عماد نافع : الفضاء السابع جواز مروري نحو العالمية

عماد نافع : الفضاء السابع جواز مروري نحو العالمية

الملك حسين زار معرضي وطلب مني إلقاء محاضرات فنية

عبد اللطيف الموسوي

لم أكن اتوقع بأن لقائي بالمبدع عماد نافع سيكون بهذا القدر الكبير من الامتاع والفائدة حتى لكأنني قد خضت عباب تجارب كبيرة عبر اجوبة نافع على اسئلتي ..ولكي اكون صادقاً ، فأنا لايمكنني الجزم هل ان اسئلتي هي التي كانت مفتاح الدخول الى بوابة الامتاع الذي احسست به وانا اضع اللمسات الأخيرة على هذا الحوار ، أم ان اجوبة المتألق المجتهد عماد نافع هي التي كانت وراء كل ذلك؟ لن اشغل نفسي ولن ادخلها في عناء البحث عن جواب لهذا التساؤل فالحكم اولاً واخيراً للقارىء الكريم الذي هو اصلاً هدفنا الذي نسعى الى اسعاده وافادته ولكني اكاد اجزم ان ثقافة نافع الواسعة وتعدد اشتغالاته ومواهبه كانتا من بين اهم الاسباب التي تجعل المحاور الى معاودة الكرّة معه في لقاءات موسعة اخرى وتدفع الناقد الى تتبع خطواته ودراستها بمهنية وأناة.

 كان عماد نافع الذي يفضّل ان يوصّف نفسه بـ(المستشكيل)، صريحاً معي الى ابعد الحدود معتداً بنفسه وهو يرى انه قد دخل الى العالمية منذ تجربة الفضاء السابع في تسعينيات القرن الماضي،  صريحاً بتوجيهه النقد الواضح للإعلام والنقد الادبي والفني ، مبدياً تذمره من اهمال الاعلام العراقي على نقيض الاعلام العربي والاجنبي الذي يهتم بالمبدع العراقي.. اعتقد ان هذا الحوار الذي خاض في تجربة عماد نافع ، قد حمل شيئاً من الفائدة والقى الضوء على ابداع هذا الفنان غسلاً لذنوب اقترفناها لإهمالنا له ولغيره برغم انني شخصياً قد واكبت تجاربه وكتبت عنها حتى تلك التجارب الجريئة التي اطلقها ابان النظام السابق وقد كان هذا الحوار:

{  مع أي العوالم الفنية او الادبية كانت الانطلاقة الاولى وما الذي علق في ذاكرتك منها ؟

– البداية كانت مع عالم الالوان في وقت مبكر جدا , بيد اني رسمت تخطيطاً للفنان عبدالحليم حافظ بقلم الرصاص على جدران الصف الخامس الابتدائي في مدرستي الابتدائية  “الواقدي ”  التي شهدت ولادة موهبتي في الرسم , وكنت ادفع ثمن ذلك عقوبات مستمرة من مدير المدرسة , لاصراري على رسم تخطيطات بالظل والضوء على جدران الصف  . وفي المتوسطة شاركت بأول لوحة زيتية لي حملت عنوان ” العامل” , في المعرض المدرسي في الباب المعظم وشارك معي حينها الفنان التشكيلي الراحل  عبد الرضا فليح  “رحمه الله “,بعدها استهوتني  الكتابة ” الخاطرة ,الشعر, النص ” وبدأت اكتب قصيدة مع كل لوحة ارسمها وتحمل العنوان ذاته, حتى نضجت ادواتي الفنية والادبية عام 1992 لتشهد قاعة التحرير في بغداد باكورة اعمالي التشكيلية وكان المعرض الشخصي الاول ” انتبهوا ..انه الانسان ” , الذي اثار جدلا كبيرا مرورا من عنوانه اللافت  وحتى مواضيع لوحاته التي كانت تستفز ازلام النظام البائد  وتستنهض الضمائر الحية , لتنقذ الانسان من مقصلة وطوامير الطغاة .جاء بعدها معرضي الشخصي الثاني ” الدعوة ثانية ” وهي ذات الدعوة الاولى لانقاذ الانسان , لتتسع آفاق لوحتي بعدها وتعبر الحدود فكان المعرض اللافت ” حمى فوق 40م ” عام 1993 الذي عرض في القاعة الماسية في الاردن وبحضور نخبة من الفنانين العرب وخص زيارته ملك الاردن الحسين بن طلال الذي اثنى على اعمال المعرض وطلب مني ان القي محاضرات فنية عن اسلوبيتي الجديدة في الرسم في جامعة اليرموك اكبر تجمع عربي ,والحقيقة ان هذا المعرض بالذات حقق لي الشهرة والحضور العربي والعالمي  ,ولأن اعمالي لاتخلو قط من الفضاءات المسرحية راودتني رغبة كبيرة بتأسيس اسلوب فني جديد لم يسبقني اليه احد  وهو مزاوجة التشكيل مع المسرح بتزاوح روحي وعضوي في آن .

{ ومن كان صاحب الفضل في تشجيعك على تنفيذ هذه الفكرة ؟

– الحقيقة كان استاذي د. صلاح القصب صاحب الفضل عليَ في اختيار دراسة المسرح اكاديميا لخدمة اللوحة التشكيلية , بعد ان وجد عشقي للمسرح حاضرا ,  الامر الذي دعاني الى ان ادرس الاخراج المسرحي اكاديميا لخدمة اللوحة الممسرحة , وبعد تخرجي قدمت تجربتي العالمية الاولى في المستشكيل وهي ” رحلة الميمون الى الفضاء السابع “.

{  لنقف عند هذه التجربة التي اخذت اصداءً واسعة من الاعلام في السابق والحاضر ؟

– نعم كانت تجربة الفضاء السابع عام ”  1999″  تحمل اكثر من تحد حقيقي, فعلى الصعيد الفني مثلا ,لم يتمكن احد من تحريك شخوص اللوحات التشكيلية وتحويلها الى ابطال مسرح , سواء على صعيد العراق او العالم ,وعلى الصعيد الامني كانت المسرحية تشكل  جرس انذار للطاغية , بعد ان ارجعه الى جحره النتن الذي خرج منه اول مرة , وهذه النبوءة تحققت بالفعل  بعد سقوط الطاغية والقبض عليه في الجحر ذاته الذي رسمته في مسرحيتي .وهذه نبوءة الفنان .المهم  هذه التجربة عدها خبراء التشكيل والمسرح ,بأنها تجربة عالمية رائدة, وهذا مااكده الناقد العالمي عز الدين نجيب والفنان التشكيلي الرائد نوري الراوي ,والفنان الرائد شاكر حسن ال سعيد “رحمه الله” والدكتور ميمون الخالدي والبروفسور العربي عبد الرحيم مراشدة واخرون .وبالمناسبة عرضت التجربة على هامش المسرح العالمي الذي اقيم في بغداد عام ” 2001″ في دار افق للفنون , وسجلها د. عز الدين نجيب لصالح التلفزيون المصري .

{ وماهي التجارب الاخرى التي اعقبت الفضاء السابع ؟

– استمرت تجاربي المسرحية او التشكيلية , فعرضت مسرحية ” عيون ” تأليفي واخراجي وبطولة عهود ابراهيم وناصر سامي , ومسرحية ” نائمون والطوفان ” التي عرضت في منتدى المسرح و شاركت بعدها في مهرجان الجزائر وكان معي الكيروغراف المتميز محمد مؤيد ومجموعة رائعة من ممثلي الجسد ,  حتى جاءت مسرحية ” بقعة النور ” تأليفي واخراجي الفائزة بجائزة عيون  كأفضل عمل لعام 2014 تألق في تجسيدها الفنان المبدع محمد هاشم , والكيروغراف امين جبار ومجموعة الجسد .واخيرا كانت تجربتي المهمة “فجر سريالي” التي عرضت مطلع هذا العام في قاعة كولبنكيان , وضمت التجربة ثلاثة اعمال  “مستشكيل ” وهي : ” القبر الاخير , وصرخة الدم , وعادوا لعراقك من جديد ” , ومعرضاً للرسم ضم 30 عملا تشكيليا بمواضيع انسانية مختلفة ولعل اهمها لوحات مجزرة سبايكر , وتوقيع مجموعتي الشعرية الثانية ” فجر سريالي ” .وشارك معي في هذه التجربة مجموعة رائعة من المبدعين الشباب .

* لنقف قليلا عند قصيدة عماد نافع التي اطلقت عليها تسمية ” القصيدة البصرية ” او التشكيلية ، هل هي على خطى اسلوب ” المستشكيل ” ؟

– هنالك تقارب كبير بالاسلوب وان اختلفت الآليات , فمجموعتي الشعرية ” حمى فوق 40 م ” ضمت قصائد متزاوجة مع التشكيل ,بمعنى الخطوط التشكيلية ترسم مفردة القصيدة  مثل ( في حبل مشيمتي يصلبونني الآن ..امامي ) و ( مومس تشتهي ابتلاع العالم …فتحيل جسدها الى ثقوب ) و( نخلة تهرب خلسة …لتتبضع تمورا مستوردة !!) هذه القصيدة التي كادت ان تطيح برأسي على يد ازلام النظام البائد .

{ لماذا هذه القصيدة بالذات ؟

– اخبرني المسؤول الامني في لجنة فحص النصوص انه حذف نقطة واحدة من القصيدة لسلامة رأسي !, بعدها عرفت انه حذف نقطة من كلمة نخلة , لتصبح ” نحلة ” وشتان بين الاثنين في المعنى , لان النخلة ترمز للعراق , وصدام كان يعدّ نفسه هو رمز العراق , فكيف لي ان اقول : ” نخلة تهرب خلسة …لتتبضع تمورا مستوردة !!!!” .

{ ماهي مرجعية مصطلح الـ(مستشكيل) ؟ وألا ترى انه عسير على التقبل وربما ان هناك من يرى ان لفظتي(المسرحي والتشكيلي) أسهل منها , ماهو تعليقكم على ذلك ؟

– مرجعية المستشكيل جاءت من التزاوج الروحي والعضوي في آن بين المسرح والتشكيل . وفرق كبير بين لفظتي ” المسرحي والتشكيلي ” وبين ” المستشكيل ” فالاولى تعني انك متخصص بفن المسرح وكذلك بالفنون التشكيلية , وهذا الامر شائع جدا , ولكن اللفظة الثانية تعني انك متخصص بفن واحد , او اسلوب فني جديد , تذوب فيه احرف المسرح مع احرف التشكيل , ونتيجة هذا التزاوج يولد لنا مصطلح جديد اسمه ” مستشكيل “.

{ بدأت متميزاً في الفن التشيكلي ثم خضت تجارب شعرية وتألقت في المسرح وطرقت باب الصحافة بقوة، فلمن الغلبة؟

– الغلبة لكل ماذكرت واعتقد ان النتائج هي الدليل القاطع على كلامي ,فالتشكيل والمسرح والشعر ,يخدم احدهم الاخر , والتالق بالتالي يكون للتجربة الواحدة التي تجمعهم فخذ مثلا تجربة ” فجر سريالي ” جمعت التخصصات الثلاثة بالقوة ذاتها, اما الصحافة فأعتقد ان تفوقي بها واضح من خلال ترؤسي تحرير صحيفة مهمة مثل “البينة” وعملي في صحف عربية ودولية منذ اكثر من عقدين من الزمن .

{ أراك متعدد المواهب والرغبات الا ترى في ذلك تشتتاً لإمكانياتك؟ أليس التخصص أفضل؟

– اذا كان الفنان او الشاعر او الصحفي , يمتلك ادوات الابداع ,ويسخر التخصصات الفنية المختلفة  لتجربة فنية واحدة , فذلك عامل تفوق وليس تشظياً او تشتتاً , والعكس صحيح . بمعنى لو لم اكن مسرحيا متفوقا وتشكيليا بالدرجة نفسها لما استطعت تحقيق تجــــــربة رائدة مثلا , وهكذا , انا مع التنــــــــوع والتجريب , لأن الحياة متحركة وليست ثابتة .

{ ما العمل الذي تعتز به في مسيرتك الإبداعية؟ ولماذا؟

– اعتقد ان تجربة الفضاء السابع , تبقى لها نكهتها الخاصة في نفسي لاعتبارات عديدة ولعل اهمها, انها تعد جواز سفري نحو العالمية .

{ الآن وبعد هذه السنوات الطويلة من العمل والتجربة ، كيف تنظر الى اعمالك الاولى؟ ولو عاد بك الزمن فهل ستكون كما هي أم تجري عليها تغييرات؟

– لا اغير شيئاً , بل سأبدأ تجربتي ” المزاوجة ” من وقت مبكر , لاصل الى نتائج افضل في وقت اقصر , حتى تكون لهذا الاسلوب قاعدة كبيرة , لاني نادم على السنوات الاولى التي لم انضج بها هذا الاسلوب الجديد .

{ هل أنصفك النقاد ؟ وهل صادف ان واجهت نقداً بناء أظهر عيوباً ما في اعمالك وجميعنا لانخلو من عيوب؟

– الحقيقة ان ماحصلت عليه من اعلام خارجي اكثر بكثير من الاعلام المحلي , وهذه مشكلة كبيرة , لأن البعض الذي يجهل تاريخك يحاول ان يتجاهلك , ولكن هذا لايمنع من وجود نخبة جيدة من النقاد العراقيين الذين كتبوا بانصاف عن تجاربي الفنية في السابق والحاضر .

{ ماهي اعمالك المستقبلية ,سواء بالمسرح او التشكيل او الشعر ؟

– من اعمالي المستقبلية , اكمال تجربتي في المستشكيل بعمل كبير يحمل عنوان ” استنساخ بشري ” , حيث اكملت كتابة النص ووضعت له الرؤيا الاخراجية المناسبة , ولكن لم احدد ابطال عملي الى هذه اللحظة , ولدي مشروع مسرحي بعنوان ” زهور مسرطنة ” أجازته دائرة السينما والمسرح منذ عام 2013 وتأجل بسبب الضائقة المادية , اما المشروع الثالث فهو كتاب فني يحمل عنوان ” المستشكيل ” ويضم تعريفاً بهذه الاسلوبية الرائدة بشكل علمي  دقيق , ويضم الكتاب اراء الكثير من النقاد العراقيين وغير العراقيين مع صور توضيحية .

{ كيف ترى واقع الاعلام اليوم وهل تناغم مع المرحلة الخطيرة التي يعيشها البلد؟

– هذا السؤال غاية بالاهمية , لخطورة المرحلة كما ذكرت ,والمؤسسات الاعلامية  والصحافة العراقية , لاتمتلك خطابا وطنيا موحدا , بسبب الانتماءات لهذه الكتلة او تلك , ولهذا الحزب اوذاك , مع وجود اجندات خارجية تتحكم بمصير البلد ,هذا التشظي والتشتت لايخدم ولايعالج  قضية الوطن , ولكن هنالك بعض الاستثناءات .

{ ما الذي استفدته من دراستك الاكاديمية وماذا اضاف لك الاساتذة؟

– كما اسلفت خدمتني دراستي للاخراج المسرحي في تحقيق حلمي في المستشكيل وكذلك اعمالي في المسرح , سواء على صعيد الاخراج او التأليف المسرحي. { الجوائز.. ماذا تشكّل لك؟ .. هناك من لايكترث لها لأسباب يراها منطقية ،فكيف تنظر للأمر؟

– الجوائز في الاصل , تعني اعتراف الجهات المتخصصة بجهدك الابداعي , وهي دعم معنوي لإستمرار الجهد المتميز , ولكن للاسف مايحصل عندنا  لايعدو عن كونه مجاملات فارغة , وصفقات تافهة , ليس لها علاقة  بالابداع ولا التميز, لامن بعيد ولا من قريب.