فرانكشتاين العراقي

قصة قصيرة      (1)

 

فرانكشتاين العراقي

 

 

لم يعرف العبادة قط، الا انه يعرف الايمان، وخلق السموات والأرض، يترنم بأدعية غير منسوبة الى مصدر ، يرددها دائماً وهو يسير مشياً على قدميه، لم يستخدم وسيلة نقل الا للمسافات البعيدة جداً، يقف مرة إمام القبلة في دعائه، وأخرى الى الشمال، وغيرها نحو اليمين، يقضي جل وقته في هذا الامر عله يجد ما يحقق طموحه لحاجة في نفس يعقوب قضاها، دعاؤه لا يشبه أي من الادعية المعروفة، لا في الديانات السماوية، أو ديانات الاساطير، تولدت لديه أفكار غريبة تناقض واقعه كانسان، لم يعرف مصدرها، امتزجت بأمنيات له رغبة ملحة في أن تتحقق له لكي يكسب من ورائها مآرب صار طموحاً اليها جداً في هذه الفترة بالذات والذي يجد من انها لو تحققت له لحدث انقلاب كبير في موازين حياته وحياة الآخرين، صارت خياره السري امام كل خيار، ليس على نمط الرقعة الجغرافية التي تكوّن الارض الساكن عليها، بل المنطقة برمتها.

 

يسكن وحده في بيت لا يحسده عليه أحد لما فيه من البؤس وفقدان ابسط مستلزمات الحياة، رفيقة في الليل قنينة عرق الاوزو او العصرية والتي يحصل عليها من خلال المبلغ الذي يقبضه في اعمال البناء والطابوق( نسميه بالعراقي عامل طين)، يلح مع ذاته على تحقيق امنيته هذه، الامنية تتلخص ان يهبه من يهبه حتى ولو كان شيطاناً، حزام يرتديه فيختفي عن انظار الناس الا الذي يحتاجه فقط يتمكن من رؤيته وهذا الآخر يراه أيضاً، وما عداهما لا يكون ذلك، ظلت هذه الفكرة تراوده ليلاً ونهاراً لا سيما في جلسة الكأس اثناء المؤونة الليلية وفي رفع طاسه الجص او أعداد الطابوقات التي يحملها على ظهره اثناء العمل لا يجامل او يتخذ صديقاً له البته، ولهذا فأن إسراره مكنونة في صدره. جلس على كرسيه البالي، امامه طبلة صغيرة بثلاثة أرجل، اما الرابعة فقدت من جراء الاستعمال المتكرر ووجود الفانوس ذوالضوء الخافت لأستهلاك فتيلته واتساخ زجاجته التي هي من الحجم المتوسط والذي يستعمله عند انطفاء الكهرباء بالاضافة الى راديو صغير ذو موجة واحدة بطاريته من نوع القلم عدد(2). هو وأشياءه هذه في غرفة سقفها من البواري والقصب واعمدة الخشب التي تتخذه افعى مع صغارها حلبة مصارعة لمطاردة الفئران، لكنه لا يأبه لمثل هذه الامور ويعد هذا البيت من اجمل بيوتات الاخرين المحيطة في الحي الذي يسكنه.

 

قبل الشروع في شرب العرق، نظر الى السقف وتذكر منزل اهله الذي غادره وهو في منتصف العقد الثالث، غادر اهله ومدينته العمارة وسكن في واحد من الاحياء الشعبية للعاصمة بغداد منذ عشرة اعوام بعد وفاة والدته بالسكتة الدماغية وزواج ابيه من امرأة قاسية طلبت منه مراودتها ذات يوم حيث ترك المنزل وهرب، وكان قد أكمل الدراسة الثانوية المسائية لكونه يشتغل في النهار ويدرس في المساء تلبية لرغبة والده القاسي القلب الذي زجه في العمل منذ نعومة اظفاره ، فكان مغلوب على امره معظم ايامه يقضيها خارج البيت، شد رحاله واتجه الى بغداد دون ان يعرف عنها أي شيء، ولم يكن واحداً من زوارها الا من ماندر، تأقلم مع وضعه الجديد حتى ارسته سفينة المأساة أن يشتغل في اعمال البناء والطابوق لعدم حصوله على وظيفة ومؤهلة العلمي، كرع الخمر بسرعة حتى يسكر وينتقل الى عالم ليس عالمه( بالعراقي تصعد عنده البوزة بسرعة)، انتشى اخذ يحدث نفسه ويخاطب عقله الباطن بفكرته التي يعتبرها لو تحققت انقاذاً للبشرية وللوجود الانساني المظلوم من سخرية القدر وطرد الاحتلال والارهاب، ما كان يؤذيه وجعل هذه الفكرة تراوده دائماً هو الارهاب!! زهق ارواح الناس الابرياء، لكونه طيب القلب، يتألم لآبناء جلدته بعكس اصحاب الكراسي، المتهافتين عليها وعلى الآههم الدولار، رد عليه عقله الباطن (اسكت ولا تتحدث بهذا الموضوع بعد الان، عمي يا انقاذ بشرية، يا طرد الاحتلال وياقضاء على الارهاب، انتَ وين وهاي الامور وين؟، هاي أمور مرتبطة بالسياسة، والسياسة بحر لجُّي، انت عمرك كل ما شايف ساحل البحر وتريد تزج نفسك بهاي الأمور وتحقق امنية مالها مثيل لا قبل التاريخ ولا الان ولا في المستقبل، راجع نفسك وحافظ على وجودك كانسان لاتتلاشى وتصبح لا شيء بسيارة مفخخة، شنو انتَ ما دكلي شنو انتَ، قابل انتَ وجه الرب الارضي).

 

رد على عقله الباطن( بس اني ما أرى واحد يرعى هذا الوطن وهذا الشعب المسكين، ومحد يحافظ على هاي الاموال اللي تُسرق بمختلف المسميات والصفقات، حتى رب العالمين سحب أيده من العراق، نعم أنا اكلك سحب أيده من العراق رغم الطقوس والعبادات المؤدات من عامة الناس، ابتلينا بآفتين بشعتين، الطائفية والارهاب، واواعدك انه يجي يوم على هذا البلد يتجزء وتقطع منه اجزاء في غاية الاهمية، ذيج الساعة راح تعاتبني وتندم على عدم تشجيعك لهاي الفكرة وبعدين ما يفيد الندم، وراح تشوف).

 

افرغ قنينة العرق في جوفه باكملها، انطرح على فراشه المتسخ وهو لا زال في ملابس عمله الملطخة بالجص وتراب الطابوق واغمض عينيه في نوم عميق .رأى في منامه، تحققت له أمنيته واهدى له من كان يرجوه حزام عادي يُلبس على أي بنطلون، لكنه اخضر اللون وهذا اللون منافي للآحزمة التي تلبس، رغم هذا قبل به، زود بارشادات حول ماهية استعمال هذا الحزام، في حالة ارتدائه يجب عليه ان يتبع ادق الارشادات التي تظهر على((قوبجة)) هذا الحزام وبعكسه ستنقلب فائدته على كارثة.

 

قال لمن يوجهه وهو لم يظهر للعيان:

 

-لكني لا اعرف اسلوب استعماله؟!!

 

-صحيح ستظهر لك ازرار على شاشة القوبجه، وهما ثلاثة ازرار، الزر الاسود يعني ظهورك بملابس لا تشبه أي من الملابس الحالية وبالتالي ينبهر بها الذي تريد مقابلته، لا سيما السياسيين ورجال الحكومة وستنال بكل تأكيد ما تريده وتطلبه، فهمت!!.

 

-نعم ، فهمت.

 

-الزر الاحمر، عندما تضغط عليه ستنطلق منه عاصفة تدميرية ، تعصف بها من تريد ان تقتله حتى ولو لمسافات بعيدة جداً، على ان تذكر الاسماء التي يعنيها الامر.

 

-طيب!.

 

-اما الزر الازرق، دير بالك ، الزر الازرق، اذا ضغطت عليه ، ستكون مع من تريد مقابلته وجهاً لوجه، بمافيهم رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء وحتى الرئيس الامريكي، او أي من رؤوساء دول العالم، انتبه جيداً لما قلته لكَ ولا تتهور بالاستخدام السيء لهذه الازرار فأنكَ تراهن بحياتك وحياة هذا الشعب البائس، اهديناك هذه الامنية باعتبارك وجه الرب الارضي لنرى براعتك اولاً، ولتكون المنقذ الوحيد الذي ينتظره ملايين عراقك المظلوم ثانياً.!!

 

–           انا على استعداد تام بكل ملاحظاتك ، وبالاستخدام الامثل لأزرار حزامي هذا.

 

رد عليه:

 

-لا تقل حزامي، انما هي هبة الوجود لأنقاذ وطنك من محنته لكونك انت الشجاع الوحيد الذي فكر بمصير هذه الامة ، ليس إلا؟؟!!

 

-سمعاً وطاعةً.

 

اخذ الحزام الاخضر وقلبه يمنه ويسره، امعن النظر فيه طويلاً ، اطلع على الازرار وموضعها وكيفية استعمالها، الاسود يقع في المقدمة من الجهة اليمنى، الاحمر ايضاً في المقدمة لكنه في الجهة اليسرى، اما الازرق فهو في الاسفل ومتوسط الزرين العلويين في الاسفل، ارتداه ضغط على الزر الازرق مباشرة طالباً منه جمعه مع رؤوساء دول محور الشر التي تسمى دول اللاجوار بالاضافة الى دولة الاحتلال ودولة شعب الله المختار ، على ان يكون هذا اللقاء في صحراء محافظة المثنى وبالتحديد في مكان نقرة السلمان الملغى، تم له ذلك قبل ان ينطق جملته الاخيرة، صار امامهم وجهاً لوجه ، ستة رؤساء أرعبوا العراق وشعبه منذ بدء الاحتلال ولا يزالون مستمرين على نفس النهج العدواني، تكلم معهم بشكل جمعي وهو يكسي وجهه بملامح جادة وقال بعد ان رفع سبابته في وجوههم البشعة وبطريقة مهينة:

 

-اعرفكم على نفسي، انا فرانكشتاين العراق رقم(2) وكلي جنون وامل، ذو القوى الخارقة للطبيعة وهبها لي القدر، والتي لا تستطيع ارقى واطور انواع التكنلوجيا على ان تأتي بمثلها، والا كيف تفسرون وجودكم معي في هذا المكان النائي.

 

نظر بعضهم لبعض وقاطعه احدهم رئيس دولة الاحتلال وتكلم بالعربية من تأثير القوى الخارقة وقال:

 

-انتم العراقيون كلكم فرانكشتاين، حيث ظهر قبل فترة فرنكشتاين في بغداد الذي لا اسم له، وتردد في اوساطكم انه اسمه ((الشسمه)) الذي قتل جنودنا ودمر دباباتنا الابرامز كما قضى على معظم عملاؤنا لا سيما في ابي غريب، وهو بهذا اراد تقويض المشروع الأمريكي في العراق، كنا نتوقع منكم ان تستقبلونا بالورود الحمراء عندما دخلنا بغداد!!!، لا بقتل جنودنا ومرتزقتنا؟؟؟!!.

 

 

رحيم حمد علي –  ميسان