كلام بالقيراط ـ باقة ورد ـ حسن النوّاب
باقة الورد التي قدمتها اسرة جريدة الزمان طبعة العراق بمناسبة زيارتي الخاطفة اليهم ، هي اول باقة ورد استلمها في حياتي ، واشعرتني بغبطة لاحدود لها ، كما ان ترحابهم الشفيف والحنون فاقم من ارتباكي وانا اتحدث عن الرعاية التي حظيت بها من الجريدة ايام التشرد والشتات في الأردن ، وكان للصديق الدكتور احمد عبد المجيد رئيس تحرير الجريدة عناية خاصة وحفاوة رائعة ضاعفت من شجني وعشقي الى الجريدة ، لكن باقة الورد التي وضعها بيدي جعلت مني نجما صحفيا دون ان ادري بعد ان حرصت الجريدة على نشر خبر زيارتي على صفحتها الأولى مع صورتي حاملاً لباقة الورد ، ولعمري ان نشر الخبر بهذه الطريقة الفنية المدهشة ، اجده سبقا صحفيا لم تعمل به اية جريدة محلية ، فلقد اعتدنا رؤية صور الساسة الكبار والرؤساء على صدر الصفحات الأولى ، اما ان تنشر جريدة رائدة وعريقة مثل جريدة الزمان خبرا عن صعلوك تائه في احزانه وتشرده في منافي الغربة ، فلقد ضاعف من مسؤوليتي وحرصي ومن اخلاصي لهذه الجريدة التي قوّمت قلمي وشجعتني على المضي في طريق الصحافة ، للحد الذي جعلني اركن قصائد شعري جانبا ، باقة الورد التي خرجت من مبنى الجريدة برفقة صديقي القاص المبدع علي حسين عبيد حاملها بين يدي مثلما احمل طفلي البكر ايام رضاعته ، كنت شديد الحرص ان اصل بها الى مغتربي الأسترالي ،كأجمل ذكرى من جريدة الزمان ، وكنت اتناوب على حمل باقة الورد مع صديقي عبيد خلال مشاويرنا في بغداد ، باقة الورد هذه زارت نقابة الصحفيين بعد ان وضعناها كأمانة عند موظفة الإستعلامات ، وباقة الورد ركبت معنا اكثر من سيارة تاكسي ، ودخلت معنا الى مطعم شعبي لتناول الغداء، وامضت باقة الورد ليلة عاصفة في نادي الأدباء ، وكادت تُسرق من احد العبثيين ، لكننا استرجعنا الباقة منه قبل الفرار بها ، ونامت على مدى ليلتين في شقة صديقنا الشاعر العذب احمد عبد السادة ، ثم كانت برفقتنا عندما زرنا مستشار وزير الثقافة الصديق الشاعر حامد الراوي ، لكننا تركناها في غرفة الأستعلامات حتى لا يعتقد ان باقة الورد هدية حملناها اليه ، برغم ان الراوي يستحق حديقة ورد على ترحابه الشفيف وتواضعه الجم ، باقة الورد صاحبتنا في تسكعنا على شارع ابو نؤاس ، وفي الليلة الأخيرة التي كنت على وشك توديع بغداد المخبوصة بفوضاها وزحامها ، توقفنا لشرب الشاي في ساحة الأندلس قبل ان نشد الرحال الى كربلاء ، فجأة شهق امامي فتىً بدشداشة بيضاء وبجسد نحيل ، وراح يتأمل باقة الورد التي كنت احملها بيدي ، ولمحت ضوء دمع يلمع في اعماق عينيه ، ظننت الفتى مخمورا او يعاني من مرض نفسي ، لكنه ظل ساهما وقد اجتاحت ملامح وجهه غيوم حزن ثقيلة وسمعته يرجوني .. الا تعطيني باقة الورد هذه ؟ اجبته انها هدية غالية ولا يمكن ان افرّط بها ، قال بصوت مختنق بالعبرات ان اخي الأصغر قتله الدواعش في معسكر سبايكر وانا في طريقي الى قبره الآن حيث مقبرة النجف ، سأصل الى قبر اخي الشهيد فجرا واريد ان اضع باقة الورد هذه على قبره .. تجمّد الدم بعروقي وحلّقت طيور الدهشة على وجوه من كان معي ، بل ان صديقي الشاعر احمد عبد السادة اكتشف ان الفتى جارٌ قديم .. رفعت باقة الورد قبلتها بعنف ثم وضعتها بيد الفتى الحزين ، وبهدوء رأيته يركنها في حوض النافذة الخلفية ، وانطلقت سيارة الفتى وباقة الورد كانت تنظر نحوي بدعة وسكينة ، اجل باقة ورد جريدة الزمان اصبحت على ناصية قبر شهيد لا اعرفه .
AZP20
HSNO





















