
علي بدر روائي برؤية فلسفية ونص متجدّد
الأحداث بواقعية العقدة النفسية
حمدي العطار
يعجبني أن أقرأ رويات “علي بدر” وكلما أنوي الكتابة عن رواية من رواياته أجد صعوبة في ذلك، فهو في كل سردية يضع المتلقي في موقع السارد للاحداث وخالق لتلك الشخصيات التي طالما نلتقي بها في بعض الاماكن وفي كل زمان، له صيغة وخطاب مباشر يجعلك من الورقة الاولى تتعرف بلا مقدمات على الشخصيات الرئيسة في الرواية، تحبها، تتعاطف معها، تسخر منها، وحينما تترك الرواية تبقى عالقة معك أينما تذهب وقد تحلم بها ،وتحزن لفشلها وعجزها وأحباطها والكآبة التي تمر بها، وأذا انتهت الرواية ومات فيها البطل تشعر كأنك قد فقدت أنسانا عزيزا عليك.
– علي بدر روائي من جيل ما بعد الحرب في العراق له 14 رواية امتدت ما بين 2001 – 2017 وهي حصيلة تعد غزيرة الابداع، وهذا الكم لم يؤثر سلبا على النوعية، بدأ برواية (بابا سارتر) التي اكتسب منها الشهرة في عالم الرواية وكذلك الفوز بالجائزة وانتهى في 2017 برواية (الكذابون يحصلون على كل شيء)الصادرة من دار النشر الرافدين – بيروت ودار ألكا – بلجيكا/بروكسل، تقع الرواية في 283 صفحة من الحجم الكبير،وتحتوي الرواية على عشرة فصول ،تبدأ بالفصل الاول (ما لم يقله ماركس) وتنتهي بالفصل العاشر (نهاية العربي الحزينة في الروليت الروسي).
– مكان الرواية حي (لويز) في بروكسل عاصمة الاتحاد الاوربي وبلجيكا،هذه المدينة التي أشتهرت منذ عشرات السنين بأن تكون مأوى (للسياسيين المنكوبين) – الذين تطيح بهم الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية فيأتون للسكن في لويز، حيث تقوم شركات متخصصة بنقل ما يسرقونه من أموال من بلدانهم وجلبها لهم-
– الشخصيات الرئيسة للرواية من العراق (جلال) وجورج المكنى “الاستاذ”! في الفصل الاول من الراوية يقدمهم لنا الروائي للتعرف على شخصيتهم، الاستاذ القادم من ريف الموصل- المسيحي يدعي بأنه شيوعي،دائما يستشهد بمقولات ماركس التي لم ينطقها فعلا ماركس لكنه يقسم (وشرف أختي ماركس قالها) ومن هذه المقولات عنوان الرواية ((الكذابون يحصلون على كل شيء)) (( اللص كائن وسيم)) ، الشخصية المحورية الثانية (جلال) وحده يعرف أن الاستاذ ليس ماركسيا حقيقيا، بل هو “خليط من كل شيء، متدين ومهرب، شريف وخاطئ، نبيل وكاذب ،ولكنه غير محظوظ بالمرة” جلال الذي نتعرف عليه من كتابة “أوراق” في بداية كل فصل ، تقترب العبارات فيها من قصائد النثر”ليس للمجموعة قلب واحد يخفق، لكن اللغة توحدهم على إيقاع كلمات بعيدة ، وألحان جنونية، في أعماقهم هذا الفراغ الكبير”
-وزير فاسد يسرق مليون دولار ويهرب خوفا من الانقلاب العسكري ليكون في (لويز ) يقرر جلال ويقنع صديقه الاستاذ على الاستحواذ على هذا المليون ومنحه للأجئين من العراق وسوريا “كان جلال يشرح للأستاذ ظهور الوزراء العرب المنكوبين في حي لويز،بعد الثورات العربية،محاولا إقناع الأستاذ بفكرته، وهي الاستيلاء على مليون مسروق ومهرب من قبل أحد الوزراء المنكوبين..ونعطيه للاجئين السوريين والعراقيين”
البطل فوضوي وحالم
علي بدر شخصيات رواياته قليلة لكنه يعتني كثيرا برسم ملامحها الخاصة ولكنها تصلح أن تعبر عن شرائح أجتماعية واسعة بما تمر به من بؤس وشقاء فتصبح على الرغم من خصوصيتها هي تمثل حالات أنسانية.في رواية “الكذابون يحصلون على كل شيء” لدينا 4 شخصيات مؤثرة – جورج- الذي يلقبونه بالاستاذ ،- الذي يستشهد بكل حدث من الاحداث بماركس ،-جلال- المثقف والشاعر الذي يتعاون مع المافيات الروسية للحصول على المليون المهرب الى الوزير الفاسد،-دلال- السورية الهاربة من بلدها بعد أن حملت من صاحب خمارة بعمر ابيها، الوزير المخلوع الانتهازي الذي يتحول من جهة سياسية الى أخرى!
الابطال كما يتصورهم الروائي،هم اناس يمتازون بالاحباط ويعانون من الازمات النفسية التي خلفتها الحروب وغياب الحرية وعقدة الاضطهاد من الانظمة البوليسية،لذلك يفتقرون الى الصفاء الذهني والعقلانية بأتخاذ القرارات المناسبة على الرغم من ذكائهم ومواهبهم الفطرية وثقافتهم الواضحة من خلال احاديثهم، لكنهم بسبب تراكم تجارب الفشل يقودهم طموحهم الى المغامرة ،لنستمع الى جلال وهو يحاور الاستاذ “الشخص الذي لا يقامر كثيرا يتبلد عقله، عليه أن يقامر، يخسر المال، يسرق، يعاشر النساء، يشرب الخمرة،يخطط حتى وإن خسر! …أن تتحمل الحياة هكذا من دون أي خسارة أمر لا يمكن أحتماله!-اعداء هؤلاء الابطال هي الانظمة الدكتاتورية ورموزها السياسية،هؤلاء الذين حتى لو تعرضوا للهزيمة فلا يخسرون ابدا!”هم يحصلون عليه بسهولة هههه.. هم يلطشون الأموال ويقيمون هنا لتبديدها….يعيشون حياة لوكس…هم وعائلاتهم..لديهم أموال كثيرة..أموال ملطوشة من الخزينة، وتقوم شركات خاصة بتوصليها لهم إلى بلجيكا”
– فكرة سرقة المليون دولار من الوزير الفاسد لا يتوقف الهدف عندالاستحواذ على المال،كأي سارق محترف! لكن للسرقة هنا هدف نبيل “(تحدي القوة الجائرة في العالم التي لا يمكن السيطرة عليها، ولكن على الأقل بمشاركتها بالأموال التي تنهبها، وتوزيعها على لاجئين هم في النهاية ضحية هذه القوى الجائرة ووسائلها في الهدر والتخريب)- النساء في الرواية ليس حالهم افضل من الرجال غير انهن يتم التعامل معهن من الناحية الجنسية اكثر مما يكون التعامل انسانيا لنرى عبث الوزير مع الفتيات الجميلات ،وحوار جلال مع حبيبته (أداليدا):-
-ماذا يفعل في هذا المكان؟سأل جلال أداليدا/- إنه يتنقل على الدوام بين طاولات الفتيات الجميلات. يقال إنه سرق مليون دولار قبل هروبه/ هل هن طالبات؟/ – بعضهن طالبات فوضويات منحدرات من عائلات ثرية، والبعض الآخر يعملن في محال متنوعة على الطريق/ غير أن جلال فهم من إشارات أداليدا أن الفتيات الجميلات اللواتي يرافقن الوزير العربي في المجمل هن أوكرانيات،جورجيات رومانيات أو ممن ضللن طريقهن،وقدمن إلى بروكسل عبر مهربين محترفين،اوهموهن بالعمل في محلات السوبرماركتات فوجدن أنفسهن في محلات دعارة”
– هناك ايضا (دلال) السورية وأبنتها وهي حبيبة (الاستاذ) الذان تعارفا أثناء وجودهما في كامب اللاجئين،عندما جاءت دلال وهي في سن السادسة عشرة،وهي حامل،من علاقة جنسية مع رجل تاجر لبناني بعمر ابيها وحملت منه،ثم قتل هذا الرجل واتهمت دلال بقتله فهربت مع أحد المهربين حتى وصلت الى بلجيكا،الاستاذ ودلال تطورت علاقتهما قبل ولادته ابنتها حينما سافرا معا الى مدينة بروج، على بحر الشمال،وهناك شعت بألم المخاض،فساعدها في الذهاب الى المستشفى لتحدث الولادة بعد ساعتين ،ليحضنها والدموع تنهمر من عينيه، ومنذ تلك الليلة وهما سويا في علاقة حب عميقة!
– لعبة الروليت الروسية:- كل يوم احد في احد مقاهي حي لويز يمارس فلاديمير لعبته الأثيرة ،يضع في الساقية الدوارة لمسدسه التي تحتوي ثقوبا لست طلقات رصاصة واحدة، ويدير البكرة،ثم يصوب إلى رأسه،ويطلق النار،فتكون فرصة نجاته واحدا من ستة ،قد تصيب فيموت وقد لا تصيب ويحيا،وكل مرة يحيا فلاديمير بقدرة لا احد يعرف ما هي،ثم يجمع المال من الزبائن لتكفيه أسبوعا كاملا من الطعام وشرب التكيلا والانفاق على صديقته! الأستاذ قال مرة لجلال- أريد أن أجرب هذه اللعبة من كل قلبي!- ماذا قلت ..هل أنت مجنون؟-لم لا؟- كل شيء فيه عربي نهايته سيئة!”
نص متجدد يعبر عن واقعية الاحداث
رواية علي بدر (الكذابون يحصلون على كل شيء) هي تلامس الواقع الصعب للهاربين (اللاجئين) الى دول اوربا(بلجيكا) لأن الحياة في بلادهم من الخطورة لا يمكن تحملها ولكنهم يحملون هموم أوطانهم معهم فلا سبيل من الخلاص من هذه العقدة النفسية، التي تجعلهم يحسون بالتمزق والانشطار الداخلي بسبب الفراغ والحياة الغربية المعقدة التي من الصعب التكيف والتواصل معها فضلا عن الاندماج في تلك المجتمعات،وبراعة “علي بدر” تكمن في جعل التزاوج بين مشاعر شخصياته من خلال تصعيد الشعور بالحزن والضياع والغربة ليصل بشخصياته الى المصير المؤلم!فكيف يشعر المهاجر بالسعادة وبماذا يقضي وقته وما هي تسلية المهاجرين “الإشاعات هي تسلية المهاجرين واللاجئين الوحيدة. إنها عالمهم، فلا هم من هذا البلد ولا من ذلك البلد.إنهم يعيشون ويتنفسون في طن من الإشاعات.إنها بلدهم الحقيقي”
– جورج او الاستاذ بعد أن أحس بفقدان حضن حبيته (دلال) التي تقيم علاقة من الشاب (رباح) ، وكذلك تفشل محاولة سرقة المليون دولار من الوزير لأن المهربين قد أستبدلوا الدولارات بأخرى مزورة ! يقرر أن يقامر في الروليت الروسي في مشهد غاية في الحبكة والاثارة”أدخل رصاصة واحدة في الساقية وأغلقه، ثم تقدمت فتاتان شبه عاريتين،واحدة تقدمت من فلاديمير والأخرى من الأستاذ،وقد عصبتا عيني الاثنين بعصابتين سوداوين…حينما ضغط فلاديمير الزناد ازدادت الإثارة كثيرا ..دارت البكرة وسمعت تكة المسدس، فقد نجا…امسك الأستاذ المسدس بيده ببطء شديد ورفعه نحو رأسه،ثم صوب فوهة المسدس إلى صدغه،ولم يعد يسمع أصوات المتراهنين في البار…ثوان فقط فينفجر صوت الإطلاقة يسقط الأستاذ من الكرسي،بينما يرش الدم المساحة البيضاء التي خلفه”
– دلال حبيبة جورج، تشعر بعقدة الذنب وتعد نفسها مسؤولة عن مقتل الاستاذ “كان الحزن يغرقها”الجميع اصبح ضدها وأخذوا ينعتوها (بالبائسة والشريرة) ولم يعد يرغب في لقائها أحد ،”دلال انهارت حياتها بعد أن سمعت بالخبر، ودخلت إلى المصحة النفسية.. وأصبحت أشبه بالمجنونة لشعورها بعذاب الضمير”
– جلال ،قرر أن يتابع حياته بفضل الصبر الذي تعود عليه ،وعد صدمة المليون عليه استيعابها ، لكن موت صديقه الاستاذ في الروليت الروسي وجنون دلال التي يحبها بصمت ! وخبر عودة الوزير صدمات أكثر تأثيرا من فقدانه المليون دولار ،فقد قرأ خبرا في صحيفة القدس العربي”بعد أربعة أعوام من المنفى المفكر الإسلامي ووزير الثقافة يعود إلى بلاده ولم يف بوعده ويأخذ معه من كان يخدمه بالمجان ” اما الشخص الذي اخذه معه ( الصبية المغربية) عشيقته في المنفى! “جلال ليس مصيره أفضل من الاستاذ (جورج) فقد ذهب في زيارة للعراق بعد أن حصل على الجنسية البلجيكية،وراح ضحية التفجير الارهابي في الكرادة!
رواية علي بدر مليئة بالمشاعر والاحاسيس والأفكار تعطي مساحة واسعة للتأمل ،فهي تجعل المتلقي يتوقف للتفكير بالتمزق الوطني والذاتي التي اصيبت بها الشخصية العراقية والعربية المهاجرة الى ارض الفردوس (أوربا) وتجعلك تأسف لأن الانسان العراقي يفقد حياته بلا أي ثمن ،الرواية تحتوي على تفاصيل كثيرة وبسيطة وهذا هو أسلوب علي بدر يرسم تلك التفاصيل في المأكل والمشرب والمكان وعلاقات الحب والجنس والاحاديث الشيقة ليجعلها تلتقي في هارموني لتعطي معنى كبيرا بعد الانتهاء من الرواية. “تنشغل هذه الرواية بطرح أسئلة كبيرة: هل التغيير السياسي في العالم العربي يؤدي الى الحريات،وماذا عن الطبقة الرثة المناوئة للتنوير،والتي تتبنى التغيير القادم؟
























