قوم يتفاكهون قيل لجماعة ما صنعتم برمضان فردوا اجتمعنا ثلاثين رجلاً وصمناه يوماً واحداً فاسترحنا
النبي محمد ص قاسى مع أصحابه الجوع للإحساس بالفقراء
يبقى الصائمون أيام رمضان الكريم ممتنعين عن تناول الطعام والشراب منذ وقت السحور إلى غياب قرص الشمس وقت الغروب، إضافة إلى تحلي الصائم بالأخلاق الحميدة الأخرى التي يجب أن يحافظ عليها كل صائم وصائمة. فالجوع نقيض الشبع.. والفعلجاع يجوع جوعاً وجوعة ومجاعة فهو جائع وجوعان والمرأة جوعى وهو الجمع ومثله جياع وجُوَّع، وتقول العرب جِعْتُ إلى لقائك وعطشت إلى لقائك .
قاسى النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه الكرام الجوع وألمه القاسي الشديد، فلقد جاعوا وهذّبوا أنفسهم لتذل وتتهذب على الإحساس بجوع فقراء الناس، وهذا من ميزات رمضان إذ يحسّ الصائم الميسور الحال بأحوال إخوانه وجيرانه وأبناء مدينته من المحاويج الفقراء، وهم على هذه الحال طوال حياتهم. يقول رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ عُرِضَت عليَّ مفاتيح خزائن الدنيا، وكنوز الأرض فرددتها وقلت أجوع يوماً وأشبع يوماً، أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت . وكان المصطفى ــ عليه الصلاة والسلام ــ يدخل على أهله ويسألهم هل عندكم شيء فإن قالوا نعم أكل، وإن قالوا لا قال إنّي صائم. وهكذا سار الخلفاء الراشدون على هَدْيِّ النبي العظيم، ومثلهم الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين. وقال النبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ في بيان الالتزام بالصيام ومعرفة الآداب الإسلامية للصائمين في قول وفعل وليس في عدم الأكل والشرب كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش ، أو قوله الكريم في حديث آخر من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أنْ يدع طعامه وشرابه .
التّمرُ
تحفل موائد الإفطار بألوان وأصناف من الأطعمة الرمضانية الخاصة به، ومن ضمن مائدة الفطور وجود التّمر، وقد شرِّع الإفطار على التمر، كونه حلواً وكل حلو يقويّ البصر الذي يضعف بالصوم. وحضّ رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم؟ المسلمين أن يبدأوا فطورهم على التّمر، وهذا نابع من شفقته على المسلمين ونصحهم جميعا. وقال صلى الله عليه وسلم بيت لا تمر فيه جياع أهله . وثبت عنه أنه أكل التمر بالزبد، وأكل التمر بالخبز، وأكله مفرداً. وكان ــ عليه الصلاة والسلام ــ في غير رمضان يستحب إذا أفطر أن يكون على لبنٍ، وفي رمضان كان لا يصلي المغرب حتى يفطر، وعن أنس أنّه قال كان رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات، حَسَا حسوات من ماء . وعن السيدة عائشة أم المؤمنين ــ رضي الله عنها ــ أنّها قالت قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ رأيت عمر ــ رضي الله عنه ــ يلقي إليه الصّاع من التّمر، فيأكله حتى حشفه. وفي يوم عيد الفطر كان يطعم قبل أن يخرج إلى المصلى وكان يأكل تمرات . وكان عليه الصلاة والسلام يحبُّ العراجين ويكثر منها. ويقول في التمر نِعْمَ غذاء المُؤمِن الحَفْنَة من التّمر . وللتّمر خاصية عجيبة، لا سيما تّمر المدينة، خاصة العجوة منه، وهو غذاء فاضل حافظ للصحة، ولا سيما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم. فالتمر لهم يكاد يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم وهو قوتهم ومادتهم. ويُعد تّمر العالية من أجود أصناف التمور، ويكون عندهم بمثابة الحنطة لغيرهم فهو شديد الطعم صادق الحلاوة.
مُفاكهات الصائمين
كان لشهر الصوم مع الناس عبر أيامه المتعاقبات مواقف جادة وأخرى طريفة. وروت لنا أسفار الأدب والتراث العربي الكثير من تلك المفاكهات التي حصلت في رمضان، فاسمه رمضان له رنّة فرح وترنيمة عذبة على شفاه الصائمين، حيث تعقد في لياليه المجالس وتدار فيه الأمسيات، لتروى خلالها الحكايات والقصص وكلّ الطرائف والظرائف، ومن تلكم النوادر والمفاكهات التي جرت وقائعها أيام الصيام شذرات مما خلده الأدباء والشعراء في تلك الأيام والعصور السالفة.
من المُفاكهات
جاء رجل إلى الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه في شهر رمضان فقال له دخلت دارا فأطعموني ولم أدر؟ فقال له أطعمك الله وسقاك.أي لا عليه إثم لأنه نسي أنه صائم في رمضان. وقيل لمزيد المدني صوم يوم عرفة يعدل صوم سنة؟ فصام إلى الظهر، وقال يكفيني ستة أشهر فيها رمضان
كذلك صعد ناس ليلة لمشاهدة هلال الصوم، لكنهم لم يروه، فلمّا همّوا بالانصراف شاهده صبي وأرشدهم إليه فقال له أحدهم بشِّر أُمكَ بالجوع المضني ورويّ أنّ أعرابياً مرَّ ذات يوم وهو يحمل رغيفاً من الخبز برجل صائم يحمل سيفا، فقال الأعرابي أتبيعني سيفك برغيفي فأجابه الرجل أمجنون أنت؟ فقال الإعرابي وما أنكرت متى؟ أنظر إلى الرغيف والسيف أيهما أحسن أثراً في البطن.
وقد خرج أبو عيسى بن جبريل إلى متنزه ببغداد ومعه الحسن بن هانئ ــ أبو نواس ــ في آخر شهر شعبان، فلما كان اليوم الذي أوفى به شهر شعبان على الثلاثين قيل له إنّ هذا يوم شك وبعض أهل العلم يصومه، فقال لا عليك.. ليس الشك حجة على اليقين؟
مع الفقيه
وجاء رجل يوماً إلى فقيه للفتوى في شهر رمضان فقال له لقد أفطرت يوما بعذر؟ فأجابه الفقيه أقضِ يوماً؟ قال الرجل قضيت وأتيت أهلي وقد صنعوا؟ميمونة ــ فامتدت يدي إليها وأكلت منها. قال الفقيه اقضِ يوما آخر. قال الرجل قضيت وأتيت أهلي وقد صنعوا ــ هريسة ــ فسبقتني يدي إليها وأكلت منها فقال الفقيه للرجل الرأي إنك لا تصوم إلا ويدك مغلولة إلى عنقك؟
أشعب والجَدْيّ
وقال المدائني إنّه كان لزياد بن عبد الله الحارثي جَدْيٌّ لا يمسّه أحدٌ فعشَّى قوماً في أحد أيام رمضان فيهم أشعب. فعرض أشعب للجَدْيِّ من بين القوم. فقال زياد حين رفعت المائدة أما لأهل السجن إمام يصلي بهم؟
فقالوا لا
قال فليصل بهم أشعب
فقال أشعب أو غير ذلك أيها الأمير؟
قال ما هو؟
قال أشعب لا آكل لَحْمَ جَدْيّ أبداً
الرجل البخيل
كذلك قيل لبعض الناس كيف صنعتم في رمضان؟ فأجابهم اجتمعنا ثلاثين رجلا فصمناه في يوم واحد واسترحنا فيه. ومن مفاكهات شهر الصيام أنّ رجلاً بخيلاً كان يصوم الاثنين، فأنشد أحد الشعراء فيه قائلاً
أزُورُكَ يَوْمَ الصّومِ عِلْماً بأنّني
إذا جِئْتُ يِوماً غَيْرَه لا أُعْلِّمُ
مَخافةَ قولِي إنّني جِئْتُ جَائِعاً
ولو قُلتها أيضاً لما كُنْتُ أُطعَمُ
بين نصيب والأحوص
يروى أن نصيباً الشاعر دقّ على الشاعر الأحوص بابه، فأبطأ عليه، وكان الأحوص حين سمع صوته راح يخفي ما كان أمامه من طعام وشراب حتى لا يراه نصيب مُفطراً في شهر رمضان. فلما فتح الأحوص الباب، خاطبه نصيب قائلاً أراك أبطأت عليَّ ؟ فأجابه الأحوص كنتُ أقضي حاجة. فقال له نصيب وأين عبيدك يفتحون لي، إنّما كنت تأكل وكنت تخشى أن أراك، فأنشد الأحوص قائلاً
اللهُ ربـّي يَغْفِر الذُنُوبَـا فَلا تَكُنْ من دُوْنِه رَقيبا
إنْ شِئْتَ قَدَّمْنّا لكَ الحليبا وإنْ تَشَأ فالرَّطَبَ العَجيبا
مِنْ هَجَرٍ جِئْنا بهَِ رَغيبا نُغْرِي بهِ العُيونَ والقُلوبَا
ــ وأنشد الشاعر نصيب رداً على الأحوص قائلاً
كُلْ ما تشاءُ إننّي لصَائِمُ واللهُ رَبّي بالقُلوبِ عَالِمُ
والنَارُ فيها لذُنُوبٍ جَاحِمُ وكيفَ يَنْجُو في الحِسَابِ الآثِمُ
إنّي على ذَنْبِي لَدَيْهِ نَادِمُ وليسَ لِي مِنْ نَوْمِ رَبّي عَاصِمُ
ومن طرائف الصيام أنّ أحدهم سأل طفيلياً ذات يوم أي سورة تعجبك في القرآن؟ فأجاب سورة المائدة. وقيل له فأيّ الآيات منها؟ فقال له ذَرْهُم يَأكُلوا ويَتَمَتَّعُوا ، سورة الحجر»3
ابتهالات الروح
تلاوة الذكر الحكيم
يحرص صائمو رمضان المبارك خلال أيامه الكريمة على تلاوة الذكر المجيد، ويبدأوا بتلاوته ليختموه في اليوم الثلاثين، لما لكتاب الله الجليل من فضل وأجر وهداية لقارئه ومرتله ودارسه. ونرى أنّ القرآن العظيم قد حثّ المسلم على قراءته وتدبر آياته، ومعرفة أحكامه.
ولبيان فضل كلام الله الكريم، روى الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إنه قال مثل الذي يقرأ القرآن كأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي يقرأ القرآن كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها مر وطعمها مر ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مُرّ ولا ريح لها .
حُسْنُ التلاوة
أما عن حسن تلاوة القرآن العظيم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث شريف الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم ، وعن استذكار كتاب الله العزيز، فرويّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنّ رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال فإنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إنْ عاهد عليها أمسكها وإنْ أطلقها ذهبت . وروى ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنّ النبيّ ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال أقرأ عليّ القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إنّي أُحِبُ أنْ أسمعه من غيري، فقرأ عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية، سورة النساء»41 فَكَيْفَ إذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هُؤلاءِ شَهِيدا . قال حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. وعن أبي موسى الشعري؟رضي الله عنه ــ أنّ رسول الله؟صلى الله عليه وسلم ــ قال لقد أوتيت اليوم مزماراً من مزامير آل داود .
بسم اللهô
نستفتح قراءتنا لسور القرآن العظيم بلفظ بسم الله الرحمن الرحيم، عدا سورة براءة والسبب في سقوطها منها أنّه كان من شأن العرب في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه، كتبوا لهم كتاباً، وقد يكتبون فيه البسملة، ولما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان للكفار، قرأها عليهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ ولم يبسمل على ما جرت عليه عاداتهم. وقد سأل ابن عباس رضي الله عنهما علياً عن ذلك فأجابه بقوله لأنّ البسملة أمان.
وكان الصحابي الجليل سعيد بن المسيب يستفتح قراءة القرآن ببسم الله الرّحمن الرّحيم ويقول إنّها أوّل شيء كتب في المصحف، وأوّل الكتب، وأوّل ما كتب به سليمان بن داود .
معاني الكتابô
من خصائص كتاب الحقّ تعالى كثرة أسمائه، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى لذا سماه عزّ وجل بخمسة وخمسين اسماً، وهو أعلى الكتب المنزلة على الرسل والأنبياء، وسُمِيّ القرآن كتاباً كقوله تعالى في سورة غافر»1 حَم والكِتابُ المُبينُ . وسمّاه قرآناً في سورة الواقعة»77 إنّهُ لَقرآنٌ كَرِيمٌ ، وهو رحمة في سورة يونس»58 قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ وبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مّمّا يجمَعُون . وشفاء في سورة الإسراء»82 ونُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ماهُوَ شِفَاءٌ ورَحْمَةٌ للمؤمِنِينَ . وقال جلّ جلاله عن القرآن العظيم بأنّه العُروة الوثقى في سورة لقمان»256 فَقَد استَمْسَكَ بالعُرْوَةِ الوُثْقَى . ومن أسمائه في القرآن أيضاً النبأ العظيم في سورة النبأ »2 عَمَّ يَتَساءَلُون عَنِ النَّبأ العَظِيمِ ، وسُمِيَّ الزبور في سورة الأنبياء» 105 وَلَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكرِ أنَّ الأرضَ يَرِثُها عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . والقرآن المعجز هو الحبل، يقول عزّ من قائل في سورة آل عمران»103 واعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا . ودستور المسلمين هو البشير والنذير لهم في سورة فُصلّت»4 بَشِيرَاً ونَذِيْراً فأعرَضَ أكثَرُهُم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . وكتاب الله الهادي للتي هي أقوم في سورة الإسراء»9 إنّ هذا القُرآنَ يَهْدِي للَّتِي هِيَ أقْوَمُ ويُبَشِّر المُؤمِنِينَ .
لا تسافروا بالقرآن.
أكد القرآن المعجز، على تذكره، وتلاوته وتدبر معانيه، وفهمه، بل ومعرفة كل حرف من حروفه المباركة. ولكون العلماء ورثة الأنبياء، فإنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون أن يأخذ المعلم أجراً على تعليم الغلمان، وكانوا يكرهون بيع المصحف الشريف لأنهم يرونه شيئاً عظيماً.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن حمل كتاب الله إلى أرض العدو، فيقول لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو فإنِّي أخاف أن يناله العدو . ويروى عن ضرار بن عمرو عن الحسن أنّه قال عن قُرَّاء القرآن الكريم قُرَّاء القرآن ثلاثة رجلٌ اتخذه بضاعة ينقله من مِصْرٍ إلى مِصْرٍ ــ الجمع أمصار ــ يطلب به ما عند الناس، وقد حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، واستبدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم ورجل قرأ القرآن فبدأ بما يعلم من دواء القرآن فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله وهملت عيناه تسربلوا الخشوع وارتدوا الحزن، وذكروا فيه محاريبهم وجنوا في برانسهم فيهم يسقي الغيث، وينزل النصر ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن من الكبريت الأحمر .
/7/2012 Issue 4261 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4261 التاريخ 26»7»2012
AZP07
























