
كاظم الشويلي في سيرته الذاتية
الثلج يعايش النار
صباح محسن كاظم
ثمة تداخل بين الخيال والسيرة الشخصية “للسارد” في صناعة رواية (السير – ذاتية) بإشتراطات عدم جموح الخيال بعيداً من أجل قناعة المتلقي بأن صانع الحدث يرتكن إلى – صاحب الروايّة- السارد العليم والرائي المُطلع الحقيقي على تجربته الشخصية كجزء من سيرته الحياتيّة الخاصة به . كذلك طبيعة اللغة المُستخدمة في سرد الحدث لاتعتمد التمويه ،والمراوغة ، والإلتفاف ،والمُخادعة بل تنتهج القدر الكافي من الصدق في صناعة الدهشة؛ وإغواء القراءة بإستدراج المُتلقي لمعرفة مصير العلاقات بين شخصيات الرواية الحقيقية غير الوهمية ، يمكن لي أن أطلق عليها سيرة التأريخ الشخصي – للبطل- بتنامي الحدث من خلال الحبكة الفنية في التعاطي مع التأريخ والسرد دون أن يكون المُضمر هو الذي يطغى على سطح الأحداث ،بل تتساوق وتتماهى فصول الروايّة دون أن تقع بفخ المباشره الذي يجعلها مجرد حكي بلاقيمة فنية ،ولاجدوى معرفيّة وجماليّة من النص . القاص و الروائي “كاظم الشويلي” أنجز بروايته( مواسم الثلج والنار ) الصادرة عن دار قناديل /بغداد / 2017/ ب 112 ..في عتبة العنونة هناك المفارقة والتضاد بين نقيضين (النار/ الثلج ) وتحمل دلالات وإزياحات تأويلية أكدتها فصول الروايّة على نار حرائق حروبنا وحيواتنا المكتظة بالعنف التي أراد إطفائها بثلج الحب على قلبه ..ومواسم الغرام التي عاشها بسيارة الحب مع المهندسة “وداد ” الرواية سيرة ذاتية لكاتبها ،بل لم يخفِ ذكر إسمه الصريح ( كاظم ) وكنية زوجته (أم علي) . في ص7- : ( رنت نغمة هاتفي ،أتاني صوت إمرأة رخيم ، قالت بدلال :
– أنت كاظم ؟ السائق المكلف من قبل مدير المشروع بإيصالي من البيت إلى المشروع وبالعكس ؟
– نعم أنا ، هو كاظم الشويلي .
زوجتي أم علي كانت تتباعني وهي تسمعني أتحدث مع إمرأة غريبة.أظنها سوف تفترسني ،…..). قدم لن السارد روايته على طريقة ( الحكواتي ) وكأنه يجلس في مقهى لِيقص و يُحدث الذين يصغون له بشغف :
كيف صعدت إلى جانبه بالسيارة لِينقلها لمقر العمل ،والدهشة لهذا البريق الذي خطف فؤاده ،وأصاب عقله !! والمفاجأة بقولها ص 12 :
( أجابتني بضحكتها المجلجة :
– هل تعلم ياكاظم ؟ إنك نزلت عليّ هبة من السماء ؟ )
وكيف بدأ يدب الحب لقلبه رويداً رويدا وهو يحدث زميل بالعمل “هادي ” رغم الوضع العام المُحبط بالإنفجارات ،والجثث التي تطفو بنهر دجله .. شغفه بوداد يجعله يتصنع الكذب على أهله كما في الفصل السادس ص 20-21 .. ويستمر الراوي بسرده لِيفصح : ( صدقوني لم ولن أضحك على الذقون ،سوف أبوح بكل اسراري وبإختياري طالما إنكم تحبون ذلك ) ص 26 إعتمد الراوي المتكلم ( انا ) فان اغلب مايرد فيها يتخذ أسلوب المشاعر الشخصية ، أو الحوار الداخلي مع الذات (بين الوفاء لزوجته ونزعات النفس للحب وسلطة الشيطان ) ؛ قال لي مبتسما ابتسامة كريهة:
-لن يفيدك القرآن.. تهدر وقتك..
-من انت؟
-انا الشيطان.. ارغب في ان ارافقك..
-رجيم.. لعين.. انزل من سيارتي.
هل انزل انا..!!؟ وانت تبقى مع وداد وتأخذ دوري يا كاظم؟
-انت كلب حقير ايها الشيطان!
-انا كلبك الأمين سيدي، اطفئ غضبك فان الغضب جمرة من الشيطان، واطفئ صوت هذا القرآن) ص28.
مخلوق لعين
كم سيحاول هذا المخلوق اللعين وضع شباكه لاستمالة كاظم للخطيئة، مع وداد الجميلة التي عرضت عليه الذهاب الى الزوراء وهكذا تسير الرواية بالصراع تجعله غير مستقر بالتفكير.. والتصرف ..والحيرة بالرغم إن علاقته بالمهندسة “وداد ” علاقة عمل ،لكن خياله الجامح بمفاتن وداد يؤدي إلى نشوة الغرام ،والتراجع الذاتي بسبب إرتباطه العائلي ، رغم إن كل مافي الأمر هو رابطة عمل لنقل المهندسة من دارها إلى مقر عملها ،ولم تتطور بينها تلك العلاقة الحميمية على أرض الواقع ،فهي مجرد أحلام ورؤى وأمنيات ووعود لاترقى الى مستوى التفاعل الحقيقي بين حبيبين ومن جانب آخر موقفه تجاه زوجته ( أم علي ) شريكة الهموم والمواقف وأم أولاده وبين الاستجابة العاطفية لنزوات الروح و لوداد المُضمّخة بالعطر الباريسي والبنطلون الجينز، التي كانت تحرك في دواخله نوازع الشهوة وتداعب خياله بجمالها وسحرها وعطرها ليظل الصراع مدوياً في مشاعره ، وهذا الصراع كان يخوضه حتى مع زوجته وغيرتها الشديدة على الرغم من ( التمويه ) الذي إستعمله معها بدعوى إنها مجرد عجوز ، لكي يطمئن قلبها ولا تحزن .والحقيقة كانت المهندسة “وداد” كما ينظر إليها السارد “كاظم ” هي ذلك البدر المضيء الذي يتلأليء بسحره وهي بجانبه في مقدمة السيارة بعطرها الباريسي الذي يجعل راسه تدور في كل الاتجاهات وبـ 360 درجة اشبه بجهاز تسجيل حركة الريح !..وهي تلوك اللبان وتطقطق به ، ليتفاجئ بعد ان اخبرته بانها قد خطبت من زميل لها ، فيردد شعراً للشاعر المعروف عبود الكرخى (ساعة واكسر المجرشة والعن أبو راعيها ) لكن هذا الصراع لم يكتمل اذ لم يتقدم نحوها بخطوة إيجابية ،فهو لم يندحر، لكن هذا التأزم الذي ظل يمورُ في داخله ومعه هذا التردد الكبير ، لذا نجده يصرخ بألمْ ( نكون او لانكون ، تلك هي المسالة )حيث انتهت المعاناة (بلا نكون !) حينما استحوذت القيم الأخلاقية قي الوفاء لزوجته عنده ،وانتصرت على حبه فجرى وأده وهو في المهد ،والذي تركه يعاني من التمزق الداخلي ،متمثلا بالاغنية التي أوردها ( حركت الروح لمن فاركتهم …بجيت ومن دموعي غركتهم ).. ويروي بفصول الرواية الأخيرة عن معاناته في الجبهة في الحرب العراقية الايرانية وأحزانه في أقفاص الاسر، أرشف الاحداث بتوثيقها لتلك الفترة من الحرب المُظلمة من تاريخ العراق التي إرتكبها الدكتاتور و التي إمتدت فيها إلى -8- سنوات عجاف ..وقد إرتكب الدكتاتور حماقته حينما أعلن قبل بدء الحرب الغاءه (لإتفاقية الجزائرفي 1975) التي تم التوقيع عليها برعاية الراحل الرئيس الجزائري بومدين ، ومن ثم وبعد ان سجلنا حضورا على الأرض ،قبل بتلك الاتفاقية ثانية ، والتي كانت تقضي بتقسيم شط العرب بين الطرفين بين ايران والعراق ! فلماذا اذن كانت الحرب؟؟ ..سوى أن تكون القتل من أجل القتل ؟ وكان السارد قد ربط ربطاً جميلًا بين الخط الأول للرواية علاقته مع وداد وبين الخط الثاني الحديث عن الحرب ،وكانت تاتي على شكل ومضات او لقطات ارتجاعية نحو الماضي ،كان يرويها السارد بروح موضوعية بما يطلق عليه ادبياً بـ(الصدق الفني ) بحيث تاتي على شكل انثيالات عن تلك الحرب المأساوية لكنها بقدر ماتروى بأسلوب مشوّق وبروح مرحة ،بقدر ماتاتي أحيانا بصورة مؤلمة جدا ، بحيث تعمل على شدّ المتلقي اليها شدّا ، ولعل اجمل مافي سرد الأستاذ كاظم هو ان فصول روايته تاتي قصيرة جدا، لتبعد السأم عن القارئ العصري الا اننا نراه يدخل علينا بدعة جديدة ،الا وهي ان السارد يقوم بتطعيم مشاويره العاطفية تلك ، بالاغاني ، لتاتي منسجمة مع الاحداث والأجواء وشحنها بالمؤثرات الصوتية وكانها موسيقى تصويرية ، تعمل على تحفيز المتلقي في شحن الأجواء بالرومانسية المطلوبة ، الى درجة ان قد أورد ثلاث اغان في احد فصول روايته كما ورد في الفصل 36 ،اضافة الى انه يقدم لنا روحه الدمثة بين خفايا السطور..
وهكذا تاتي خاتمة الرواية حزينة وقد ربطها الراوي ربطاً محكماً وهو يصور المقاتلين الذين اطبق عليهم الخناق في جبل ماوت ( او الموت ) فقرروا الاستسلام .. الراوي هنا بمسارات : الأول مع وداد بالرضوخ لاقداره وعدم تخطيه لعتبة التردد ،والثاني حينما تم إستسلام الجنود المحاصرين للجيش الإيراني في إنكسار مريع وتفضيل اقفاص الاسر على الموت في حرب لامبرر لها ؟ ويصل بنا السارد الى القمة في ثيما الرواية (الثلج والنار ) وكنت أتمنى ان تكون ( الماء والنار ) حينما يذكر لنا مذكرات ( عبد الزهرة سوادي ) التي تجيء اشبه بسوناتات حزينة مفعمة بالانسانية والود الجميل والحنين الى زوجته وعياله ، حيث ينتهي نهاية درامية مؤلمة تماما ،وهو يقدم دمه مهراقا مع الاخرين ، ليبقى الحاكم متمسكا بالكرسي والسلطان ، وليتمتع بخيرات الأوطان ، بينما يدفع أمثال عبد الزهرة من الفادين رقابهم في حرب لاناقة لنا فيها ولا جمل ! .
في الفصل 42 ص94 :
– كانت وداد تصغي لاستذكاراتي ايام ولحظات وقوعنا في الاسر باهتمام شديد، كنت الحظ ملامحها تتلون بالخوف والشفقة والرهبة ،وكأنها هي من وقعت في الأسر .. تذكر الناقدة أ-د- نادية هناوي سعدون في بحثها الذي قدمته بمؤتمر السرد الثاني في 5-6 2017 وقد صدر ضمن كتاب عن بحوث السارد ..رائيا
(التسريد في الرواية السير ذاتيه التخيلية ) ص 137 :
( ولعل أهم ماتتطلبه كتابة رواية التاريخ هو وجود الوعي الذاتي بفن الكتابة السردية وكيفيات التباس الأزمنه وتقاطعها ليطف الماضي مع الحاضر أو يتداخل الواقعي بالتخييلي ايهاما عبر تقانات محددة كالنهايات المفتوحة وفنطزة الواقع واسطرته ومركزية رؤية البطل …)
























