علي عبد الحسن يحوّل إدراكه إلى منظومة فكرية وتأملية

علي عبد الحسن يحوّل إدراكه إلى منظومة فكرية وتأملية

الإنعتاق من الخشب وجذور الأشجار

مؤيد داود البصام

كيف يمكن تحويل نص شعري  يرزح تحت هيمنة   التجريد التي يرتكز عليها مخيال الشاعر، الى نص برؤية بصرية مادية، وتحويل التجريد الى واقع مادي، فعندما نحول 5*5=25  لشيء مادي خارج التجريد الرياضي . سنضع خمس وعشرين قطعة من النوعين اللذين نضرب بهما المثل حتى نستطيع الرؤية البصرية للاستدلال وإيجاد القيمة، وهو ما يجعلنا نتوقف للسؤال كيف سنتلقى صورة لهذا النص التجريدي الذي يخلط الواقع بالميال.

( قبل عشرين عاماً ، كانت عندي خطةٌ جيدةٌ للهروب من هنا ..خطةٌ محكمةٌ حيث لن يشعر أحدٌ بغيابي ،كل ليلة أفكر فيها و أراجع التفاصيل ،كان يجب أن أضع في فراشي جذعاً مقطوعاً ، له نفس طولي و نحيفٌ مثلي ،ثم أغطيه ببطانيتي .. و أذهب ! في الحقيقة أنا الآن لا أتذكر ، هل نفّذتُ خطّتي تلك أم لا ؟ لكنني أخشى حقاً أن أكون قد نفّذتُها وأنَّ هذا الذي هو أنا و الذي ينادونه باسمي دائما مجرد جذع مقطوع وجدته أمي في فراشي

و اعتنى به أبي كولدٍ له ،حتى كبُر و صار شجرةً لها جذور وأغصان شجرةٌ ؛ كلّما غادرها عصفورٌ و طار بعيداً،خطّطت مجدّداً للهروب !) ميثم راضي

نص سريالي يختلط فيه الحلم بالواقع، الأمل والخيبة من الحياة، كل العناصر متوفرة  تجعله نصا سرياليا بامتياز، السرد  يسير بهدوء وروية حتى لتكاد تصدق إن ما تقرأه حقيقة، وهذا يذكرنا بنص استثنائي للمتنبي وهو يصف سيف الدولة في احد معاركه في قصيدة على قدر أهل العزم :  وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ  كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ  صورة لمخيال يصعب رسمها لأنها تمزج عناصر متعددة لتخرج بهذه القيمة الجمالية، تدعٌ العقل للتأمل والوقوف والتصور في حدث مرعب. واقف والموت يترقبه وليس هناك شك انه ميت ولكنه أوقف لحظة موته على حركة الجفن في اغفائته، وترك أية حركة للجفن تعني الموت، ) كأنك في جفن الردى وهو نائم )، أية عظمة يسوقها هذا المخيال ألحلمي. وهكذا نجد نص ميثم راضي يتدرج بك في الواقع ليوصلك للحلم، ولكنه حلم غير موجود ولا متحقق. أنه ليس مجرد خيال وليس واقعا، أنه تلك الحقيقة المرة التي نعيشها مكبلين بما وجدنا أنفسنا فيها، وكلما أردنا الخروج من الشرنقة التي وجدنا أنفسنا محاطين بها، ظهر لنا ما يعيدنا للمربع الأول ، جذورنا ثابتة وحقيقتنا متفرعة ولكن حلمنا واسع بوسع عالم الطائر، لا أريد إن استطرد في تحليل قصيدة ميثم راضي لأني لست مكتشفها،  وجدتها قد تأثر بها علي بن عبد الحسن فأنتج لنا نصا بصريا ماديا ملموسا، والسؤال كيف عالج نصا خليطا من الواقع والفنتازيات ليقدم هذه الرؤية البصرية. عبر عمله النحتي ( انعتاق )

المادة وتأثيرها

قد يكون اشتغال الفنان علي عبد الحسن يتركز على مادة الخشب وبالذات جذوع الأشجار ليحولها الى رؤية بصرية بقيم جمالية تغير من طبيعتها الجامدة إلى طبيعة متحركة، ولكن ليس مصادفة إن يكون هناك تطابق بين القصيدة التي تناغمت مع ذاته وبين المادة التي يشتغل عليها، اختار جذعا مستقيما قائما، أعطى للكتلة ثقلها من القاعدة للأعلى، ثم اشتغل على الجزء الأعلى ليدخله في لحظة الوهم والتأمل والضياع،  بالواقعية التعبيرية التي اشتغل عليها استطاع إن يحذف ما لا يرغب في وجوده حتى يتم التناسق بين الفضاء الداخلي   للحركة الساكنة التأملية للتشخيص وبين الفضاء الخارجي، أين مكمن البحث عن الوجود الضائع الذي أوصلته القصيدة إليه ؟ في الوقفة المشدودة برباط وجودها الأزلي للأرض في حدود الجسد القائم على افتراض انه يمثل الكائن الذي اختار وهو لا يملك الاختيار، ) و أنَّ هذا الذي هو أنا و الذي ينادونه باسمي دائما مجرد جذع مقطوع وجدته أمي في فراشي ( إي إن هناك انفصال بين الواقع والافتراض بحرية الوجود، إنهما كائنان مختلفان احدهما واقع والأخر متخيل، احدهما يتوق للحرية والأخر ربط بالواقع واستكان له، مثله بحبل متين ملتف حول اليد والقدم، في تضاد مع  رقة استطالة الجسد الى متانة الحبل وضخامته وربطه بين اليد والتفافه حول القدمين   ليمنح البعد الفكري قي رفض الواقع وعدم الاستطاعة لأننا خلقنا محدودين.أن مادة الخشب لها تأثير في صنع العلاقة بين المنتج والمتلقي ضمن إحساس الهدوء والطمأنينة، مشتغلا لإظهار حالة الوجود الافتراضي بالصقل  وترك نتوءات  للسطح تعبر عن جمالية قيمة اللون الغامقة وسكونية الفعل، بينما أوقف التشخيص بلحظة تأمل وانكسار على الرغم من الاعتداد بوجوده، وظل الحبل يمثل بقدر متانته وثقله حقيقة واهية، إمام الحلم في وقفة التشخيص ولحظة التأمل في التفكير الدائم بالهروب من جحيم الوجود الذي فرض عليه وكبله.

أستطاع النحات علي عبد الحسن من جرنا إلى ما وصل إليه، فحول الفكرة من فنتازياتها التي شخصها ميثم كحالة وجودية رافضة  للواقع إلى واقع ينوء تحت ثقل عدم الاختيار والبقاء في الحلم .يعزز الفنان إدراكه العقلي لبناء منظومة فكرية وتأملية تتحرك ضمن الرؤية الجمالية التي قدمها عبر جذع الشجرة من حالة السكون إلى حالة الحركة، ورسخ قيم التأمل والبحث عن الوجود الضائع بين التسطيح الذي يعيشه الإنسان وبين العالم العميق الذي ينتجه العقل المتأمل ضمن حركة المجتمع. إن منحوتة النحات علي عبد الحسن تحاول صياغة واقع  من الصعب النظر إليها إلا عبر لحظة التأمل وإدراك ما لا يدرك . ومحاولة فهم كيف يمكن التعبير للتطابق بين الشكل والنص عبر تطابق البناء العام للتشخيص وبين إيجاد القيم الجمالية التي تجر المتلقي للتأمل، وهنا ينزاح التجريد إلى حالة اكتشاف الذات ويصبح واقعا، إن النحات أراد إن يبني منظومة فكرية للرفض من خلال العاشق بين الواقع والميال. ضمن فهم للكتلة والفضاء وإبعاد حركة الكتلة داخل الفضاء العام.