كتاب جديد يستعرض التفاصيل الأخيرة من حياة رامبو

شقيقة الشاعر تتحدث

كتاب جديد يستعرض التفاصيل الأخيرة من حياة رامبو

عبد اللطيف الموسوي

يتيح لنا الكاتب والمترجم كامل عويد العامري فرصة الاطلاع على هواجس ايزابيل رامبو شقيقة الشاعر الفرنسي الشهير آرثر رامبو من خلال ترجمته لكتابها (شقيقي ارثر) الذي يستعرض الايام الاخيرة للشاعر ومعاناته مع المرض  والعديد من التفاصيل الخاصة بحياته وعلاقاته بمجايليه ولاسيما بالشاعر بول فرلين.وقد تضمن الكتاب الصادر عن مؤسسة بدور التركي في القاهرة ايضاً ترجمة لبعض قصائد رامبو وتحليلا موجزاً للقصائد المختارة . يقع الكتاب في مئة صفحة من الحجم المتوسط بفصول عدة حملت عناوين اساطير رامبو وارثر رامبو مقدمات الأسطورة وشقيقي ارثر ، ورامبو الرحلة الأخيرة، ووثائق الأيام الأخيرة، والرسالة الأخيرة، والعلاقات بين بول فيرلين ورامبو، وعقد تنازل رامبو ،وقراءة في بعض قصائد رامبو ..وهي:عاشقاتي الصغيرات،فقراء في الكنيسة،المركب  السكران،فينوس انا ديومين، ووداع، وفجر ،وحروف العلة،وكيمياء الفعل،وبربري وعبقري. وقد بذل المترجم جهداً كبيراً ليخرج الكتاب بصورته النهائية وليكون قريباً من ذائقة القارىء العربي ، فآثر ان يستهله بفصلين قام بكتابتهما حملا عنواني اساطير رامبو وآرثر رامبو مقدمات الصورة، لكي يضع القارىء في الصورة المطلوبة قبل ان يقدم له نص التفاصيل والذكريات التي كتبتها شقيقة الشاعر. ولم يكتف العامري بذلك، بل ختم الكتاب بترجمة عدد من القصائد الاثيرة لدى رامبو وعشاقه مع ترجمة تحليل سريع لتلك القصائد. وهنا نشد على ايدي المترجم الذي استثمر خبرته الطويلة في العمل الصحفي وممارسته التحرير الصحفي من اجل تدعيم عمله الترجمي وتقديم كتاب يخدم القارىء وتفخر به المكتبة العربية. وهو امر نتمنى ان يضعه مترجمونا ولاسيما الشباب منهم والمبتدئون نصب اعينهم لكي يتمكنوا من ادواتهم الترجمية إذ ان اجادة اللغة الاجنبية التي يترجم منها المترجم ليست الشرط الوحيد والرئيس لولادة مترجم ناجح وانما هناك محددات كثيرة قد يغفل عنها المترجم ولا يأخذها بالحسبان سواء عن جهل او تكاسل . ونحن اذ نشير الى هذه النقاط ونلقي الضوء على تجارب مبدعينا في هذا المجال وغيره ليحدونا الامل في ان يكون لما نقول الصدى المقبول لدى مبدعينا ومثقفينا . ان الاقتداء بالآخرين ليس عيباً ولا انتقاصاً بل هو امر جوهري يضع المبدع امام بوابة النجاح لتنفتح امامه على مصراعيها وفي الوقت نفسه لايمكن لأي كان الابداع ومواصلة الابداع من دون السعي الجاد للتمكن من الادوات الفنية كل في مجاله. ومن خلال معرفتي الشخصية بالعامري واحتكاكي العملي معه اجزم بأنه لم يصل الى هذه الدرجة من التمكن التي سمحت له بمدّ المكتبة العربية بعشرات الكتب المترجمة المتميزة التي تحتاج اليها  المكتبة الثقافية ومن بينها الكتاب الذي نحن بصدده. اتمنى مخلصاً على العامري مواصلة الدرب من دون الرضوخ للصعوبات والمنغصات ولاسيما وانني اعرف انه يعمل حالياً على مشاريع كبيرة تستلزم مجهودات جبارة عجز عنها الكثيرون بل لم يجرؤ الكثير على الخوض فيها منفردين فلجؤوا الى الترجمة المشتركة ومن هذه المشاريع معجم لغوي ضخم يعنى بالمصطلحات هو تتمة لمعجم سابق كان قد اصدره قبل سنوات. كذلك يعكف على ترجمة رواية تتسم بالجرأة يحاول تقديمها للقارىء العربي في اطار مقبول. اما ما يخص كتابنا هذا فيقول العامري أنه يميط اللثام عن دور إيزابيل رامبو ، شقيقة الشاعر، في تخليد ذكرى شقيقها، فهذه السيدة الريفية المؤمنة التي ترتدي أثوابا صلبة الأقمشة يزمها عند الخصر مشد ضيق ، كانت شاهدة لحظات أخيها الأخيرة ، ومعاناته الرهيبة في أثناء إحتضاره بمرسيليا، فكتبت أن شقيقها يشبه “قديسا” تقرب من الخالق قبل ان يلفظ انفاسه الأخيرة .وهذه أول اسطورة نسجت في رامبو ، وبعثت حيرة أصدقائه, ولكن إيزابيل لم تأل جهدا لترويج الأسطورة هذه . في وقت أنتشرت اشاعات تتهم الشاعر الراحل بانه دهمائي خليع ، درج على تخريب منازل اصدقائه الباريسيين ، وبالغ في معاقرة الخمرة ، وتاجر بالرقيق ، وتسوّد على مجموعة من العبيد بافريقيا،ولم تتراجع إيزابيل أمام الحملة هذه ، وأنكرت صحة الأشاعات ودحضتها.وقاضت ناشر نسخة مقرصنة من أعمال شقيقها صدرت يوم وفاته. فاضطر الناشر الى مغادرة فرنسا . ونظمت أحتفالات دينية على روح شقيقها في الكنائس وطالبت بحصة أخيها من أرباح على شحنة ” بطاريات مطبخ ” كان يتولى رامبو بيعها في الصحراء، وأهملت وتركت نهبا للجرذان والصدأ. وتزوجت إيزابيل بباترن بيريشون ، وهو مثقف من كبار المعجبين بشقيقها ، وطلب يدها قبل مقابلتها ، فهي شقيقة رامبو ، و” بهية الطلّة بالتأكيد ” فخشيت والدة رامبو ، فيتالي ، أن تكون  ميول العريس الجنسية غير سوية فسألت عنه أمير الشعراء ” مالارميه ” الذي سكن مخاوفها،وإثر عقد قرانهما، واصلت ايزابيل وزوجها حملة تلميع صيت ارثر. فبرزت صورته تاجراً أميناً أدى دوراً ديبلوماسياً بارزاً في مفاوضات بين الزنوج والإيطاليين والإنكليز، في القرن الأفريقي. وهذا بعيد عن الواقع الجلي في مراسلات المقربين من رامبو. ولا يشبه شاعر”المركب السكران صورته الأيقونية المطبوعة على قمصان المراهقين في ايامنا هذه. فالشيب غزا شعره. وهو خط السطور التالية في عدن، في 1884:”ربما آن أوان جمع بضعة آلاف الفرنكات من مدخرات حصلتها من هنا وهناك، والعودة الى البلد لأتزوج. والمرجح أن ينظروا إليّ هناك على أني كهل لا ترتضيه زوجاً غير أرملة!”  وأكثر ما يبعث على الدهشة هو أن رامبو، حين وفاته، رآه الناس شاعراً و”مستكشف”أصقاع بعيدة. فبعد أيام على وفاته، كرمته جمعية جغرافية، وأبّنته قائلة:”ذاع صيته شاعراً أكثر مما ذاع صيته مسافراً مستكشفاً. ويقول رب عمله في عدن، ألفريد باردي، إنه أشبه بـ”مذنّب مضيء لا يطيق الثبات في مكان واحد”في إشارة الى تجواله المستمر. ادعو القارىء الى قراءة هذا الكتاب الذي يستعرض بشكل خاص علاقة شقيقة آرثر بشقيقها والتفاصيل الدقيقة لأيامه الاخيرة وملازمتها له حتى انها كانت الوحيدة التي تتابع علاجه وتحرص على تناوله لها. وتظهر الكاتبة الوجه النماصع لإنسانية رامبو الذي تنازل عن الدعوى المقامة ضد فرلين بعد ان اعتدى الاخير عليه بالسلاح واصابه كما تتطرق الى آلامه ومشاعره واحاسيسه التي عمقها البؤس الذي علناه واضطراره الى بتر ساقه.