كيف تعاطى الإعلام الغربي مع الإنتخابات التركية ؟ – اورنيلا سكر

كيف تعاطى الإعلام الغربي مع الإنتخابات التركية ؟ – اورنيلا سكر

أن يكون الاعلام  منحازاً فهي مسألة تقليدية تدخل ضمن العمل الصحافي . فلا شأن للصحفي الذي  يمارس مهنة الاعلام  إذا لم يكن تابعاً لنظام سياسي  او طرف ما، يحدد اهدافه ودوره وهويته  وعناوينه واجندته السياسية. فكيف تعاملت وسائل الاعلام الغربية مع الانتخابات التركية وكيف اظهرت حقيقة المرشحين ووفق اي اهداف ورسائل ؟ وهلان الاعلام الغربي فعلا يراعي اخلاقيات الديمقراطية التي يتشد بها؟

إن من يتابع بدقة وسائل الاعلام الغربية  يرى حجم التظليل والفتن  التي تهدف إلى نشر الانقسام والتجزئة والفوضى اكثر منه  التأكيد عن مبدأ الديمقراطية  والتحولات الاجتماعية ظنا منهم أنهم يحاربون الاستبداد والطواغيت كما عنونت مجلة “فورين افيرز ” الامريكية بأن : ” أردوعان طاغية في طور التطوين “، كما ذهبت عناوين صحف ومجلات فرنسية ابعد من الشخصنة والتطاول على شخصية المرشج رجب طيب اردوغان ، إذ اهتمت  بتداعيات هزيمة رجب طيب اردوغان على تركيا والدول المجاورة، وسلطلت الضوء على دور الجالية التركية في اوروبا  في هذه الانتخابات. حيث اخذ عنوان مجلة لوبز الفرنسية يطرح سؤال ملحا : هل يسقط رجب طيب اردوغان امام كمال كليتشدار اوغلو؟ . كما نقرأ في صحيفة لو جورنال دوديمونش الاسبوعية أن انتخابات اليوم في تركيا يمكن أن تنهي حكم اردوغان الذي مثل الاسلام السياسي على ابواب اوروبا لما يقرب ربع قرن من الزمن.

هزيمة الرئيس

وأشار كاتب المقال إلى أن المعارضة في تركيا ليست وحدها من تنتظر هزيمة الرئيس التركي، بل حكام المنطقة المجاورة لتركيا بأكملها، حيث سيؤدي اردوغان حتما الى تغير الاستراتيجية الدبلوماسية والعسكرية لانقرة بعد  اثني عشر عاما من التدخل السياسي والعسكري التركي في كل من سوريا والعراق وليبيا وشرق البحر الابيض المتوسط ضد قبرص، يقول الكاتب .

واوضحت مجلة “لوكورييه انترناسيونال”، أن أصوات الناخبين الاكراد الذين يمثلون 20 في  المئة من سكان تركيا، ستكون غالبا لصالح كليتشدار اوغلو، لكن دون منح المعلرضة شيكا على بياض. وتشدد الصحيفة  أن تركيا تعيش ازمةة اقتصادية وبأن اردوغان لم يقدم شيئا للاتراك خلال السنوات الاخيرة وبأن تكلفة المعيشة غالية.

كما اعتبرت صحيفة “ليكسبرس” الفرنسية،  أن عدد كبيرا من الاتراك يتوقعون هزيمة اردوغان في هذه الانتخابات وهذا لا يعني بحسب المجلة ان هزيمة الزعيم التركي يعني  الموافقة على تسليم مفاتيح الرئاسة للمرشح الفائج بسهولة. واوضحت المجلة ايضا ان هناك امكانية لفوز اردوغان في الانتخابات وذلك بدعم الجالية التركية له في الخارج التي تصوت لصالح، وذلم بفعل دعم اردوغان للمؤسسات والجمعيات التركية في الخارج، كما أن اغلب المراكز الاسلامية التركية في المانيا خاصة وبعض الدول الغربية والاسيوية تابعة لوزارة الشؤون الدينية التركية، وتحشد مئات الالاف من الاتراك في الخارج وتوفر لهم الظروف الملائمة عبر مختلف القنصليات التركية في الخارج.

واثارت مجلة زي (إيكونوميست)، جدلًا واسعا بعد أن كتبت المجلة على غلاف منشورها الأخير عبارة “أهم استحقاق انتخابي في 2023، واصفة الرئيس التركي بـ”الديكتاتور” وقالت إنه “يجب على أردوغان الرحيل. وتأكد المجلة أن سقوط اردوغان سيكون انعكاسا عالميا عظيماً له تداعيات مهم على العالم .”.

ويكتب فيليسيان غوندال في العدد الاسبوعي لصحيفة “لاكروا” أن أهم ما يميز الجالية التركية في فرنسا: الانقسام بين افرادها بسبب الدين والعرق والسياسة، موضحا ان نسبة مشاركة الجالية التركية في فرنسا عام 2018 ? وصلت الى 65 في  المئة، واعتبر ستيفان دوتابيا الباحث في قسم الدراسات التركية بجامعة سترازبزرغ ان المهاجرين الاتراك في فرنسا اتبعوا ما يعرف بالهجرة العائلية، حيث تستقر عائلات بأكملها في فرنسا قادمة من قرى ريفية تركية لاتزال  تحافظ على عاداتها وتقاليدها وانتمائها الوطني والسياسي.

وبحسب رئيس احدى الجمعيات التركية في فرنسا ،فإن الجالية التركية  في فرنسا تشكل تهديدا كبيرا للامن القومي الفرنسي اكثر منه في المانيا ، وقد عملت في الاونة الاخيرة على تقليص دورها ووجودها عبر تقليص دعم  وتدخلها في تمويل  وخدمة مصالح  انقرة  عبر المؤسسات الخيرية في فرنسا. لذلك نجد ان خطاب الكراهية والعنصرية  بحق الجالية التركية في فرنسا وتوجيه حملات معادية وساخرة ضد الرئيس رجب طيب اردوغان مشحونة ومليئة بالعداء له في الصحافة الفرنسية اكثر منه في وسائل علامية  اوروبية اخرى.

وبالعودة الى الصحف الالمانية بحيث عنونت صحيفة “دير شبيغل”، مقالا بعنوان: ” يواجه اردوغان خطرا حقيقيا بخسارة الانتخابات”،  مشددة على خسارة اردوغان للانتخابات  منتقدة من شخصية اردوغان تقول الصحيفة: اردوغان خزلنا انه فقط يهتم بالسلطة وليس بالدولة”، حيث يتباهى بجذوره العمالية ويطلق على نفسه اسم رجل الشعب مشيرة ان مثل تلك الادعاءات هي استهزاء ونيل من  شخصية اردوغان اكثر منه  التركيز على حقيقة وواقع المرشحين وبرنامجهم الانتخابي .

وتذهب الصحافة السويدية الى  دعم المرشح كمال كيليجدار المعارض لاردوغان ومنافسه الانتخابي وبحسب صحيفة  ” داغين نيتير” السويدية  تقول  نقلا عن لسان الدبلوماسي التركي سنان اولجن ، إن  حزب الشعب الجمهوري مهتم اكثر بتعزيز الهوية الغربية لتركيا وبحسب اونال تشفيكوز، كبير مستشاري مرشح المعارضة القيادي كمال كيليجدار اوغلو، فإن الحزب سيضع حدا لتأخير الحكومة الحالية واذ فازت المعارضة، فهناك احتمال كبير ان تتم الموافقة على طلب السويد الانضمام  الى حلف الناتو . كما تشير الصحيفة الى خلاف بين استوكهولم وانقرة حيث تواصل تركيا تأخير التصديق على محاولة السويد للانضمام الى الناتو بسبب رفض استوكهولم تسليم اعضاء المعارضة الاكراد الذين تتهمهم انقرة بأنهم ارهابيون ، وان لديهم مشاعر معادية للمسلمين.

خطاب عنصري

واخيراً ، نأتي الى الصحف الامريكية امثال “واشنطن بوست” ، التي اتسمت بخطاب عنصري معادي وصفت من خلاله الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بالمستبد مشددة على مبدأ نشر القيم الديمقراطية  المزعومة واصفة الانتخابات التركية باهم انتخابات عالميا لعام 2023. وذكرت الصحيفة في مقال تحليلي للكاتب بوبي غوش نشرته قبل عدة ايام، أن هذه الانتخابات تتمتع باهمية عالميا من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية وخاصة الدول الغربية التي من خلالها سوف تتشكل وتتموضع الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية في روسيا واوروبا والشرق الاوسط واسيا.

ولفت المقال ايضا، الى  ان بقاء الرئيس رجب طيب اردوغان في السلطة لفترة طويلة، جعل لانقرة تأثير  ذات مكانة كبيرة في الشؤون العالمية . واضاف ان الغرب سيكون سعيدا، لو حدث تغيير في السلطة في اشارة الى التوترات الاخيرة مع الاتحاد الاوروبي وعلاقة تركيا مع الولايات المتحدة فيما يخص مواضيع مثل  صواريخ اس-400- وقضية اللاجئين ومسألة عضوية السويد في الناتو.

ويأكد المقال، ان وضع الولايات المتحدة واوروبا سوف يكون افضل بدون تأثير اردوغان المدمر على الشؤون العالمية وبخاصة اشتداد المواجهة مع فلادمير بوتين.

بالختام، إن الاعلام الغربي فشل في تحقيق  أهدافه بشعار الديمقراطية الخادعة والكاذبة الذي يحاول خداع وتظليل الرأي العام به منذ حادثة اعتداء 11 ايلول الى أُكذوبة الديمقراطية في العراق والقضاء على الارهاب وصولا الى الحرب في سوريا . فالمسألة اعمق من ما يظنه البعض انها محاولة لنشر الديمقراطية بل هي خدعة القرن التي تهدف الى نشر الفوضى وتخريب وتدمير الشرق الاوسط لمصلحة اسرائيل . فكيف يتطاول الغرب في مسألة الديمقراطية المذعومة وحرصه على اسقاط المستبد اردوغان في حين انه غير قادر على وضع حد للاستبداد والتطهير العرق في فلسطين والتحقيق الشفاف في حادثة اغتيال الصحافية شرين ابو عاقلة ومحاسبة اسرائيل على جرائمها بحق اطفال غزة . باختصار لقد صدق الصحافي التركي في صحيفة “الصباح”  التركية في إشارة له إلى ان ما تواجهه امنطقة هو استعمار يستهدف امن واستقرار المنطقة.

وبالتالي،  إن نشر الديمقراطية الغربية المزعومة كشفت أن الهدف الاوحد كان نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار المنطقة . وهذا ما يحاولون فعله من خلال حملاتهم الاعلامية الممنهجة  التي تستهدف شخصية اردوغان اكثر منه نقد وعرض برامج المرشجين في الانتخابات التركية عبر مصوغات حقودة واستعدائية للاسلام والمسلمين  في تركيا .