قراءة في قصيدة متى يبدأ العناق؟.. لقاء بلا مصير
عامر صادق
إِن الشاعر لا يستطيع ان يكون موضوعيا ، او يقف إزاء الأحداث التي يمر بها موقفا محايدا لا شأن لأفكاره وتوجهاته وميوله الخاصة به . لكنّ عادل ادهم كان يرى نفسه على الدوام مختلفا عن أقرانه ، إذ أن الحقيقة المنزهة الخالصة تسمو على كافة تطلعاته ، وهو هدفه المعلن دائما . ومع ذلك فإننا نراه إنسانا بمعناه التقليدي ، لأننا نلاحظ انه لا يستطيع ان ينسلخ كليا عن حضارته ، وعن بيئته ، وعن تربيته . وان كنا قد رأينا في كتاب الشاعر ما يدل على انه يحمل قدرا ، على الأقل ، من تحيزات تجاه حضارته وبيئته ، وفي استطاعتنا ان نجد في مجموعته الشعرية (طائر الأمس ) أمثلة لتحيزات أخرى أضيق نطاقا .. ويكفي دليلا على ذلك ، العرض الذي ابتدأ قصيدته بِهِ قائلا :
دقت طبول التحرير
تـناثرت . .
زوبعة من رسائل الهجاء الطائرة،
راسي على كفي . . !
لا ادري أين سأضعه ؟
تمكنت من تخويف خوفي
هزتني جشأة مخنوقة
كي يمحو سفينة التقدم
في التأديب من الغرق
انتشلوا أمعاء جنة البؤس
لعل مطلع القصيدة إشارة واضحة على هذا التحيز لواقعه المرير الذي أراد أن يجسد من خلاله الواقع المفروض عليه ، على بيئته ، على بلده ذلك الواقع المليء بالخوف الظاهر والمستتر حتى يكاد يقع في إشكالية ( الوعي المزدوج ) ذلك الانطباع المشوش في الوصف ، نراه يجسد هذا الخوف بتلك العبارة المتأصلة في جذوة النفس البشرية والتي صاغها بهذه العبارة (تمكنتُ من تخويف خوفي ) نعم حين يبلغ القلق درجات لا يسيطر عليها الإنسان ، فانه يعيش في حالة الوعي ( اللا متزن ) مؤسسا لنفسه منهجا جديدا وغريبا ومختلفا كليا عما يألفه من انساق يعرفها ، إنها ورطة النفس بالنفس . . ورطة الخوف بالخوف . . ولا شك ان شاعرنا قد عاصر الكثير من الأحداث الغريبة في بيئته من حروب وقتال وقتل وخوف وألم .. لكنه بالضرورة قد تجاوز إلى حد غير قليل تلك المرارة المنبعثة من العداء مابين نفسه وبين الواقع البشع ، في مقابل ذلك أبدى عادل ادهم نضوجا فكريا واضحا في موقفه تجاه هذه الحياة المتعجرفة التي نراه مرغما على تـقبلها ، فهو يفرد في أبياته معان كبيرة ليرينا مدى مرارة هذا الواقع الذي يتصارع معه قائلا :
دقت طبول اللعنة،
هي تمسك بزمام عفافي
قالت . . هل تخاف الموت ؟
قلت . . هو رماد السعادة
تستيقظ الآهات من سبات دهري
لعلي اشفي من اختلاجاتي
تملكت البؤس
تدور مثل أجنحة مطحنة . .
نعم ، هذا بالفعل واقع جديد لم يعرفه الشاعر طوال تاريخ وعيه المستـنير . . لم تعد المسالة اختلافا في التربية والعادات ، او حتى في التقاليد .. إنها قيم جديدة مضافة طرأت على حياته وواقعه ، قيم لم يألفها ولم يرى مثيلا لها ، إنها تولدت من رائحة الموت وارتوت من ذاكرة الخوف وهذا ما قال عنها في هذه الأبيات :
في رماد السلطة الساخن
لم يبقَ في بلدي سوى
رائحة البارود
في دفق النحيب
لرؤوس مقطوعة …
البارود وما تحملة من دلالة ورمزية واضحة للموت ، البارود الذي لا يعرف الا الموت ، ليست ميتافيزيقيا او تجريد . . إنها انقسام حاد في الحياة التي أصبحت لا تطاق والملفت ان هذا الانقسام الحاد لا يعبر عن الانقسام الإيديولوجي لمفهومي ( الحياة والموت) إنما هو انبثاق لفكرة خطيرة ولمبدأ ( لا مبدأي ) لم يعرفه التاريخ من قبل، إنها ( العدم ) و(اليأس) ، فكرة جسدها شاعرنا بقوله :
تـقلصت الأمنيات
برائحة الشموع الجنائزية،
بصراحة الموت
عبر نسيج العنكبوت
يستبقون المؤامرات
قبل ان تتفتق الأذهان
وتحترق ذابلة الانطلاق،
آه يا عراق . . آه يا عراق
تلك اللوعة التي لم نعهدها في كتابات الشاعر ليست هي إلا مجرد إنذار مبكر لوضع جديد طارئ ، لم يعهده في حضارته وفي بيئته ، إنها تعبير عن تمزق الحياة وتمزق الإنسان فعندما نعجز عن تحقيق التـفاهم بين العقول ، برغم ادعائها الدائم بأنها هي وحدها التي تخاطب عقل الإنسان – أي إنسان – بموضوعية وتنزّه ، فتلك هي أقوى مظاهر الإخفاق في الإنسانية جمعاء، حين نجعل (الانقطاع واللاتفاهم ) أساس التعامل ومظهر من سمات مجتمعنا تكون رائحة الخوف والأنين هي السائدة وحين تكون الطائفية والمذهبية والقومية هي البديل فلنقرأ على هذه الأمة السلام .
وفي صراخ الشاعر ضد هذا الوضع ، هذا القدر المفروض يعلن رفضه صراحة بأبيات واضحة :
متى ينطق الوليد
هاجرا لسان الصمت
لتحتفي أشجار النخيل
وتفيض الفراتان
بلا فراق
لم نحم سفينة التقدم
في التأديب من الغرق
دقت طبول التحرير. .
دقت طبول التحرير لدى شاعرنا،دقت في نبضات قلبه وفي لسانه وكلامه وفي كل شي،إنها انتفاضة الذات على الذات تمرد نحو التمرد ، فوضى خلابة يحدثها الشاعر رافضا هذا الواقع المرير. انه تحفيز ليفكر الإنسان بمزيد من الوعي ليحقق السلام المنشود في نزعة كل محب ، ويختتم شاعرنا هذه الانتفاضة بأبيات التخويف والإنذار الذي نوهنا عنه آنفا ، قائلا :
دقت طبول اللعنة
فمتى يبدأ العناق،
اخرجُ من ضباب حدادي
انه الوفاء انه الإخلاص انه الألم معا، كم أنت غيور على وطنك المليء بالجراح ، كم أنت منتفض له ، تشارك همه، انك أصيل وأبيت ان تستسلم للدموع، أنت شامخ كما نحن بشموخ هذا الوطن . عادل أدهم أيها الثائر أيها الجميل .. دمت للكلمة حبا ووفــــاء ..























