قراءة في كتاب دراسات بتاريخ الموصل

قراءة في كتاب دراسات بتاريخ الموصل

سعد الدين خضر

بغداد

نشر السيد يحيى صديق يحيى كتابه الجديد (دراسات في تاريخ الموصل في القرنين التاسع عشر والعشرين) الذي ترجمه عن الأنكليزية وأصدره منتصف عام 2013 في الموصل. ويقع بأكثر من مئتي صفحة من الحجم الكبير، ويتوفر على أربعة مباحث (فصول) أولها: موصل القرن التاسع عشر والتجارة الأقليمية، مراجعة دور آوربا في اقتصاد الشرق الأوسط.

ثم مبحث: البدو والتجارة والأغنام في موصل القرن التاسع عشر: تحولات في مجتمع عثماني..، ويليه فصل طموحات فرنسا في الشرق الأوسط، مفاوضات سايكس بيكو وحقول نفط الموصل 1915-1918..، وأخيرا مبحث: سجال محتدم وخطر، بريطانيا وتسوية مشكلة الموصل 1918-1926.

ولاشك أن أختيار المترجم لهذه الموضوعات الحساسة والخطرة قد جاء على وفق قراءته للتفاعلات التي تحكم الراهن السياسي الأقليمي والدولي في هذه الأيام.

قبل ما يقرب من قرن من الزمن، كان أديب لبنان وفيلسوف الثقافة ميخائيل نعيمة قد كتب مسرحية (الآباء والبنون) التي نشرها في نيويورك عام 1917 يوم كان مهاجرا يعيش في أمريكا..، في تلك المسرحية نجد أن بطلها (الياس سماحة) يحكي لصديقه (داود) كيف أن أمه تروي عن خالها (شاهين بك) وهو تاجر ماشية، أنه لما كان ذاهبا الى الموصل لشراء الأغنام هجمت عليه زمرة من قطاع الطرق ولم يكن معه سوى هذا الخنجر المعلق على الحائط – كما في مشهد المسرحية – فقتل منهم من قتل ومزق شملهم وأخذ حصان ورمح زعيم العصابة، نفق الحصان بعد حين وبقي الرمح الذي تراه معلقا على الحائط.. العبرة من ذكر هذه المسرحية القديمة أن الجميع كان يعرف أهمية الموصل الاقتصادية، المعروفة بإنتاج الحبوب واللحوم والجلود والصوف ومشتقات الألبان وزيت السمن الحيواني منذ زمن بعيد وحتى اليوم.

الموصل كانت تزود الأسواق العثمانية والآوربية بالمنتجات الزراعية والحيوانية كما يشير الكتاب رغم أن حركة الانتاج تلك لم تكن سهلة حيث كانت للمنتجين الرعويين والزراعيين من سكان ريف الموصل والبادية والجزيرة كانت لهم مواقف من أهل المدن (الحضر) تتراوح بين الاتصال والتعاون وبين الابتعاد والتنافس.. هذه الظاهرة انتبه لها حتى الأدباء والفنانين فصوروها في نصوصهم وأعمالهم كما في الاشارة التي وردت في مسرحية ميخائيل نعيمة (الآباء والبنون).

إن نظام الانتاج الزراعي والرعوي القائم في منطقة الموصل كانت له خصائصه وسماته وكانت التفاتة ذكية من المترجم يحيى صديق يحيى أن يفرد فصلا اختاره من كتابه لتأكيد أهمية الانتاج الزراعي والرعوي في الموصل (وهو المبحث الثاني من ص63-99) وأعني به مبحث (البدو والتجارة والأغنام في موصل القرن التاسع عشر: خلق تحولات في مجتمع عثماني) وقد كتبته (سارة شيلدز) وقدمت فيه عرضا سوسيولوجيا للبداوة في منطقة الموصل ولنظام الانتاج الرعوي ولحياة البدو الرحل وسكان الريف الذين تفوقوا في مهنة الرعي وتربية الماشية وانتاج المشتقات الحيوانية.

إن هذا الكتاب (دراسات في تاريخ الموصل في القرنين التاسع عشر والعشرين) يعتبر وثيقة بحثية علمية متنوعة المصادر، ومما يعزز أهميته أن الأستاذ الدكتور جزيل عبدالجبار الجومرد قد راجعه وعني بترتيب سياقاته التاريخية والمعرفية.