة ومشبعة برؤى العالم ، يغلب عليها الطابع الإيحائي.
وللعنوان عدة وظائف سيميائية، يمكن حصرها في وظيفة التعيين التي تتكفل بوظيفة تسمية العمل وتثبيته ، وهناك أيضاً الوظيفة الوصفية ، التي تعني أن العنوان يتحدث عن النص وصفاً وشرحاً وتفسيراً وتأويلاً وتوضيحاً. وهناك كذلك الوظيفة الإغرائية التي تكمن في جذب المتلقي وكسب فضوله لقراءة النص. كما أن العنوان يؤدي وظيفة التلميح والإيحاء والأدلجة والتناص والتكنية والمدلولية والتعليق والتشاكل والشرح والاختزال والتكثيف وخلق المفارقة والانزياح عن طريق إرباك المتلقي ، إضافة الى الوظيفة الاشهارية.
ويحدد جيرار جنيت للعنونة أربع وظائف أساسية هي: الإغراء ، الإيحاء ، الوصف ، التعيين. (65)
عموماً يمكن القول أن العنوان عبارة عن رسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه ، فيساهمان في التواصل المعرفي والجمالي ، وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية يفككها المستقبل ويؤولها بلغته الواصفة.
الهوامش
(1) ابن منظور، لسان العرب ، دار صادر، بيروت ، ج15 ص101.
(2) أبو البقاء العكبري ، التبيان في شرح الديوان : دار المعرفة ، بيروت ، (د.ت) ، ج3 ص367.
(3) عبدالرحمان البرقوقي ، شرح ديوان المتنبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت، 1986 ج4 ص113.
(4) السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط2 1991 ج2 ص231.
(5) محمد فكري الجزار، العنوان وسميوطيقا الاتصال الأدبي، سلسلة دراسات أدبية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1998 ص19.
(6) محمد بازي ، العنوان في الثقافة العربية – التشكيل ومسائل التأويل – الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت ، ط1 ? 2012 ? ص14- 15.
(7) أسامة ناصر النقشبندي، في المخطوط العربي ، موسوعة حضارة العراق ، نخبة من المثقفين العراقيين ، دار الحرية للطباعة ، بغداد ، 1985 ? ج92 ص436 – 437.
(8) محمد بازي ، مصدر سبق ذكره ، ص17.
(9) ميكائيل ريفاتير، دلائليات الشعر، ترجمة : محمد معتصم ، منشورات كلية الآداب ، الرباط ، 1997 ص164.
Gerard Genette. Seuils, Seuil, Paris, 1987, p.65.
(10) المرجع السابق.
(11) محمد بازي ، مصدر سابق ، ص16. (12) د. جميل حمداوي ، السيميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 25 العدد 3 يناير- مارس 1997 ص79- ص112.
(13) المرجع السابق.
(14)المرجع السابق.
(15) رشيد بن مالك ، السيميائية السردية ، عمان ، ص57.
(16) جميل حمداوي ، مصدر سابق ، ص47.
(17) رشيد يحياوي ، الشعر العربي الحديث دراسة في المنجز النصي، أفريقيا الشرق ، المغرب – لبنان، ط1 1998 ص107.
(18) بشرى البستاني ، قراءات في الشعر العربي الحديث، بيروت: دار الكتاب العربي ، ط1 2002 ص32.
(19) الطاهر رواينيه ، شعرية الدال في بنية الاستهلال في السرد العربي ، ملتقى السيمياء والنص الأدبي، معهد اللغة العربية وآدابها ، الجزائر، 1995 ص141.
(20) شادية شقرون ، سيمياء العنوان في ديوان مقام البوح لعبدالله العتيبي، الملتقى الأول – السيمياء والنص الأدبي ، الجزائر، 2000 ص286.
(21) علي جعفر العلاق ، الشعر والتلقي دراسات نقدية ، عمان : دار الشروق ، 1997 ص173.
(22) محمد صابر عبيد ، جمالية العنوان وفلسفة العنونة ، قراءة في ديوان الايقونات والكونشيرتو، جريدة الأسبوع الأدبي ، دمشق ، العدد 835 في 10/11/2002.
(23) حوار مع عبدالوهاب البياتي ، مجلة الثقافية ، لندن ، العدد 19 ذو الحجة 1417ه.
(24) محمد فكري الجزار، لسانيات الاختلاف ، الخصائص الجمالية لمستويات بناء النص في شعر الحداثة ، إيتراك للطباعة والنشر، القاهرة ، 2001 ? ص181.
(25) صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص ، الكويت ، عالم المعرفة ، 1992 ص236.
(26) محمد الهادي المطوي، شعرية عنوان كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق ، ص475.
(27) شادية شقرون ، مصدر سابق ، ص270.
(28) محمد الهادي المطوي ، مصدر سابق ، ص457.
(29)شادية شقرون ، مصدر سابق ، ص270.
(30) المرجع السابق.
(31) محمد الهادي المطوي ، مصدر سابق ، ص457.
(32) ابن خلدون ، المقدمة ، تونس : الدار التونسية للنشر، ط1 1984 ج1 ص413.
(33) طه حسين ، أحاديث ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط15 1982 ص25.
(34) محمد الهادي المطوي ، مصدر سابق ، ص475.
(35)شادية شقرون ، مصدر سابق ، ص270.
(36)المرجع السابق.
(37)ينظر مختار الصحاح ولسان العرب والقاموس المحيط ، مادة : سوم.
(38)أسابيجر، السيمياء والنقد الثقافي ، ترجمة د. هناء خليف غني ، مجلة المأمون ، بغداد ، عدد خاص عن السيمياء ، 2013 ص98.
(39)برنار توماس، السيمياء – الأسئلة العامة والخاصة ، ترجمة: ناهدة أحمد ، مجلة المأمون ، المرجع السابق، ص85.
(40)ينظر قاموس المورد الأكبر، ط1 2005.
(41)برنار توماس، مصدر سابق.
(42)د. حميد حسون بجية ، السيمياء ، نقلاً عن دائرة المعارف البريطانية ، مجلة المأمون ، مصدر سابق.
(43)المرجع السابق.
(44)محمد خاقاني ، رضا عامر، المنهج السيميائي آلية مقاربة الخطاب الشعري الحديث وإشكالياته، مجلة دراسات في اللغة العربية وآدابها ، العدد 2 صيف 2010 ص65.
(45)برنار توماس، ما هي السيميولوجيا ، ترجمة: محمد نظيف ، الجزائر، أفريقيا الشرق ، 1994 ص37.
(46)المرجع السابق، ص14.
(47)محمد خاقاني، مصدر سابق ، ص67.
(48)عصام كامل خلف ، الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر، القاهرة ، دار فرحة وللنشر والتوزيع ، 2003 ص24.
(49)جميل حمداوي، مصدر سابق ، ص88.
(50)عبدالله ابراهيم وآخرون ، معرفة الآخر، مدخل الى المناهج النقدية الحديثة ، 2004 ص76.
(51)محمد خاقاني، مصدر سابق ، ص68.
(52)المرجع السابق.
(53)مازن الواعر ، مقدمة الاشارة – السيميولوجيا ، 1988 ص11.
(54)جميل حمداوي، مصدر سابق ، ص83.
(55)محمد خاقاني، مصدر سابق ، ص71.
(56)جميل حمداوي، مصدر سابق ، ص83.
(57)المرجع السابق ، ص83.
(58)ميشال آريفيه ، السيميائية أصولها وقواعدها ، ترجمة : رشيد بن مالك ، الجزائر، منشورات الاختلاف، 2002 ص31.
(59)بسام قطوس ، سيمياء العنوان ، عمان : وزارة الثقافة ، ط1 2001 ص12.
(60)محمد فكري الجرار، العنوان وسيميوطيقيا الاتصال الأدبي ، القاهرة : الهيئة المصرية للكتاب، ط1 1998 ص15.
(61)جميل حمداوي، مصدر سابق ، ص96.
(62)محمد مفتاح ، دينامية النص تنظير وإنجاز، بيروت : المركز الثقافي العربي ، ط2 1990 ص72.
(63)عدنان حسين قاسم ، الاتجاه الأسلوبي في نقد الشعر العربي ، القاهرة : الدار العربية للنشر والتوزيع ، ط1 2000 ص5.
(64)محمود عبدالوهاب ، ثريا النص ، مدخل لدراسة العنوان القصصي ، بغداد ، سلسلة الموسوعة الثقافية.
(65)المرجع السابق.
(66)جميل حمداوي، مصدر سابق.
(67)المرجع السابق.
(68)المرجع السابق.
























