فضاء الجنوب يتسع شعراً- سمير الخليل

عندما تكتب القصائد في ظلال المكان

فضاء الجنوب يتسع شعراً- سمير الخليل

ان شعرية المكان وآلياته في الدراسات النقدية الحديثة قد حظيت بمكانة مهمة وحيوية، وشغلت مساحة نقدية واسعة وعميقة على الصعيدين الفلسفي والفني، وعند البحث داخل النصوص ومن محيطها وما حولها من تجليات الشعرية المكانية بأنماطها عامة؛ لأجل الوصول إلى الجمالية القصوى التي يتمظهر بها المكان في النص الادبي عموماً والنص الشعري خصوصاً ، فالحضور اللافت للمكان في بعض النصوص الشعرية المأخوذة بفاعلية شعرنة المكان وحساسيته الفنية، قد جعل من عنصر المكان العنصر الأبرز والأنصع والأكثر قيمة وحيوية في سياق التشكيل الجمالي الشعري.

    نلحظ بأن شعرية المكان في مجموعة القصائد المختارة (فضاء الجنوب الشعري)الصادرة عن دار ضفاف للنشر_قطر 2013,اعداد الشاعر الميساني حامد حسن الياسري والمتضمنة نصوصا لستة وسبعين شاعرا من ميسان ومن اجيال مختلفة تحظى بخصوصية الهوية بما تركته من لوحات شعرية تقترن بالمكان الخصيبي وعبق تلك النشأة، اذ مثلت جمالية التعبير التي ما أن يقف عندها المتلقي حتى يحلق في أفاق ذلك الجو الريفي النقي، فاستحضار مدينة (العمارة) كان باعثاً اساسياً ، ومسوغاً من مسوغات الواقع الذي عكس تلك الشخصيات الأدبية، فقد أفرزت مبدعين لا يتماهون في تصوير الواقع، ولا يغفلون عن تأثير الخيال، فلا ينهض المكان الا من خلال كتابات الشعراء في حدود ما يتميز به المبدعون، فالعمل الأدبي حين يفقد المكانية، فإنه يفقد خصوصيته ومن ثم أصالته، لأنه يعبر عن رؤية تتصل بجوهر العمل الفني، فالمكان الذي نعني به يرفض أن يبقى منغلقاً بشكل دائم اذ يتوزع، وكأنه يتجه إلى مختلف الأماكن من دون صعوبة ويتحرك نحو أزمنة أخرى وعلى مختلف مستويات الحلم والذاكرة ( )، ويبدو ان (باشلار) قد أعتمد أو اشترط عنصراً مهماً وجديداً لنجاح العمل الادبي، وهو اخضاعه للمكانية فحين يخلو العمل الأدبي منها، فأنه يفقد خصوصيته التي ينتمي إليها، فهو يعد من أساسيات ومسوغات نجاحه، ولعلنا نجد مصداق هذا الكلام في المكان الذي يمارس الضغط والقهر تجاه (الشاعر- الانسان) قد يحتفي به شعرياً، لتتأسس له بذلك معالم جمالية يشكلها الشاعر بلغة تسهم الذاكرة في انتاجها وتلوينها، وربما تجسد مجموعة(فضاء الجنوبي الشعري) صورة أخرى من صور الاحتفاء بشعرية المكان الذي أصبح جزءاً من ذاكرة الشاعر ووعيه، وهنا يجد المكان لا ينفصل عنه بأنه يومي بذلك عبر العنوانات أو في الاماكن التي  ثبتها الشعراء( )، ويشتغل بحثنا في هذا السياق على قصائد منتخبة (جنوبية كانت الريح: عيسى حسن الياسري، وصحراء تحترق: هاشم لعيبي، وإصغاء للمنفى: علي سعدون ساجت، وبحيرة الدمع: عبد الخالق كيطان)، وهي قصائد مكانية بامتياز، فتقتصر الرؤية الجمالية المكانية في كل عناصر تكوينها ورؤيتها ووحداتها التشكيلية، وتسعى إلى مقاربة شعرية المكان على أكثر من مستوى وأكثر من صعيد.

  لم يفارق الشاعر(عيسى حسن الياسري)في قصيدته (جنوبية كانت الريح) روح الانتماء التي تعكس الاستقرار العاطفي الموجه نحو المكان بوصفه مولداً ومأوى وممات؛ لذا اسبغ على المتحرك سمة الثابت، فالريح كما نعلم عنصر متحرك لا يستقر وإنما يتجدد بالجهة التي يهب منها، لكن الياسري صاغ عنوان قصيدته ومتنها بما يجعل للريح من هوية مستقرة (جنوبية كانت الرؤية)، فهو لا يقصد جهة الهبوب بقدر ما يقصد جهة الانتماء؛ لذا انطوى المتن على اسباغ صفة الانتماء إلى الجنوب مع كل الموجودات، وهي في مجال الحركة معنوية أم متحركة:

تمضي أشواق القلب …جنوباً …وجنوباً تركض

كل الأنهار …وجنوباً تنحدر قطعان نجوم متعبة …تبحث

عن جذع النخلة … والرطب الناضج والأمطار…

في ظل الشجرة المورق… أو بين الآجام …يتنهد فلاح في لحظة راحته…((بشرانا

…لن تستقبل مقبرة الطين ذرارينا هذا العام أو أوقد نارك…ناولني كيس التبغ

فان الريح تهب جنوباً … وسيبكي الغيم الليلة في

عرس حجارتنا… حتى يتشقق منه الهدب..( )

 بعكس ما جُعل المتحرك ساكناً في قصيدة (عيسى الياسري) تحرك الثابت في نص هاشم لعيبي(صحراء تحترق) حين جعل الصحراء موقداً؛ لاحتراق عاطفي ضم الكثير من مفردات التعطش إلى الوصل في هاجرة الفراق منطلقاً من توحيد المتناقضات وجمع المختلفات كي يقول:

فلا يخدعك الثلج… الذي اشرق فوق الجمر…

وكطفل لا يكترث بمبررات الانتظار … أصبحت أدمن

لحظات تصفعني …أكف العطور… وهي تتناثر من موكبك

تتحدث بلغات … تدهشني … ولا تفهمها أمنيتي…( )

وكأن هناك نقطة مركزية موجودة في أعماق الصحراء والانسان في وقت واحد، فالصحراء التي تعكس الفضاء الذي يزيل كل الحدود وقيمتها مقاربة وتتفاعل بوصفها النقطة الصورية للرحيل.

   إما الشاعر (علي سعدون) فيتخذ المكان عنده بعداً يفارق الحركة والسكون ويقترب من اجتماع الرغبة المحرمة في نصه(اصغاء للمنفى)، فهو يصغي للمنفى لا لكونه مكاناً مرفوضاً في الحقيقة لكنه مكان غير مرئي الا شيئاً في فضاءات الخيال؛ لأنه يتحول من مكان على أرض الواقع إلى ذات تحتكر الوجود فيقول:

لست منفياً …فقط انا بعيد عني … بعيد عن الوردة

يومياً اقف على هذه التلة … تلة الخيانة…

ولا اعرف شيئاً … التلة منفى … والخيانة كذلك

ويتحد المكان على نحو ملموس بالتلة لكونها صورة مصغرة لبروز القيمة فتارة تكون منفى وتارة تكون خيانة وأخرى تكون وطناً :

ولا أحد سيصغي بالتأكيد لمنفاي …انا وطن

أو تلة من الخيبة … لكنني في الاخير … منفى!

هل الوطن منفى؟ ماذا لو اصبح منفى.()

  ويلفتنا نص الشاعر عبد الخالق كيطان (بحيرة الدمع)الى عنوان متداول الدلالة ولا شك أن عتبة العنوان هي أولى العتبات التي تحتل وتهيمن على المتن النصي وتقدم عين القارئ لـ(بحيرة الدمع) بالمعنى الذي يحيل إلى تبني صفة مكانية، فالشاعر يكرس مأساوية المكان إلى الحد الذي يصعد من قيمة تلك المأساوية إلى تبادل الوظائف بين المكان بوصفه منطوياً على المأساة والذات بوصفه سمة إنسانية تجبر مع الخضوع للمنطق المأساوي كما يقول الشاعر :

هذه البلاد أيقونة عذاب

يمر بها الطغاة والزناة

وفي كل مرة المشهد المتكرر( )

ومع أن الشاعر قد صعد من رمزية المكان المأساوي فانه عاد يمارس دور التحديد أي تحديد الموقع على جغرافية  الواقع لا الخيال حين حدد موقع ذلك المكان بالنسبة للوطن جاعلاً اياه صورة لثغرٍ منطوي على الحزن لا لواجهة باسمة لوطن سعيد فيقول:

المدينة عدت حدودية

هكذا كانت تتوافد على مستشفياتها في كل ساعة

أول الأمر،

كانت الشحانات معدة بعناية وعاماً بعد عام

صارت الجثث تأتي على عربات تجرها الحمير

المدينة التي عدت حدودية صارت جبهة حرب

والحرب أكلت مالا يعد من الاحياء

هل شاهدت ذلك ؟

هل كنت هناك؟

هل سمعت عويل الجرحى على حافة الموت؟( )                               واخيرا تبقى النصوص المختارة في مجموعة (فضاء الجنوب الشعري) من النصوص الشعرية الرائعة في اختياراتها وبنائها وثيماتها وصياغاتها الانزياحية  المتفردة ,وليعذرني بقية الشعراء في تلك المجموعة لكوني توقفت عند ثيمة محددة هي( شعرية المكان)واهتممت ببعض النصوص التي تهيمن عليها تلك الثيمة مع قناعتي ان كثيرا من نصوص المجموعة تستحق الدراسة والتحليل وانا مقصر هنا ولكن نصوص المجموعة ليست قليلة اذ تجاوزت السبعين نصا لشعراء لهم رسوخهم في الساحة الأدبية ,والكتاب جهد طيب وانطلوجيا شعرية مهمة ترسم صورة للأبداع الشعري الميساني, اشد على يد الشاعر حامد الياسري وابارك له هذا العمل الجميل والمهم في ساحتنا الأدبية والنقدية.

المصادر:

1- جماليات المكان: جاستون باشلار، ترجمة: غالب هلسا، دار الجاحظ ، عن مجلة اقلام ، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد، 1980.

2-مقاربات نقدية لنصوص حداثية: د. سمير الخليل ،تموز للطابعة والنشر، دمشق ،2013.

3-فضاء الجنوب الشعري، قصائد مختارة لشعراء العمارة: أعداد حامد حسن الياسري، دار الضفاف للطباعة والنشر، بغداد ، ط1 ، 2013.