عشتار حمودي..تواصل مسيرة رواد الفن التشكيلي العراقي-د. سناء عبد القادر مصطفى

 

سناء عبدالقادر مصطفى

[

كتبت‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬شخصي‭ ‬مع‭ ‬الفنانة‭ ‬عشتار‭ ‬جميل‭ ‬حمودي‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬العام‭ ‬2002‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬بالعاصمة‭ ‬بغداد‭ ‬وهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬باللغة‭ ‬النرويجية‭ ‬قمت‭ ‬بتأليفه‭ ‬مع‭ ‬زوجتي‭ ‬آلا‭ ‬بوغدانوفا‭ (‬ماجستير‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية،‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة،‭ ‬سانت‭ ‬بطرسبورغ‭ ‬،‭ ‬روسيا‭ ‬1983‭) . ‬

 

الفنانة‭  ‬عشتار‭ ‬جميل‭ ‬حمودي‭ ‬هي‭ ‬ابنة‭ ‬جميل‭ ‬حمودي‭ ‬الشهير‭. ‬والدها‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬وقفوا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تأسيس‭ ‬الأتجاهات‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬العراقي‭ ‬،‭ ‬والدتها‭ ‬فرنسية‭.‬

ولدت‭  ‬عشتار‭ ‬جميل‭ ‬حمودي‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬سنة‭ ‬1952‭ ‬ودرست‭ ‬هناك‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تتأثر‭ ‬بالانطباعيين‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الانطباعيين‭. ‬حللت‭ ‬نفسها‭: “‬يمكن‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬الروح‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭ ‬،‭ ‬ويقول‭ ‬الكثيرون‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬اكتشاف‭ ‬آثار‭ ‬ماتيس‭ ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬الرموز‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬أدخلها‭ ‬،‭ ‬أبدو‭ ‬كفنانة‭ ‬عراقية‭ ‬حقيقية‭”. ‬

في‭ ‬تكوينها‭ ‬كفنانة‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬النقطة‭ ‬المهمة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬والدها‭ ‬،‭ ‬جميل‭ ‬حمودي‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬معلمها‭ ‬الأساسي‭. ‬وجه‭ ‬نواياها‭ ‬في‭ ‬الابتكار‭ ‬نحو‭ ‬الطابع‭ ‬الوطني‭ ‬العراقي‭ ‬وساعدها‭ ‬بنصائحه‭ ‬حول‭ ‬القيم‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬الفن‭. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬بدأت‭ ‬بمواضيع‭ ‬مليئة‭ ‬بالحالة‭ ‬المزاجية‭ ‬العراقية

نجد‭ ‬الطابع‭ ‬الوطني‭ ‬العراقي‭ ‬يتكرر‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬أعمالها‭.  ‬تقول‭ ‬عشتار‭ : “‬حينما‭ ‬أبدأ‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬التشكيل‭ ‬،‭ ‬أفكر‭ ‬مليا‭ ‬في‭ ‬الموضوعات‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬وأميل‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف‭ ‬بلا‭ ‬حراك‭ ‬أمام‭ ‬قماش‭ ‬فارغ‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬ذواتهم‭ ‬الداخلية‭. ‬الصمت‭ ‬داخل‭ ‬روحي‭ ‬،‭ ‬أحب‭ ‬الهدوء‭ ‬والعزلة‭. ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬أحدق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النافذة‭ ‬وكل‭ ‬الانطباعات‭ ‬التي‭ ‬أحصل‭ ‬عليهاعابرة‭ ‬مثل‭ ‬امرأة‭ ‬أو‭ ‬شجرة‭ ‬نخيل‭ ‬أو‭ ‬قط‭ ‬يعبر‭ ‬الشارع‭ ‬،‭ ‬أحتفظ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬ذكرياتي‭. ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬فترة‭ ‬حضانة‭  ‬الأفكار‭ ‬من‭ ‬نهايتها‭ ‬،‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬أبدأ‭ ‬فيه‭ ‬الرسم‭ ‬والعمل‭ ‬دون‭ ‬تخطيط‭ ‬مصغر‭ ‬للوحة‭”. ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬توظف‭  ‬الفنانة‭ ‬عشتار‭ ‬في‭ ‬صورها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معتاد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مزاج‭ ‬عراقي‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬والكآبة‭. ‬موضوعها‭ ‬الدائم‭ ‬هو‭ ‬المرأة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬المختلفة‭.  ‬ترمز‭ ‬لوحة‭ ‬رسمتها‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬السيدة‭ ‬العذراء‭ ‬مريم‭ ‬إلى‭ ‬معاناة‭ ‬وقوة‭ ‬المرأة‭ ‬العراقية‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬،‭ ‬يرمز‭ ‬الشكل‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬الأمومة‭ ‬المقدسة‭ ‬باعتبارها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬السمات‭ ‬المميزة‭ ‬للمرأة‭ ‬العراقية‭. “‬الموضوع‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬يهمني‭ ‬هو‭ ‬المرأة‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬تكافح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الخير‭ ‬والغبطة‭ ‬وسعادة‭ ‬الناس‭. ‬ترتبط‭ ‬الأزهار‭ ‬بالشخصيات‭ ‬النسائية‭ ‬وتجد‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭ “. ‬شخصياتها‭ ‬الانفرادية‭ ‬من‭ ‬الإناث‭ ‬والأطفال‭ ‬،‭ ‬مع‭ ‬باقات‭ ‬من‭ ‬الزهور‭ ‬أو‭ ‬الكتب‭ ‬،‭ ‬تحتل‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مواقف‭ ‬هادئة‭. ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬تحت‭ ‬فرشاتها‭ ‬قد‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬مساره‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬وجود‭ ‬له‭ ‬وليس‭ ‬له‭ ‬قيمة‭. ‬اللوحات‭ ‬الزيتية‭ ‬مثل‭ “‬العراق‭ ‬،‭ ‬الترقب‭” ‬،‭ “‬على‭ ‬الشرفة‭” ‬وغيرها‭ ‬مشبعة‭ ‬بمزاج‭ ‬،‭ ‬مليئة‭ ‬بالهدوء‭ ‬والانتظار‭. ‬إن‭ ‬الشعور‭ ‬بحياة‭ ‬متناغمة‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬تمسها‭ ‬الحضارة‭ ‬،‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬إبداعاتها‭. ‬يتم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المزاج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الأشكال‭ ‬الموجودة‭ ‬على‭ ‬اللوحات‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬مضيئة‭ ‬من‭ ‬الخلف‭. ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السهولة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬ادخال‭ ‬المشاهدة‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬التكوين‭ ‬إليها‭.  ‬تمتلئ‭ ‬صورها‭ ‬برموز‭ ‬نموذجية‭ ‬للعراق‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬أشجار‭ ‬النخيل‭ ‬والمباني‭ ‬القديمة‭. “‬أشجار‭ ‬النخيل‭ ‬تمثل‭ ‬وطني‭ ‬الأم‭ – ‬العراق‭. ‬النوافذ‭ ‬التي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬أضعها‭ ‬كأجزاء‭ ‬في‭ ‬مؤلفاتي‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الشرفات‭ ‬العراقية‭ ‬التقليدية‭ – ‬الشناشيل‭.‬

التراث‭ ‬هو‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬أتبعه‭ ‬باستمرار‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تتميز‭ ‬أعمالي‭ ‬بسمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬الهوية‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬نسميها‭ “‬الونين‭ ‬الداخلي‭” – ‬وهي‭ ‬فرحة‭ ‬هادئة‭ ‬أعبر‭ ‬عنها‭ ‬باللوحة‭. ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬قوة‭ ‬حكيمة‭ ‬في‭ ‬لوحتي‭ ‬،‭ ‬عبرت‭ ‬عن‭ ‬المرونة‭ ‬والتفاؤل‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬رسمت‭ ‬آلاف‭ ‬الصور‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭. ‬وإظهار‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬المفروض‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬يواصل‭ ‬الفنانون‭ ‬العراقيون‭ ‬الإبداع‭”. ‬

‭ ‬تتبع‭ ‬في‭ ‬فنها‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬أسلافها‭ ‬،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬والدها‭ ‬،‭ ‬اتجاه‭ “‬العراقيات‭”. “‬عندما‭ ‬أصور‭ ‬العراق،‭ ‬أصور‭ ‬زخارف‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭. ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ “‬بغداديات‭” ‬التي‭ ‬يمكنك‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭ ‬،‭ ‬فأنا‭ ‬آخذ‭ ‬الموضوع‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬بكثير‭ ‬في‭ “‬اتجاه‭ ‬العراقيات‭” ‬‭ ‬تؤكدعلى‭  ‬ذلك‭ ‬الفنانة‭ ‬نفسها‭. ‬