قراءة في جئت متأخراً.. نصوص التنسك تؤطر لوحة العصاب

قراءة في جئت متأخراً.. نصوص التنسك تؤطر لوحة العصاب

حميد عمران الشريفي

    العصاب هو اضطراب عقلي، لكنه لا يؤثر على الوظائف الأساسية في الشخصية مع وعي المصاب بهذا الاضطراب.. هذه هي لعبة الرواية التي نظمها الروائي دون أن يبيح بها، ولكنه نثر أعراض الحالة بين سطورها بتلقائية، وعندما نبحث هذه الأعراض نفسيا نجد أهمها؛ شعور المريض بانزعاج واضطراب في مركزه الاجتماعي، وميله إلى العدوان والسخرية من الآخرين ومن نفسه، وبإقدامه على الانتحار، وإصابته بالأرق، ويبدو مرهقا وعاجزا عن العمل، وهذه الحالات بدرجات مختلفة هي التي انعكست على شخصية البطل والراوي الضمني للرواية صفاء، وهي تعبير رمزي عن المأساة النفسية في لا وعيه، فنراه ينتعش في مواقف اللذة المعنوية أو المادية فتطفو النرجسية على مواقفه وتصرفاته، فاذا عنف تحولت نرجسيته إلى عصاب عنيف..

وعند مرورنا بسيرة البطل وهو يتذكر الصبية لبنى التي مسحت شعره أثارت في نفسه قشعريرة لم يعرف سرها بقيت أمام لمساتها كأرض صخرية يجري من تحتها الماء من دون أن ينبت شيئا فوقها – ص9.. ولعل موت أخيه رزاق الأخ الأكبر والأب الثاني الذي كان في البيت كقارب يحملنا، يتماوج بين قسوة أبي الحانية وعاطفة أمي الطاغية قد ترك حزنا عميقا في نفسه، وشعر أنه فقد المعين والقدوة والمؤثر- وخاصة في تقليده له بشعره الطويل المنسدل الذي اعتز به – فنجده بعد سنوات عديدة من رحيله وفي لحظة شعور بالضياع وتفكير بالانتحار يتمنى أن يكون رزاق حيا ليبثه شكواه كل يوم أنا في شأن، كل يوم لي جدار أبحث فيه عن وجهي، في تلك اللحظات تمنيت لو أن رزاق أخي مازال حياص93.. فلا زوجته عوّضت هذا الاشتياق ولا أخوه الثاني سامر برغم أنه كان قرينه وزميله في معهد المعلمين، إلا أن حاجزا كان يفصلهما في المعهد وفي الحياة.. ولا أخته وهاد التي قلدها في حركات الصلاة، تلك الصلاة التي كانت كنقر الديك قد أوصلته – أي الصلاة – إلى التنسك والالتزام الديني الذي تعمق مع نصائح الأستاذ رياح مدرّس الإسلامية، ليصل في اعتقاده بالتمسك بالنصوص إلى الاعتقاد بعمارة روحة من عمارة المسجد والتواصل معه، وأوصد الأبواب في وجه المستفزين كزملائه المستهزئين والست رفيدة مدرسة الكيمياء التي هرب منها ومن الصف، بل حتى إنه لم يسمع نصائح والده بالتخفيف من سهره وعبادته.. كان يقنع نفسه أنه يسير بوعي لم أكن أتحرك كإنسان آلي، ولكن سائق السيارة يتقن ماذا يفعل عند المنعطفات والحوادث وغيرها من دون أن يفكر.. أسلم طريقة لتجنب كل هذا هو المسجد – ص50.. إلا أنه بدأ يخرج من دائرة النصوص الدينية، وبدأ التزامه يخفت بعد قراءته كولن ولسن ووفاة ندى زوجة أخيه وابنة خالته التي رثاها مع نفسه متهكما من الموت متسائلا الله ينهي حكايانا بالموت، ونحن ننهي حكايانا بـ- العيشة السعيدة ، ثم ترك المسجد عندما اعتقل ضياء صديقه في المسجد.. بدأ يبحث عن روحه في خريطة رسمها بالتناقضات وعلاقاتها.. العدم والصراع والاختلاف والتمزق والانحراف، يتنافر فيها القلب والعقل والعيون والذات وكلها في النهاية تؤدي إلى السخرية من القلب.. هذا القلب الذي كانت نساؤه محطات لم يستطع الركون إليهن لما يحمله من نفس هاربة وانهزامية فـمديحة الموظفة التي طبّق معها سنتين لم يستطع مصارحتها بحبه، وفي النهاية ترك لها ورقة يعترف لها بحبه وغادر دون أن ينتظر أو يعرف جوابها، وناصرة التي لحقها، وكادت تكون مشكلة، ولم يفعل لها سوى التحديق كأنها مجرمة تخفي بين قسمات وجهها آثار الجريمة، وأوهمته أنهار زميلته في المدرسة بعاطفتها وملاطفتها، لكنها غادرته حالما اصطدمت بفلسفته التي تخالف رأيها..

لم يستطع أن يتحول بعالمه العاطفي إلى عالم أفضل يرضي ميوله النصوص التي بدأت تنهار في داخلي ما زالت أحجارها متناثرة في أرضي تعوق خطواتي و لا أجيد القفز –ص74.

وجد في مرآته سلوة للحديث معها لمعرفة شخصيته وصارح زوجته أنسام الذي اعتبر زواجه منها معجزة، بحبه لها في حديث عائلي، لكن زواجه لم يمنعه من حبه الصامت إلى سمر زميلته الطالبة التي تصغره بأربع عشرة سنة أثناء دراسته الجامعية المتأخرة، ولم يستطع الاعتراف لها، حيث اعتبر الاعتراف مقصلة تقتل العلاقة التي رسمها..

واخيرا جاءت أحلام صفاء متأخرة عبر الفيسبوك، وهو تلميح إلى التطور العلمي في خلق المعجزات، فإن محاورات الفيسبوك سهّلت له التقرب من حبّ متأخر كاد يغرق في عصابه وإحجامه، ذلك الحال الذي رافقه يبرره أحيانا بانه ناشئ عن مؤثرات خارجية، كتخوفه من السباحة لأنه كاد يغرق عندما ذهب إلى السباحة خلسة في صباه، كذلك عدم حبه للعمل لأن والده منعه عندما وجده يعمل مع صديقه في بناء بيتهم..

فـالفيسبوك هنا هو الروح المتطورة للقلم الذي يجيد لغته أكثر من اللسان الذي لغته تشكو صمته طويلا..

ابتدأت الرواية من حيث نهايتها بلقائه وتجواله مع الحلم المرأة التي لم يذكر اسمها برغم أنه ذكر اسماء جميع النساء وحتى زوجته.. ثم عاد إلى تدوين ذاكرته..

قسّم الراوي الرواية إلى عشرين قسما، أعطى عنوانا لكل قسم، سرد خلاله حياة البطل على شكل مواقف وتأثيرات؛ لقد تأخرت، تفاح طفولتنا، شعر منسدل، نقر الديك.. حتى آخر العناوين الدلالية.

اعتمدت الرواية على بطل واحد هو صفاء الذي برز وسيطر على الأحداث، وكان الواجهة في علاقته مع الشخصيات الأخرى سلبا أو إيجابا.. وكانت الذاتية هي الطاغية ومنطلق الصراع مع البطل، والتي تتجسد أحيانا في المرآة أو القلم أو روحه الغامضة..

رواية جئت متأخرا / علي الحديثي / صادرة عن روايات إحدى شركات مجموعة كلمات الإمارات – الشارقة .. الطبعة الاولى .2016