فاطمة لورديري توظف التراث في اللحظة المعاصرة
الحياة الشعبية في عالم تشكيلي
فيصل عبد الحسن
تميل الفنانة فاطمة لورديري في لوحاتها الأخيرة، ومنذ عام 2004 لنقل لوحات تصويرية لقصص تستلها من الحياة الشعبية المغربية، والتراث العربي، وقد وفقت كثيراً في أبراز بصمتها الفنية الخاصة بها، فرسمها يختلف عن فن المنمنمات من عدة وجوه منها ما يخص الموضوع، وطريقة الرسم، ولكن يبقى ذلك الفن هو السراج، الذي نهلت من فيض إبداعه الفنانة، وليست هي وحدها من تأثر بفن المنمنمات العريق، فقد كان قبلها والدها الفنان المغربي المشهور نايف أحمد لورديري الذي أبقى للمكتبة البصرية عشرات اللوحات، التي تدل بعمق على مدى تأثر هذا الفنان الرائد بفن المنمنمات، وقد كان يصطحب أبنته معه أثناء الرسم، وكانت لم تزل طفلة في المرحلة الأبتدائية من تعليمها المدرسي، وكانت تمسك له أدوات الرسم من فرش، وعلب ألوان وقد تأثر الفنانان الأب وأبنته بفنون المنمنمات أو ما يطلق عليه فن المينياتور أو فن التزاويق وفن المنمنمات فن عريق بدأ في أول ظهور له في الصين في القرن الأول بعد الميلاد، وأنتقل بعد ذلك إلى منغوليا، ومنها إلى العالم وبرزت في التعبير عن فنونه مدارس فنية كثيرة، منها المدرسة المغولية والبغدادية والتيمورية والصفوية والمملوكية والتركية والهندية والمدرسة المعاصرة، التي برز فيها فنانون كثيرون من إيران وتركيا، والجزائر، ومصر والمغرب.
فرصة للربح
وقد عمدت الفنانة فاطمة لورديري المولودة في مدينة سلا القريبة من مدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية عام 1956 إلى إعادة اللوحة المنمنمة إلى وظيفتها الأصلية الجمالية، والتوظيفية من خلال جعلها رسوماتها مصاحبة للنص الحكائي، فجاءت رسوماتها مزينة لكتب من التراث العربي، أومأخوذة من التراث العربي ككتاب خدع النساء و السندباد المغربي ولوحاتها الآخيرة في كتاب خمسون أسماً للمحبة عن الكتاب التراثي المشهور روضة المحبين لأبن القيم الجوزية، لقد حاول والدها الفنان أحمد لورديري من قبل نقل ما يرسمه إلى المعارض التشكيلية، التي كان يعرض فيها الفنانون أعمالهم الأخيرة لجعل عمله الفني مستقلا بذاته، ولا يوضح ما يبدعه الكتاب، ولا يكون العمل الفني مساعداً في أظهار إبداع آخر، وقد نجح في ذلك وأستطاع أن يبقي للمكتبة البصرية إبداعاً مستقلا يعرف نفسه بنفسه ويشير إلى مبدعه، ولكن لظروف كثيرة أولها ما يعانيه الفنان المعاصر من ظروف ضاغطة أقتصادية، وحياتية أو ما يتيحه الناشرون للفنان من فرصة للربح المادي من خلال أشراك عمله الفني للترويج لما ينوون نشره من التراث القديم المكتوب.
معارض
حصلت الفنانة فاطمة لورديري على العديد من الجوائز خلال مسيرتها الفنية الحافلة، التي بدأت بمعرض لوحاتها الأول عام 1974 في كاليري أندريه لوران في مدينة الرباط، وفي كاليري Le savouroux بالدار البيضاء عام 1978 وفي معرض الفطريين المغاربة في منطقة الوداية بالرباط عام 1985 وفي كاليري فنون في المهرجان الثقافي في المحمدية عام 1986 ومعرض وزارة الثقافة المغربية في تونس عام 1987 وفي معرض بصمات بالدار البيضاء عام 1989، وشاركت في معرض جماعي للفطريين بالدار البيضاء عام 1990وأقامت معرضاً في أسبانيا عام 1992 ومعرضاً في الباب الكبير بمدينة الرباط عام 1993 ومعرضاً بمناسبة مهرجان الثقافة في الرباط عام 1994 وآخر اعمالها عرضتها في قاعة مرسم بالرباط، منذ عام 2004، قبل أن توجه أهتمامها لتزيين الكتب الورقية بلوحاتها من خلال إصدارات يغلب عليها الطابع الفني وإعادة حقيقية لوظيفة رسم المنمنات في إسناد الأعمال الحكائية أو التوثيقية.
الواسطي
ولا ترسم المنمنمات على الورق وحده بل يتوزع رسمها على العاج والخشب والعظام والجلود والكارتون والمعادن والصلصال وغيرها من المواد، وتلون بالألوان البراقة، ولكن لأنصراف الفنان المعاصر إلى العمل الفردي، فقد دأب على رسم منمنماته على الورق، وكذلك قام بتلوينها بما أتيح له من ألوان صناعية رخيصة، وقد كان فن المنمنمات، الذي أزدهر في العراق، وكان أوج ذلك الأزدهار في سنة 1237 م قبل كارثة الأحتلال المغولي لبغداد بعشرين سنة وذلك بقيادة هولاكو ورميه لكتب مكتباتها، ومخطوطاتها في مياه دجلة حتى أصطبغت مياه النهر بألوان المداد، والأصباغ، وكان من أبرزإبداعات تلك الفترة التي سبقت الكارثة بعقدين ما تم إبداعه من منمنمات في مقامات الحريري التي أنجز صورها أشهر مصوري العالم في القرن الثالث عشر محمود بن سعيد الواسطي ونقل المغول من بغداد بعد غزوها أكثر من 40 ألف مخطوط في كل الفنون والعلوم ونقلوها إلى عاصمتهم في ذلك الوقت سمرقند. والبرغم من الأحجام الصغيرة للوحات التي ترسمها الفنانة لورديري إلا انها في كثير من الأحيان أكبر حجما عما متعارف عليه في فن المنمنةن التي ترسم عادة بوحدات فنية صغيرة جدا، ولكنها في غاية الأتقان، وقد تمكن الفنانون الأتراك من رسم الجيوش العثمانية الغازية للدول، والمدن في عدد قليل من اللوحات التي صورت الجيوش العثمانية باعدادها وعددها، من خلال وحدات رسم صغيرة تزدحم بها المنمنمة ومن الفنانين الأتراك الذين برعوا في رسم المنمنمات النقاش أحمد مصطفى وعبد الجليل شلبي الأدِرْنَوي الملقب ب لوني ومن مآثر فن النمنمة التركي ما رسم في 128 منمنمة لمراحل أحتلال العثمانيين للعراق، وبلاد فارس وفتح بغداد بقيادة سليمان القانوني بين عامي 1534 ــ 1535 م، وقد ضم المجلد الذي عنون ب منازل سفر عراقين من هذه المنمنمات، جميع المراحل التي تمت بها الحملة العسكرية العثمانية، والمواقع والمدن التي حل بها الجيش العثماني بين مدينتي أسطنبول وبغداد وتبريز، والعودة بعد ذلك من خلال الأراضي العراقية إلى أسطنبول .
تصوير الجنة
لقد أتسمت رسومات الفنانة فاطمة لورديري من خلال الكتاب الآخير الذي وشحته بلوحاتها بتأثرها العميق بآيات القرآن الكريم، وذلك من خلال تصويرها البساتين والنساء الجميلات، وثمار الأشجار الدانية، وجميع الصور هي تصوير لما في الجنة، وما يغدقه الخالق تعالى على عباده الصالحين من خيرات وملذات تفوق الوصف، فلا مرض فيها، وقطوفها دانية لا جهد يبذل لنيلها. أن تأثر الفنانة الفاطمة لورديري بسور القرآن الكريم واضحة من خلال دقتها، وهي ترسم العرائس والبساتين العامرة بالثمار الدانية القطوف، وتأثيث لوحاتها بمشاهد الفرح، والسعادة على شخوص رسوماتها، لقد أعادت الفنانة فن رسم المنمنمات إلى أصوله المعاصرة، التي أنتهى إليها الفنان الجزائري المشهور برسومه النمنمية محمد راسم الجزائري الذي ولد عام 1896 والذي أبدع في هذا الفن كثيراً، وتوفي مع زوجته عام 1975 في ظروف أليمة، وغامضة في العاصمة الجزائرية في منطقة الأبيار، وغالبا ما تكون وفاتهما الأليمة تلك على أيدي لصوص اللوحات.
AZP09
























