
غازي العبادي وتجربة التحديث في القصة القصيرة
تأكيد غرابة الواقع
باسم عبد الحميد حمودي
من المهم بداية ونحن نستذكر التجربة الكبيرة للقاص والروائي غازي العبادي(ت 13 نيسان 1997في عمان) ان نشير أن الاستاذ العبادي كان واحدا من جيل المتاعب الكبيرة التي صقلت تجربته الابداعية وهو يتنقل حياتي وثقافيا من مدينته الصغيرة (العزير) الى بغداد(حيث تشكل ابداعيا في تجاربه الاولى)الى موسكو (حيث انبنى ثقافيا ) لىتبغدد كرة اخرى متنقلا بين الادب والصحافة والترجمة والثكنةالعسكرية (حيث أقتيد للحرب كضابط احتياط) ليعود بعدمعاناةالى الصحافة اولا والى البحث عن الحرية والخبز في عمان,حيث لم يجدامامه سوى التيه والموت المجاني الذي أبكى محبيه.
زرته قبيل وفاته بايام في مستشفى الحسين في عمان ,واستذكرنا أيامنا السعيدة في مقهى البلدية مع خضير عبد الامير ونزار عباس وموفق خضر والاحباب الآخرين بين 1954-1960
كان الحديث متقطعا يصحبه الضحك على الدنيا والبكاء على حياة ستغرب,لكن ذلك الاحساس بقرب الغروب يصرعه نشدان أمل حياة جميلة قادمة لم تحدث .
غادرت مشفى غازي دون تفاؤل , لينتقل الى رحمة الله بعد سفري الى بغداد في 13نيسان 1997وبذلك فقدت القصة العراقية نجما لامعا من نجومها القليلة.
في هذه الصيغة الاستذكارية للقاص ا لراحل سنتقصد الحديث عن شؤون شتى في البنية الادائية.
وقبل مقاربة بعض قصص العبادي التي اخترتها من مجموعاته القصصية ينبغي الحديث عن دور القاص العراقي حكواتيا حديثا وأن رفض كثيرون الربط بين التأليف القصصي والاداء الحكواتي للقاص القديم .
لقد مضى على فن القصة العراقية القصيرة زمن طويل بدأ منذ عام 1908 وهي تحاول اثبات انها جنس ادبي مقطوع الجذور ك(تأليف) عن مهمة الحكواتي العربي القديم وهو يروي وينشد ويعيد تجديد البنيان السردي حسب توهجاته لحظة الاداء وعلى وفق رغبات السامعين المتلقين أحيانا.
أن الذي يتشابه هنا في موقف القاص وموقف الحكواتي هو رواية الخبر الدرامي, ووجود مستمعين (وفق الحكواتي ) وقراء(وفق القاص) لهذا الخبر المسرود.
رواية الحديث
أن الذي يختلف هو أن رواية الحدث ذاتها عند القاص الحديث هي رواية نهائية الى حد كبير,لاتتغير ألا بتغيير الكتابة أو بالاحرى أعادة كتابة البنية الفنية للقصة مرة اخرى, بحيث تتخذ شكلا جديدا معدلا يخرجها من اطارها القديم, في حين يستطيع الحكواتي أن يلون داخل الحدث المروي , وأن يمارس المونتاج والتقطيع للأحداث, وأن يتحرك أماما وخلفا مستخدما أنواعا متعددة من طبقات الصوت وحركات الجلوس والقيام لايصال المادة موضع السرد.
تجربة الحكواتي تجربة عيانية مباشرة وتجربة القاص الحديث تتم على الورق.
أن جمهور القصة هو القارئ وحده وهو يستطيع تخيل الزمان والمكان والغوص داخلهما بدلالة المدون ويستطيع أيضاأن يقطع استرساله في القراءة هنيهة أو ساعة أوالى موعد آخر,وهو هنا يأخذ جزءا من دور الحكواتي ولكن ازاء نص ثابت لاأثر للتغيير فيه.أن القارئ هنا أكثر تمتعا بحريته من السامع –السامر – المتلقي القديم للحكواتي , فهو يستطيع الانقطاع بسهولة من الحدث والانسحاب فجأة من داخل جوه ,كذلك أعادة تشكيل الحدث والاستغراق وسطه كما أنه يستطيع استعادة ما يقرأ دون تدخل من أحد .
أن ذلك يتم خلال طقس القراءة أم الانقطاع عنها , وهو امر لا يشابهه طقس الاستماع العام للمتلقين خلال طقس الانصات المجتمعي للحكواتي .
لقد كانت مهمة غازي العبادي غير يسيرة وهو يأخذ دور الحكواتي القديم في أربع من قصص مجموعته (الهواء العالي ) هن : تاريخ لحظة- محاولة للاقتراب محاولة للتجاوز- في ظل نخلة منفردة – الامهات .
وهو دور اصطلح عليه في النقد الحديث بصيغة ( الراوي العليم ), او الراوي الذي يعرف كل شيئ , وهو دور يتفق ودور الحكواتي القديم الذي يروي كل شيئ, بل يجسد تشخيصا بعض احداثه , ولكنه لا يشكل جزءا من الحدث – المتن الحكائي هنا الا بصنع ديكوره الخارجي وصيغته المسرحية في الاداء والرواية وفق طبقات الصوت واستخدام المؤثرات قدر المستطاع وهي الكرسي والسيف الخشبي والملابس التراثية.وقد أخذ العبادي دور الراوي في سبع من هذه القصص هي :
الروح – أصابة طفيفة- الاوزات الثلاث – عفوا لدي اصدقاء- البكاء بصوت جميل – الهواء العالي – قارورة الطيب – الحاج .
واخذ العبادي مهمة الراوي العليم – الحكواتي القديم ودور المتكلم المراقب معا في قصة واحدة هي ( فارس) حيث بات صعبا الفصل بين دور المتكلم والراوي العليم لسبب صممه العبادي ذاته . نشرت مجموعة ( الهواء العالي ) ببغداد عام 1986 وهي ليست اولى مجموعات العبادي القصصية أذ كانت المجموعة الاولى قد صدرت عام 1969 عن دار الكلمة تحت عنوان(حكايات من رحلة السندباد الثامنة ) , وكان آخر عمل سردي له قد صدر بعنوان (رجل في المحاق) عام 1996 قبيل وفاته في نيسان 1997 .
الاعداء
نختار من تجربة غازي العبادي ثلاثا من القصص التي تعطي صورة شبه متكاملة عن تجربته السردية عبر القصة القصيرة وهي تجربة تتطور باستمرار وتعكس جوانب من عالم القاص واحلامه .
(الاعداء )قصة نشرها القاص وهو ينتقل من التجربة الخمسينية الفوتوغرافية الاداء الى الانضواء ضمن تجربة القصة الستينية الثرية , لكن لغة الفانتازيا فيها تقع في الظل وتتصاعد فيها لغة الاحلام التي تتوازى مع التجربة الحياتية لصبي يعمل مع عمال الطابوق لاعالة امه التي تسكن وأياه في منزل مشترك للكثير من العائلات الفقيرة.
تبدا المادة المسرودة بجزء من احلام الصبي طالب الشعرية التي تتكاثف مع وجه امرأة ارمنية ميتة مسجاة في ساحة المنزل والصبي يغادره فجرا ملتحقا بالعمال الاخرين.
كان يرقب نجوم السماء ويحلم بالوصول اليها مثل السندباد الذي رفعه طائر كبير تخلصا من حياته المتعبة في معمل الطابوق وهو يقوم بعمله الشاق هذا بديلا عن والده الهارب الذي تعب ووالدته كثيرا في البحث عنه دون جدوى.
في المعمل يجد الصبي طالب من يعينه ومن يؤذيه بعد ان اصيبت احدى قدميه , ولكنه يستمر بالعمل تحت ضغط الحاجة اليومية تاركا احلامه برؤية افلام السينما والتمتع بفضاء الصبا الجميل .غازي العبادي يؤطرفقرات المادة السردية بعناوين فرعية لاتضيف للاداء الفني كثيرا بل تعرقل ايصال المعلومة لكنه –كما يبدو – اراد الابهار والتميز في هذا التقطيع المدروس ,لكن تجاهل هذه العناوين يجعل المادة السردية لقصة(الاعداء ) تنساب بيسر وهي تشخص اعداء ميرسو (طالب هنا ) , اذ ليس الجميع هم الاعداء مثل متلقف العربات وصاحب المعمل وسائق سيارته وسواهم, فقد جعل السارد من احلامه بفلاش كوردن والملك كالاوابنته والسندباد جزءا من اصدقاء الزمن المؤجل للفرح فيما كان ابو شاكر والعامل القروي وسواهما اصدقاء له .امتلأ زمن طالب الصبي بالاعداء وهو يعمل ويحلم لكنه حارب القسوة بالحلم والرغبة الجامحة في مساعدة والدته ورفعها الى عالم اسمى,وبذلك كانت ( الاعداء )لوحة سردية متداخلة الرؤى منفتحة على مساحات واسعة من الغنى الدرامي , الذي يضعنا وسط متاهة سردية حالمة.
أيقاعات منتصف الليل
هي القصة الاولى تسلسلا في المجموعة القصصية المسماة بأسمها والصادرة ببغداد عام 1982.
والقصة تتوزع شخوصها بين امكنة حية( شوارع وبيوت واطراف مدينة) واشجار تتوزع الشوارع والارصفة ورجال اربعة منقطعين عن العالم الخارجي داخل وخارج بيت ينزوي بعيدا على مسافة من ضجيج المدينة ,ونسوة وحيدات ,ورجال يحتوين نساؤهن وسط الليل.
البشر هنا يتوزعون الى ثلاث كتل: اربعة رجال وحيدون ليلا الا من انبوب المياه, ونساء يلصفن وحيدات,ورجال ونساء على الاسرة الصيفية وهم يعيشون تجاربهم الخاصة , في وقت حفرت فيه الاماني صدور الاجساد الثمانية التي تعيش ليلها متوحدة حيث تستلقي النساء(وحيدات,حسيرات,مهمومات كئيبات حالمات تداعب اسماعهن موسيقى صديقةمن حديقة الرجال المتبتلين ).شجرة الدفلى المتوحدة عند باب دار الرجال المتوحدين تبدو مانعا طبيعيا لكل ذلك التوق ومرارة اوراقها التي لايفصح عنها القاص تومئ بمرارة الحيوات المتوحدة لثمان من البشر اعانتهم ايقاعات منتصف الليل على الانزواء والوقوع في المزيد من الخيبات والضياعات حيث يبدو عالم الثمان مجدبا قاسيا حزينايتفجر احلاما بائسة بانتظار صبح قريب.
القصة صورة بانورامية لاختلاط نماذج الطبيعة ( الماء والشجر )بتوق البشر المستضعفين الذين لايعيشون املا مستقبليا يقابلهم استرخاء بشر في اسرتهم يعيشون ليلهم السعيد .
عالمان يتشكلان معا وسط ذلك الليل الحافل وسط متعة وصفية حققها القاص للبشر وللطبيعة التي تحيط بهم .
وخزة دبوس
(وخزة دبوس) قصة مختارة من مجموعة(أقاليم قصية) الصادرة عام 2000 بعد وفاة القاص بثلاث سنوات.احداث القصة تتصف بالغرابة التي يميل العبادي الى التاكيد عليها في الكثير من تجاربه انطلاقا من وعيه بغرابة ما يحدث في الحياة العادية .
انه هنا يقلب التجربة الانسانية بلون من الكوميديا السوداء التي لا يسعى اليها مباشرة ,بل يلونها بعتمة انكسار رجل اراد أن يكون التمام المثالي في الحياة العامة والخاصة ولكن الذين حوله يكسرون مثاليته . امضى الرجل في عمله الكثير من السنوات بدون تأخير عن الدوام وبلا اجازة , بل هو يساعد الآخرين من الكسالى والمتغيبين في اعمالهم وينجزها نيابة دون تردد.
الوضع المثالي يقابله المدير العام الجديد,وهو شاب عند مستوى الشبهات, بالسخرية والتعدي على كرامة الرجل ومثاليته,بل هو يعين من هو دونه عملا رئيسا لقسمه امعانا في اذلاله. المدير العام قال له مرة:( انا ياسيد … اعرف لماذا خلق الله الكون بما فيه, لماذا خلق البشر والحيوانات والطيور والحشرات والزواحف, ولكن لا أدري لماذا يخلق أمثالك من الناس)
هنا اجابه الرجل مستاء ومطعونا وساخرا ( لحكمة يرتئيها ) فاجابه المدير شاكا بذلك.
تحولت مثالية الرجل وسلوكه الذي لا مثيل له في العمل الى نوع من استهجان الخرين وسلقه بالسنة حادة من خلفه , لكنهم يداهنونه لحاجتهم الدائمة الى مساعداته, ولكنه لم يعر ذلك انتباها بل ظل بالظلم الذي احاق به من تصرفات المدير العام وسلوكه.
هنا يتحول تفكير البطل , الموظف المثالي, الذي لم يجد من مجتمعه الوظيفي ومن مديره العام سوى السخرية والعدوانية, ينتقل تفكير البطل وسلوكه الى لون من الانطوائية والالم الممض فتتحول مثاليته الى لون من نرفانا مصحوبة بسعي للانتقام من الذات عن طريق وخزة دبوس .
تم الامر هكذا مصادفة حيث وخز البطل ذاته بدبوس كان يحركه بيده فلم يشعر بألم ما . تحولت هذه التجربة الى شيئ آخر أكثر ابهارا فقد دفع الرجل الدبوس في جسمه الى نهايته دون شعور بالالم , ثم استخدم نار الموقد لكي اصابعه دون احساس بألم ما .
سلوك تدميري
تحولت مثاليته السابقة الى نوع من السلوك التدميري للذات و فاستخدم خنجرا قديما كان متروكا في داره لتجربة لون آخر من كمال التدمير الذاتي الذي يسرته الطبيعة لجسمه , دفع نصل الخنجر الى صدره دون احساس بالألم وكرر تجربته مرارا حتى أوصل النصل الى قلبه …عند ئذ أحس بالالم وادرك ان تجربة فناء الذات التي قررها باتت اشبه بتحد لحياته الماضية التي قضاها منصاعا لحياة هادئة قليلة المطبات .قرر أن يغادر الدار غدا الى الدائرة ليواجه خصمه المدير العام الذي سخر من حياته الرتيبة اذ ( قررت أن ازوره غدا واعامله بطريقة يؤمن من خلالها بانني انسان حي وأنني لم أخلق عبثا وليست حياتي سدىوفأنا أيضا قادر على الاضرار بقدر ما كنت نافعا في الوظيفة).كان في قمة غيظه وهو يستل الخنجر من صدره وهو وحيد في غرفته في منزله, وكانت المفاجأة ان الجرح الذي انفتح في صدره بدأ ينز دما اسود كالقار وان كمية الدم الاسود غطت فراش الرجل وظهر امامه المدير العام وهو يغرق في ذلك الدم ويطفو مثل جثة ميتة,هنا حاول أن يبتسم وهو يقول لذاته أنه لن يموت وحده وسط ذلك الدم الاسود,ولكن القاص يقفل هذا المشهد التلباثي اللامعقول وهو يقول مختتما سرده) ولكن سرعان ما عدت الى ما انا فيه عندما هجم علي سؤال مباغت:متى ياترى فقدت الاحساس بالالم؟)عند وضع علامة الاستفهام في النهاية يضعنا غازي العبادي ازاء عدة اسئلة لا يتطابق فيها المعلول مع العلة بل ندخل وسط استباحة مرحلة الستينات للمنطق , وهي استباحة تولدت عنها كل تلك التجارب التي اعتمدت تغيير المنطق السردي لصياغة منطق جديد يدفع بالمصائر الفردية الى آفاق حرة اشد قسوة من الواقع واكثر انفصالا عنه وصولا الى تحقيق هوية سردية جديدة .ان منجزغازي العبادي السردي لا تحدده القصص المختارة,فقد عايش غازي تحولات البراءة الاولى الخمسينية دخولا الى عالم التجريب السردي الذي نضجت خلاله تجربة العبادي وقد تعايش مع مجتمع اخر لسنوات وهو يستكمل دراسته العليا في الاتحاد السوفياتي ويتعايش مع تجربة ( الاوشارك) القصصية المقالية التي ظهرت عنده في(قصص وما اشبه ) كجزء من تجربةمغايرة للمألوف السردي.كان غازي العبادي القاص والروائي متمكنا من فنون السرد خبيرا ومكتنز التجربة الحياتية التي اعطت لتجاربه السردية ذلك الالق الممتع والحزن العراقي الداخلي المستمر.
























