على حافة الجنون
كان يجيء في تلك الصباحات المتسكعة على حافات الحزن ، يحمل تحت أبطه رائحة بنات الهوى اللواتي كُن يقدمن له ما اعجز عن تقديمه ،أنا الفلاحة التي كانت تحلم بالمدينة ، بناياتها وأرصفتها وجامعاتها وشوارعها وأزقتها ، كل تلك الشواهد تناوبت على شهوة حلمي وأنا أشاهدها عبر شاشة التلفاز ، أبي كان يقول لي قبل أن يرحل لمعركة ما (سأدعكِ تخرجين من هذا القُم الذي اسمه القرية ، ستكونين معلمة أو مدرسة ، لن أبقيك هنا تركضين خلف الدجاجات تعدين بيضها وتحلبين البقرة وتجلسين مع النساء تمضغين الخرافات) لكن عمي قام بدفعي في أحضان ابنه البكر ليقدمني وليمة لأعرافٍ طالما حماني ابي قبل منها قبل ان تتخطفه أيادي الدمار ، هكذا وجدتُ نفسي أمام إنسانة أخرى لا تشبه تلك التي كبرت بين جوانحي ولم تكن تحتاج لأكثر من جناحين تحلق يهما إلى عالم أخر وحكايات أخرى .. أمي ، المرأة المسنة المغلوبة على أمرها التزمت طفلاي بعد أن يئست من صلاحي لأكون أما كما هي .. فبتُ ارقب من بعيد علاقتهم التي سلبتني أن أكون أما من جانب وبنتا من جانب أخر .
ورغم السنوات العشر التي قضيتها مع المدعو زوجي ما زلت انفر منه ، وما زلت انتظر قدوم والدي ذات صباح ليحملني معه بعيدا عن الزنزانة التي زجوا روحي بين جدرانها وأنا اسمعهم يتهامسون (عقلها على حافة الجنون)..
هذه الجملة كانت كفيلة أن احمل بعض ثيابي ذات ليلة كنت وحيدة فيها ، وكان هو ينام بين ذراعي إحداهن كما الليالي السابقات ، وأرحل ، لأبحث عن أبي لعلي أجده وحلمي بانتظاري في صفحة سقطت من كتاب الحرب وخبأتهما في سطر سلام .
شيماء المقدادي – ديالى
























