لعنة المال الحرام
سعد العبيدي
لم يكن عبد الواحد قد حلم في بداية حياته بأكثر من رتبة نائب ضابط في الجيش العراقي، تؤمن له عيشا مضمونا مع زوجة يحب من الصغر وعدد من الأولاد، لا يريد عشرة أولاد مثلما أراد وفعل والده نائب العريف قاسم عبد الخضر.
لماذا نائب ضابط بالتحديد؟.
لا يعرف ذلك، ربما يعود السبب الى أنه قد عاش في بيت يتسيد عليه نائب عريف، أو لان نائب الضابط يحتكم على راتب جيد وتقدير من باقي الجنود كما كان يقول الوالد في جلساته الخاصة مع الزملاء الذين يزورونه في البيت التابع الى معسكر المحاويل.
لقد تقاعد الأب بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، في السنة التي أكمل فيها عبد الواحد دراسته المتوسطة، فترة حرجة دفعته الى التفكير مليا بمستقبله طالب لم ينهِ مراهقته بعد، فوجد فرصة في التطوع على ملاك الجيش ضابط صف، بعد أن أعلن الصنف الإداري حاجته الى متطوعين في مجال الاختصاص الإداري.
دخل الدورة في مدرسة الصنف الإداري بمعسكر التاجي وتخرج منها الأول من بين خمسين متطوعا هم أفراد الدورة بفعل الغش الذي يتقنه منذ الصغر، لقد كان مراوغا وطموحا، هدفه الوصول الى رتبة نائب ضابط بأقرب وقت ممكن. حضر مندوبو القيادات الى مكان تخرج الدورة ليختاروا من يريدون حسب الصلاحيات المخولة لهم من رئاسة أركان الجيش، فكان نصيب السيد عبد الواحد قيادة قوات الحرس الخاص بعد اطلاع مندوبها على سجله الأمني ودرجته النهائية في الامتحان.
عاد الى بيته مزهوا، تمتع بإجازة نهاية الدورة، وجد نفسه بعدها في وحدة خاصة استمر عمله فيها مع ضابط الرواتب، أتقن عمله وكلما يتعلق بالأمور الحسابية وكذلك سبل التقرب ومداهنة الأعلى بفترة وجيزة بات على اثرها محط أنظار واهتمام آمريه ودعمهم لترقيته تكريما مهد له تحقيق أمنيته نائب ضابط درجة ثامنة بوقت قياسي.
ترك وحدته مثلما تركها الغير يوم التاسع من نيسان عام 2003، عاد الى بيته في مدينة الشعب بلباس مدني كان قد أحضره قبل يوم من الصدمة، كأنه قد تنبأ بالصدمة وأدرك الحاجة الى اللبس المدني في يوم صعب.
راقب باهتمام ما يجري حوله في بغداد التي درجت على التغير في كل شيء، حرق لباسه العسكري الزيتوني، ورتبة النائب ضابط، ودعّها كأنه أكتفى بها مرتبة أو أنه وجد في دنياه العملية أنها لا تكفي لتأمين طموحاته مع عصر جديد يمكن أن تتغير فيه الطموحات كل ساعة بل كل دقيقة، وتتغير فيه الوسائل المساعدة لتحقيق الطموحات.
ترك الكحول التي كان يتناولها بشكل يكاد يكون يوميا كم أكتشف فجأة أنها حرام، وضع محبسا فضيا في كل يد من يديه الناعمتين، سكن الجامع القريب من منزله، لف بشكل دوري على معظم الأحزاب السياسية التي أخذت لها أماكن في مقرات حزب البعث، لم يعجبه العمل السياسي لأن طموحاته تركزت ضمن حدود الرتب العسكرية، بادر واثنان من أصدقاءه نواب الضباط في التوجه الى التطوع في صفوف الجيش الجديد بصفة ضباط منتسبين الى الجيش السابق.
كان هو من أوائل المتطوعين في الجيش الجديد، قابلته لجنة من ضباط أمريكان، فحصوا هوية أعدها برتبة رائد اداري في الجيش العراقي السابق لم يؤشروا تزويرها، وقد يكونون ممن تغاضى عن التزوير، لا أحد يعلم بطبيعة الحال، سألوه عدة أسئلة أجاب بمعلومات عن الرواتب والشؤون الإدارية كانت جميعها مضبوطة، سأله رئيس لجنة المقابلة عن وحدته السابقة أعطى اسما لوحدة في الفرقة الرابعة، وأعطى اسما لقائد الفرقة كان موجودا بالفعل وكذلك لآمر اللواء نزولا الى الفوج الذي ادعى الانتساب اليه.
آخر سؤال وجه له عن رقمه الاحصائي، ذكر من عنده رقما، أعاد ذكره بدقة متناهية عندما سؤل ثانية بعد دقيقتين، كأنه كان عارفا بتفاصيل الأسئلة وما مطلوب، أو انه استفاد من صيغ المقابلات التي جرت لمن تطوع قبله.
نجح بالمقابلة وفشل صديقاه بسبب عدم قدرتهم على تكرار الرقم الاحصائي للمرة الثانية، ومن بعد المقابلة نسب على الفور ضابط رواتب لأحد الفرق المشكلة حديثا.
كانت رواتب منتسبي الجيش الجديد في بداية تشكيله تأتي بإشراف من الامريكان، تقوم قواتهم على سحب المبالغ المطلوبة من المصارف العراقية وكذلك على إعادة إيداع الفائض منها بعد توزيع استحقاقات من كان مستمرا في الخدمة وإعادة تلك التي تعود الى آخرين تركوا وحداتهم قبل انتهاء الشهر.
الرائد عبد الواحد استهوته الأرقام العالية لملايين الدنانير التي تعاد الى المصرف نهاية كل شهر، درسها جيدا، خلع خاتم زواجه ليبدو عازبا، تعرف على سيدة مطلقة تعمل في المصرف ضمن الإيداع، أملّها بالزواج بعد ترتيب وضعه المالي، بات يزورها في بيتها يسهر معها بشكل يكاد يكون يوميا، قص عليها خطته في الاستحواذ على جزء من المبالغ المعادة مؤكدا:
– انها ليست حرام هذه فلوس الامريكان وهم محتلون كفار.
سايرته الحبيبة المؤمنة بذات الفلسفة في الاستحواذ الى آخر المشوار مشترطة أن تكون لها حصة من كل عملية مبلغا مقطوعا يصل الى عشرة ملايين دينار، اتفقا على تفاصيل التنفيذ التي تعتمد آليته على قيامه بتقديم سند (فيشة) بالمبلغ المسترجع كما هو بالفعل، وعندما يأخذ هذا السند طريقه الى الختم والتهيئة للتسجيل في الدفتر الخاص بالاسترجاع، تقوم هي من جانبها بتأخير التسجيل، حتى يقدم بعد دقائق معدودات سندا آخرا بنصف المبلغ، لتقوم هي بتسجيله في الدفتر وارساله الى التنفيذ، وهكذا كان حصاد أول عملية خمسمائة مليون دينار له منها النصيب الأكبر وللموظفة حصتها ولأفراد الحراسة حصتهم من المقسوم.
استمرت الحال ستة أشهر جمع ثروة لم يحلم بها ورتبة عسكرية لم يستطع المحافظة عليها اذ بدأت إدارة الضباط تراجع خطوط الخدمة وتكتشف التزوير.
كان خط خدمته مزورا، عرض مائة مليون دينار على شخص كي يُدخل اسمه في قاعدة المعلومات الخاصة بخطوط الخدمة، لكنه لم يفلح لان الأمر صعب ومعقد، عندها وبعد أكتشاف أمر تزويره وقبل اتخاذ أي اجراء قانوني، ترك العراق وحبيبته والزوجة وسافر الى سوريا.
سكن دمشق، بات مدمنا على نواديها الليلية، اتفق مع مهرب عراقي الأصل لغرض ايصاله الى هولندا مقابل عشرين ألف دولار، دفعها مقدما، شاءت الصدف أن يكتشف أمره في المطار، فاضطر الى دفع مثلها كي يتخلص من السجن، عندها قرر العودة الى العراق، ليبدأ تاجرا هذه المرة.
صفقة سيارات مستعملة من ألمانيا خسر بها نصف مليون دولار، ترك بسببها تجارة السيارات.
اشترى معملآ مهملا لصناعة السجاد في المنطقة الصناعية بالوزيرية، فكانت عبارة عن عملية نصب كبيرة خسر ثمنها مليوني دولار.
توالى شؤم الخسارة على رأسه، وتوالت معه محاولات تغيير طبيعة التجارة والمهنة، لكنه لم يفلح في جميعها، قال له الوالد في أحد الأيام التي عاد بها الى البيت مخمورا:
– فلوس الحرام لا تناسبك.
أجابه:
– انها ليست حرام لانها فلوس الامريكان المحتلين.
– ومن أين اتى الامريكان بالفلوس. أجابه:
– من النفط الذي يسرقونه، وبالتالي هي ملك لنا ولنا الحق في استرجاعها.
– انتم هذا الجيل تحللون وتحرمون حسب أهوائكم. سيحرقكم الحرام.
لم يعر اهتماما لقول الأب فمازالت في حوزته بعض ملايين تدفعه الى الاستمرار على نفس الوتيرة في البذخ، وتوالت عليه الخسائر بنفس الوتيرة أيضا.
غاب عبد الواحد عن الساحة فترة ليست قصيرة، لم يشهده أصحابه ولا السائرين معه في الليل، عاد الى حبيبته الموظفة في البنك أخيرا طالبا الغفران، صدته بشدة، متهمة إياه ناكر جميل، نكث وعده في الزواج.
باع بيته القائم في مدينة المنصور، آخر ما كسبه من الرواتب أو من فلوس الامريكان كما كان يدعي، وسدد بثمـــــــنه ديون مستحقة وقف أصحابها في الباب يشهرون بوجهه السلاح.
استأجر بيتا لزوجته واطفاله الثلاثة في مدينة الشعب موطنه الأصلي، عمل حارسا في أحد الشركات الخاصة ليعيش فقط، درج على لوم الذات، يكرر صيغة اللوم:
كيف لم استطع المحافظة على الملايين؟.
كيف تبخرت هذه الثروة التي جمعت بسنة واحدة؟.
وكيف تبددت جميعها بسنة واحدة أيضا؟.
ومع هذا ومع شدة الغرابة في الجمع والتبديد لم يعترف أنها حرام……!.























