فوق تلة – محمد حسن عمر – بغداد

فوق تلة  – محمد حسن عمر – بغداد

– تعال معنا يا ولدي .

     صرخَ بي والدي هيا أتبعنا أو أبقى مع الأخرين، كان عليّ أن أختار، فلم يكُن لدي الوقت للتفكير حيث الدقائق حاسمة. عموماً تبعت والدي وعمي وهما يأخذان طريقاً مختصراً مملوء الصخور يعلو تلك السلسة البشرية بمئتي قدم تقريباً، طريق وعر، وضعتُ قدمي المتهالكة على الأرض، أسرعنا الخُطى، بدأت الصخور تتحرك، بعضها يصيب الناس أسفلنا، أنتم ماذا تفعلون أيها المجانين؟ من شدة الوعورة لم يكُن إلا القلة أمثالنا من المخاطرين يتبعوننا، وصلنا قُبالة الجسر بدأنا الهبوط، اقتربنا كثيراً، صخرة ملساء كأنها مصقولة أه أه إن الهبوط منها خطير جداً يسرع من اندفاع المرء ولعله لا يتمكن بعد هبوطه من التوقف فالمسافة بينها والنهر الجارف ليست سوى أمتار قليلة، حركة خاطئة وأجدُ نفسي في قعر النهر، نزل عمي، تبعه والدي، ترددت قليلاً خفت أن يتركوني، تدحرجت منها، لم أتمكن من الوقوف، تم الإمساك بيدي من قبل أحد العابرين وهو يقول، إلى أين أيها الأحمق هل تريد أن تكون طعاماً للأسماك؟ في تلك اللحظات تساءلت لماذا لم يساعدني والدي؟ لعله كان كالإسبارطين حينما كانوا يتركون صبيانهم في قلب الغابة ليلاً فأن لم يرجعوا لهم سالمين فلا حاجة لهم بهم.

     شتاء العام 1991 أمتد أهل مدينتي طابوراً طويلاً بدا بلا نهاية نحو مصير مجهول، كانت نهاية العالم، عالمنا الصغير.

     كُنا نقضي ليلة تلو الأخرى في هذه القرية أو تلك، وجميعها خاويات من أهلها ليس فيها من ساكنيها سوى العابرين أمثالنا، في آخر منطقة وصلنا أليها كانت ناحية كاني ماسى، وجدنا فيها المئات من السيارات التي مّر أصحابها في ذلك المكان، تركوها، قضينا ليلتنا لننعم بقسط من الراحة، هذا ينام في ذلك الباص وهذا يفترش من الأرض مناماً له، في منتصف الليل إذا بالنساء يصرُخن أهربوا قد دنا الجيش العراقي، هاج الناس في ذلك الظلام الحالك وأخذت أمي بيدي وأنا صغير ابن الثلاثة عشر ربيعاً، توغلت إقدامنا في الطين، عبرنا طريقاً جبلياً شاهقاً كأنه يقودنا الى قباب السماء، كُنت اسمع بأسم ” سه ر زيري” أكاد لا أميز هل هو اسمُ لقرية أم جبل، نتقدم ببطء خطوة تلو أخرى، وصلنا أخيراً في وقت متأخر من النهار، أه الآلاف والآلاف من البشر على هضبة عالية ومترامية الأطراف، متى ينتهي هذا الطريق ومتى نصل الى تركيا؟ لا نعرف عنها سوى ما كُنا نراه من أفلام أبراهيم تاتليسس.

     في الصباح أشترى والدي مع أعمامي رأسين من الغنم من راعي كان يقود غنمه الى ذات المصير، بعد ساعتين أو ثلاث بدأت الأمطار هذه المرة لتأخذ دور النساء الثرثارات (عيشه وفاطه وخجو وزهرا ……..)، ويمحو عن وجوهنا النوم ويقودنا مرة أخرى الى المضي قُدماً، وصلنا الى النقطة الحدودية الأخيرة بين العراق وتركيا، معبر ضيق محاط بنوع من السياج البسيط (السيم) هنالك عبرنا بحذر حيث تُحيط ذلك السياج من جانبيه الألغام المزروعة تحت الأرض تنتظر من يطأها.

– دشتان – القرية البائسة التي غزاها الملايين منا وأخذوا كل ما فيها من اشجار أستخدموها للتدفئة، حتى أن الأطفال كانوا يغنون من شدة البرد (حه تاف وه ره وه ره سيبه ر هه ره هه ره) دفء الشمس تعال تعال برد الظل ابعد ابعد. بقيت رائحة النار من الأخشاب الخضر المبللة في ذاكرتي حتى يومنا هذا، كلما مرّ بي الدخان ينتابني شعور رهيب يذكرني بتلك الأيام العصيبة، لقد كنت مع أبن عمي الأكبر والذي كان في سن الثلاثين آنذاك، نبحث عن الأخشاب بين أهالي القرية فمررنا بدار كان في باحته الأمامية كمية كبيرة من الحطب المُقطع والمنظم، يحميه شاب ببندقية روسية الصنع، طلب منه ابن عمي، ارجوك أعطنا بعضاً من هذا الحطب او سنشتريه بما تطلبه من مال، فقط ما يقينا نحن واهلنا البرد، فرد الشاب صارخاً أذهبوا من هنا، عُدنا أدراجنا وأبن عمي يُحدثُني، لقد كان والدي يستضيف الكثير من هؤلاء عندما يأتون للتجارة في بلادنا وها هم كيف يعاملوننا اليوم بأزدراء، حسناً لقد أعذرنا الرجل سوف أرسل مجموعة من شبابنا ليأخذوا بالقوة كمية كافية من الحطب ما يحمينا من شر البرد فما كان من صاحبنا المسكين أن يهمس بكلمة. بقينا أياماً في تلك القرية الفقيرة نحاول الحصول على قطعة خبز من هذه المركبة او تلك عندما يوزعها الجاندرمة الأتراك، وفي جميع الحالات يتقاتل الجميع عليها ويبدأ الجنود برمي عدة إطلاقات في الهواء لقد كانت أسوأ الذكريات في تلك القرية.  بعد عدة أيام فتح الجنود الأتراك حدودهم للسماح لنا بالدخول الى أراضيهم، موجات بشرية تجتاح السهول والهضاب والجبال تارة نصعد ذلك الجبل وأخرى نهبط منه، بتنا ليلة أخرى، لكن هذه المرة على ربوة عالية، ننعم بشيء من الأمان لأننا دخلنا حدود دولة أخرى ونحن موقنين أن طائرات الهليكوبتر العائدة لنظام الحكم في بغداد ما عادت قادرة على أن تطالنا، في الصباح الباكر دون مطر، دون خوف، دون نساء ثرثارات، من بعيد ونحن نشاهد النهر الغاضب يجري ويشقه جسر رفيع معمول بألواح خشبية يكاد المرء وهو يمر من فوقه يرى هدير أمواج نهر دجلة المرعبة لم نجد مثله قط في بلادنا، أوه بالطبع يجب أن يعبر الجميع عليه ولكن ليس بالقوة ذاتها فالجنود يقفون قبالته بأعداد كبيرة مغبة الخوف من سقوطه.

      عبرنا الجسر بحذر وأنا أنظر بين قطع أخشاب ومساند ذلك الجسر المتهالكة – يا ويلي كم هذا النهر مخيف. أخيرا عبرناه، استُقبلنا من قبل مواطنون أكراد من تركيا وهم يحملون ما يملكون من فرش وملابس وخبز يوزعونه علينا، صعدنا على صخرة واسعة عالية أمام النهر تحت شجرة السنديان جلسنا على الأرض ننتظر بقية الأهل حتى يعبرون الجسر، لم اشعر بنفسي إلا وأنا غائر في نوم عميق، أشعة الشمس مع الرياح الهادئة تضرب وجهي، ما زلت أتذكر تلك اللحظات! كم كان نوماً رائعاً، أنا أذكر قصص سندباد البحري تغرق سفينته أنقذه القدر أو ينام فينساه طاقم السفينة على جزيرة مهجورة، لم أصحُ من نومي حتى العصر، عادت لي قوتي، لم أجد حولي أبي أو عمي بحثت عنهما إذا بعمي يتحدث مع بعض معارفه بينما أبي واقف عند بوابة الجسر ينتظر والدتي وأخوتي، بعد نصف ساعة تمكنوا جميعاً من العبور.

     وصلنا ونحن نعبر مع الملايين في داخل حدود دولة تركيا على مقربة من منطقة تسمى محافظة “جلى” أسميناها (به ر به را) وفي الطريق إليها وعلى مسافة ليست بالبعيدة عن جسرنا الغابر، حّل الظلام علينا أسرعنا كغيرنا لنجد بجانب الطريق الطويل على مقربة من ضفاف النهر الجارف بجانب صخرة كبيرة أرضاً قام الرجال بتنظيفها من الأدغال وقتل وطرد عدداً من الثعابين والعقارب وأفترشها الأهالي حتى الصباح، ويا لها من ليلة مُتعبة ما كادت تنتهي، النوم على الصخور اصعب ما يكون، كلما تقلب المرء تألم، حتى أشرف الصباح وما كاد يفعل، نهضنا وكأننا ما نمنا يوماً كهذه النومة طوال حياتنا لتبدأ رحلة جديدة في عالم من المجهول بعيداً عن الوطن.