غادة صديق تطفئ نيران داعش بخلطة التعايش

غادة صديق تطفئ نيران داعش بخلطة التعايش

شتات نينوى رواية تستعرض مجتمع المدينة

سامر الياس سعيد

قبل بضع سنوات ،استوقفني ذلك المشهد الذي استقيته ، من خلال احدى الجلسات التي كان يحرص على  اقامتها اتحاد ادباء وكتاب نينوى،  وخلال تلك الجلسة الادبية ،قام احد ادباء المدينة بتوزيع نسخ من رواية  لكاتبة  عرفها ذلك الاديب لنخبة من زملائه بانها ابنة شقيقته وقد غادرت المدينة قبل سنوات  لكنها لم تفارق روح المدينة فتلبستها، واصبحت تستخدم تلك الروح كخزان ذكرياتها  فانتجت حكاية بعد اخرى  عاما بعد اخر ..في تلك الفترة  لم اكن  قد حققت ذاتي  في محيط المدينة الثقافية ، فتجاهلني ذلك الاديب ولم يمنحني نسخة من تلك الرواية التي كان يوزعها والتي قرأت عنها العديد من الاستعراضات والرؤى النقدية فيما بعد، بعد ان دون من حظي بتلك النسخ اصدائهم عنها ،فمنحنتي تلك القراءات نوعا من التشويق للاطلاع على الرواية المذكورة ،وبعد ان مرت بضعة سنين  تلقيت اتصالا  من الاديب (عبد المنان اسماعيل)  ليخبرني بان نسختي من تلك الرواية  او رواية جديدة للكاتبة (غادة صديق رسول)  قد اودعها في احد مكتبات الدواسة ، فشعرت بعد هذا الاتصال بالسعادة لمرتين ، اولهما  لانني سأطلع على رواية  دونتها كاتبة عراقية كسرت حاجز التقاليد ووضعت رواية تحكي مأساة مدينتها مقارنة بكثيرين من رجال الادب ممن اشاحوا اقلامهم عن تناول تلك الماساة والاصداء لما كانت تلفظه المدينة من انفاس اخيرة وهي تختنق بالالم والحسرات ، وشعور اخر بالسعادة اجتاحني كوني استاثرت باهتمام الاديب اسماعيل  الذي ربما التفتت الي اخيرا  ليهديني  تلك الرواية التي استعرضتها اواخر العام 2013  في صفحة ملحق (الف ياء) من جريدة (الزمان) ذائعة الصيت ..بعدها بعام او عامين  تواصلت مع الكاتبة رسول عبر مواقع التواصل وارسلت لي في احد ايام العام الماضي عبر زميل اخر نسخة من روايتها التي اصدرتها في خريف عام 2014وحملت عنوان (اجمل كابوس في العالم ) وعشت مع الرواية المذكورة احداثا  حزينة ، لاسيما تلك التي تعايش معها الموصليون ، ولم تكن غيوم ما حصل في صيف العام 2014  ببعيد عن الكاتبة (غادة صديق رسول ) مثلها مثل الكتاب  الذين وجدوا ان ماحصل في مدينة الموصل بمثابة خزان الحكايات الذي لاينضب ، خصوصا وان  الاعلاميون كانوا قد سلطوا اضواءهم ازاء  الحرب على تنظيم داعش مركزين على ما انتجته تلك الاحداث  التي شهدتها المدن  التي نالت نصيبها من الدمار والخراب بفعل تلك العناصر التي انتمت لذلك ،  بينما بقيت  القضايا الانسانية ، بعيدة عن متناول الاعلام الذي انشغل بنقل التفاصيل المحيطة من تدمير الاثار  وحفلات الاعدام الجماعية  وكلها كانت بمثابة فيلم  طويل ينتمي لسلسلة الافلام (الاباحية ) التي اباح فيها داعش الارض والعرض على مدار المناطق التي فرض سيطرته عليها ، لكن على العموم  لم تكن ردود الافعال  التي ابرزها الاعلام العالمي موازية لتلك الصور التي نشرتها وسائل الاعلام ..ولاشك في ان ماوراء ماجرى  من انتهاكات تطرقنا اليها ، كانت هنالك في المقابل الكثير من  القصص والحكايات  لابطال تنوعوا بين شرائح وفئات مختلفة ، وكلها اضحت جزئيات تكمل الصورة الحقيقية  لما جرى على مدى عامين ، ولابد ان تبقى عين الحقيقة ساهرة  لرصد سير لرحلة كثيرين  تركوا مدنهم واصبحت قضية تهجيرهم  محور لقصص اصبحت جزءا من  الذاكرة  فهنالك  العديد من قضايا فراق احبة  ومتزوجين  واباء لابنائهم وذكريات ساخنة كالدموع لمفارقة البيوت والامكنة –وكما اشعر انا الان -..!بعد كل هذه المقدمة  اعود لرواية الكاتبة غادة صديق رسول الجديدة التي عنونتها بـ(شتات نينوى ) والتي صدرت  عن دار الفارابي ببيروت بـ( (376صفحة  وحاولت الكاتبة من خلال روايتها الجديدة دحض كل ما يقال  بان اعمق وافضل ما  يكتب لايكتب  في زمن الازمات  بل على العكس  في ان ما كتبته  رسول ياتي  في اطار المعركة  المفتوحة على ذلك التنظيم  والاسلحة المستخدمة لابد ان لاتغفل  اسلحة السياسة  والاقتصاد والادب  لتوصل ما عكسه ذلك التنظيم  الذي حاول فصم عرى  النسيج الاجتماعي  والذي لم ينفع  جهد امهر الحائكين  من رتق تلك الشقوق  التي احدثها التنظيم بذلك النسيج ومع ان الصبر لاينفع اذا ما عالجنا به عقدا اخر  لنصبر على قراءة  سرديات تحاول رصد ما  دار في بلاد الرافدين وفي بقع مختارة من تلك البلاد التي وقعت اسيرة بيد التنظيم  ليحرق فيها الاخضر واليابس ..عالجت الروائية غادة صديق في روايتها حاجة المشهد الادبي لهذا اللون الابداعي  معايشة بذلك الواقع  وهنالك انماذج عربية  عالجت واقعها  برؤية ادبية خالصة  وتحولت فيما بعد الى  دراما تلفزيونية  كمسلسل (ذات) على سبيل المثال .. فقد انصتت الكاتبة في روايتها لاصوات المهجرين ممن اضطروا لترك منازلهم فاستباحها التنظيم  ووضع عليها بصماته المسخة  فابرزتها بصورة الغلاف المعبرة  ولم يكن متن الرواية  بعيدا عن  غلافها  فقد تفاعلت  الروائية مع تلك القضية الساخنة لتحولها الى رواية حافلة بالشخصيات  وتكون خطوة اولى تستدعي السينمائيين واهل الفن من ان يلتفتوا اليها ليحولوها فيما بعد  الى مسلسل او فيلم  لتترك اسئلة  تحيط بالصورة الكبيرة  التي اهملها العالم  بعد ان اهمل قبلها عشرات القصص الاعلامية  التي دونها صحفيون كشفوا زيف التنظيم وفضحوا  ماكنته الاعلامية ..واذا كانت وسائل التواصل  في قفص الاتهام بتهمة تغيير مزاج القارئ الذي بات يفضل كتابا صغيرا  بجمل قصيرة وحيوية  مع افكار سهلة  مبرزا ذلك القارئ رؤيته نحو الكاتب  الذي كلما  بسط ما يريد ان يقوله  لايصاله للاخرين  فيكون على قدر كبير من النجاح  لجذب ذلك القارئ وسيعتري ذلك القاريء شعور بالاستغراب نتيجة ما انتجته الكاتبة غادة من اسلوب جاذب للقاري بفصول روايتها التي تجاوزت الـ( (65فصلا حيث تعمدت مواراة احد الفصول الذي بدا  محوريا في سياق كل الحكاية التي تناوبت على نسج تفاصيلها بشخوصها وشخصياتها  لتستهل تلك الرواية باهدائها لي شخصيا  وهذا ما جعلني  اشعر بالاعتزاز  معتبرا بان ما قامت به الكاتبة يعتبر دليل التعايش وعنوان الحكاية الابرز  والذي عولت عليه  لتنطلق في سرد حكاية بطل الرواية (احمد رابح  عباس) واصدقائه ومحيط عائلته ..فالبطل  يبدا بسرد  حكايته مرمزا لاحداثها بالموصل المدينة المرأة التي تقف وراء الكثير من التفاصيل  لكن في سياق كل التفاصيل هنالك الكثير من الشخصيات المحورية لاسيما عزيز  الذي يطل كلما تعرض البطل احمد لخطب ما  جراء الاوضاع الشاذة التي تعيشها المدينة  ومثلما ذكرت مسبقا فان  الكاتبة ركزت  كثيرا في روايتها لاثارة  قيم التعايش  والتنوع والتبادل الثقافي وهذا ديدن الكتاب ذوو النزعة  التعددية الثقافية  من خلال تركيزهم  في العادة على الحديث على تلك القيم  واثارة موضوعة التعايش في فضاء تغلب عليه ثقافة مهيمنة  كما تبرز بذلك شخصية شقيق البطل المدعو (عباس).. (شتات نينوى)  الرواية بصدورها الان تمثل ترنيمة امل لمستقبل المدينة  التي استباحها التنظيم  ونهاية الرواية  بالرغم مما تكتسبه من الم وحزن عميقين  لايشكل الاانتصارا للرؤية الخلاصية  في خضم ازمة  الهوية الحديثة  الطاحنة  التي يعيشها الموصليون ممن تشتتوا  في  اتجاهات العالم  وفي فضاءات المدن البعيدة والقريبة .