كيف يتحقق الأمن والأمان ؟

كيف يتحقق الأمن والأمان ؟
ان لكل امة دستور ينظم حياتها بمجموعة من القوانين ولابد للقانون ان يكون نابعا من طبيعة المجتمع ، اما تطبيق العدالة والتي هي اساس حديثي فانه لا يتحقق ضمن تطبيق القانون تطبيقا شكليا مثلما هو مدون في الكتب فالعدالة اشمل من القانون وتحقيق العدالة يكون باستخدام الضمير للوصول الى القانون العادل . رسالة محمد (ص) قائمة على اسس يجب ان تقوم عليها المدنية الصحيحة في كل زمان ومكان ، انها قائمة على اسس وقواعد اهمها العدل ومحبة الغير والعلم . يقول النبي محمد (ص) : (عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين عاما) ان عدم تطبيق العدالة يفضي بلا شك الى الظلم وحيث ان الانسان في كل العصور وفي بحثه المستمر انما يهدف بالاساس الى اعلاء شأنه والتغلب على قوى الاستلاب والتخلف والشر واخضاع الطبيعة والقوانين التي تحكم التطور لصالحه .
اننا لا نريد ان تحل المبادئ الخاطئة محل المبادئ الصحيحة ثم يقال هذا هو القانون ، فالنظر من فوق الابراج العالية واعتبار الشخص الجائر والمتسلط والمتعالي كل شيء هو بمثابة اللا شيء وانه هو الحقيقي فحسب ، هي نظرة لا تتطابق الا مع نفسه وهي رؤية ضد الطبيعة والتاريخ ومصلحة الانسان وهنا تحدث المصيبة الكبرى لان من يقود الناس مهما كانت مرتبته لا يرى من حوله نتيجة الهالة التي يحيط بها نفسه والغرور والكبرياء وعدم النزاهة لا يرى الا صورة الذباب ، وممكن للسلطان او القائد في اي مكان من المعمورة ان يستغني عن الحشود والمواكب المدججة بالسلاح ويكون في مأمن هو وشعبه اذا استخدم العدل كاسلوب في الحكم فاستخدامه العدل يغنيه عن الشجاعة واحترام المواطن ومحبته ينتج عنه احترام المواطن للمسؤول ومحبته فتنتفي صفة الجور والظلم ويسلك الحاكم او القائد او المسؤول هو وشعبه طريقا واحدا . ولنرى من حولنا قصص التاريخ ودروسه كيف ان الطغاة والجبابرة قد انتهوا واصبحت قوتهم واسلحتهم الفتاكة التي يقتلون بها الشعوب صباح مساء هباء منثورا اما المتمسكون باحترام شعوبهم وتطبيق العدالة والمساواة والحفاظ على الكرامة الانسانية لازالوا معززين تحبهم الشعوب ويحبونها . حكي ان الرشيد حبس ابو العتاهية فكتب على حائط الحبس شعره المعروف :
اما والله ان الظلم لــــــــؤم ومازال المسيء هو الظلوم
الى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في المعاد اذا التقينا غدا عند المليك من الظلوم
فأخبر الرشيد بذلك فبكى بكاء شديدا ودعا ابا العتاهية ووهب له مبلغ من المال واطلقه وطلب منه المسامحة . ان العدل الشامل ايها الملوك والرؤساء والقادة وقيادات الجيش والامن والشرطة يبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمو الاموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان وشعبه وما قول الخليفة عمر ببعيد عنا حينما قال : (عدلت فأمنت فنمت) فليس اسرع في خراب الارض ولا افسد لضمائر الخلق من الجور لانه لا ينتهي الى غاية وهو جزء من افساد الخلق لا اصلاحهم وقد ورد عن النبي (ص) قوله : (بئس الزاد الى المعاد العدوان على العباد) وحكي ان الاسكندر قال لحكماء الهند وقد رأى قلة الشرائع والقوانين ، لمَ صارت قوانين بلادكم وشرائعها قليلة وموجزة ؟ قالوا لاعطائنا الحق من انفسنا ولعدل ملوكنا فينا ، ثم قال لهم ايهما افضل العدل ام الشجاعة ؟ قالوا اذا استعمل العدل استغني عن الشجاعة فالدنيا لا تصلح الا بالعدل وعلى القادة ان يبدأوا العدل في انفسهم ثم بعدلهم في مواطنيهم الذين هم الاساس الذي تقوم عليه اعمدة الوطن ، فالعدل في نفوسهم كفها عن القبائح والتجاوز والتقصير بحق المواطنين ، فمن ظلم نفسه فهو لغيره اظلم ، اما عدلهم مع غيرهم فهو ترك التسلط بالقوة والجور والقهر الاجتماعي وابتغاء الحق الذي لا يضيع معه شيء للمواطن من امن مادي ومعنوي وكرامة انسانية تليق بالبشر .
ما دمت حيا فدار الناس كلهم
فانما انت في دار المداراة
من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى
عما قريب نديم للندامات
ان الخروج عن العدل هو الرجوع بالانسانية الى زمن البداوة فالعدل شامل لكل امور الحياة فهو النزاهة وهو العفة وهو الحياء وتطبيق القانون بصورة صحيحة يجعل المواطن محبا لقادته ويقوي اواصر المحبة ، فالسلطان السوء يخيف البريء ويصطنع الدنيء ويورث الملل ولست تجد فسادا الا وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل الى الظلم ولا شيء اضر بالبلاد من الجور الذي تتأزم به النفوس ويشتد التباغض بين المواطن وقادة الدولة . قال النبي (ص) : (ما من امير على عشرة الا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يداه الى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه او يوبقه) ان الاعجاب بالنفس والتعالي على الغير والظلم من اخطر الامراض الخلقية واشدها فتكا بالانسان وهي بعيدة كل البعد عما يصلح المجتمع ويقوي ارادته . ان بناء الوطن لا يمكن ان يتحقق قبل بناء علاقة الحب الحقيقي بين افراد المجتمع والمحافظة على الوحدة الوطنية لا يتم الا اذا جرد الانسان نفسه من المظاهر الزائفة والفساد والكذب والغرور التي لا تربي مجتمعا متماسكا . فلولا علاقة الحب والتسامح والعدل التي اتبعها رسولنا العظيم محمد (ص) لما اكتملت عقول الناس وزالت عنهم الاثار السيئة والنتائج الخطيرة والازمات النفسية ومن يريد ان يبني لنفسه من الحكام والقادة الذين يمثلون شعوبهم عرشا من الرماح فانه قد يبنيه لكنه لا يستطيع الجلوس عليه ، فما احسن واجمل من الاختيار لحب الانسان لاخيه الانسان بدلا من ان يفقده . ان التاريخ القديم والحديث في دروسه البليغة ينبئنا ان الاوطان انما بنيت على العدل فهو اساس الملك وان الامن والامان لا يتحققان بالظلم والجور ، فالعدل اقوى جيش والامن اهنأ عيش .
لفته عباس القره غولي
/6/2012 Issue 4238 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4238 التاريخ 30»6»2012
AZPPPL