عشاء العائلة .. الطعام الحقيقي

عشاء العائلة .. الطعام الحقيقي
تشيماماندا نغوزي أديشي
ترجمة بشار عبدالله
كنت في التاسعة، أجلس بتصنع على مائدة الطعام وأنا مرتد ملابسي المدرسية الزرقاء والبيضاء، وقبالتي تجلس أمّي، العائدة لتوها إلى المنزل قادمة من محل عملها في التسجيل الجامعي، بنتورتها الهفهافة الانيقة، ويفوح منها عطر بوازون لتقول انها تريد مشاهدتي وأنا اتناول طعامي. وما زلت حتى الآن لا أعرف من أخبرها بأنني كنت أتخطى وجبة الغداء قبل الذهاب إلى المدرسة. ربما كان خادم المنزل فايد هو من أخبرها وربما أخي كينيشوكوا الذي ذهب إلى المدرسة في ذلك الصباح وعاد إلى المنزل في اللحظة التي غادرته. كانت وضعية فمها تخبرني بأنني لا أملك خيارا سوى أن أتناول صحن القري والحساء الموضوعين على المائدة. رسمت علامة الصليب في الهواء بيدي. والتقطت لقمة من كتلة القري. وكومتها باستخفاف بأصابعي. ثم غمستها في الحساء. وابتلعتها. أصابتني حكة في حنجرتي. كنت أكره متغيرات هذا الطعام النيجيري المثالي ، سواء المصنوع من الذرة أو الكسافا أوالبطاطا الحلوة، وسواء أكان مطبوخا أو مهروسا بمدقة الهاون حد تحوله إلى هريس لين. وكان يطلق على العملية بلعا بطريقة ساخرة، لأن اللقمة بالاساس تبلع دون مضغ، وكان من السهل القول ان الذي يمضغ القري هو شخص أجنبي غريب وليس من السكان المحليين.
قالت أمّي
ــ عجل يا بني، سيفوتك موعد للمدرسة.
كانتا وجبة القاري يومية عند الغداء فيما عدا يوم الأحد، إذ يطرأ التغيير بظهور الأرز والحساء، وأحيانا ترافقهما سلطة شهية تحتضن شتى المحتويات من الفاصولياء إلى البيض المسلوق وتقدّم لنا مع وجبات البوظة المغطاة بالكريمة. وكان الحساء بانواعه يدخل نوعا من التغيير على وجبة الغداء كالإيغوسي امائلة إلى الصفرة، وتصنع من بذور البطيخ والخضروات؛ والأونوغبو، وهي نبات مر بخضرة دكناء؛ والأوكرو، بصلصته اللزجة؛ والنسالا، مع قطع لحم عائمة في مرق عشبي رقيق. وكنت أنا أكره هذه الأصناف كلها.
في عصر ذلك اليوم، كان الحساء هو الإيغوسي. وكانت عينا أمي ثابتتين من وراء نظارتها.
سألتني
ــ أتعلب بهذا الطعام أم تأكله؟ .
قلت لها إنني أتناوله. وأخيرا، انتهيت، وقلت لها
ــ شكرا لك يا أمي. تماما كما يفترض أن يقول أبناء الإغبو المهذبون جميعا بعد الانتهاء من تناول الطعام.
وما كدت أن أغادر غرفة الطعام المفروشة بالسجاد وتلمس قدماي الممر المبلط حتى أزبدت معدتي واستفرغت القري والحساء اللذين اندفعا من حلقي رشاشا.
قالت لي أمّي
ــ اصعد إلى الطابق الأعلى واغسل فمك.
وعندما نزلت إلى الطابق الأرضي، رايت فيدل ينظف الفوضى السائلة المصفرة التي خلفتها، وشعرت بالاسف لأنه كان مضطرا لتنظيف فوضاي، حتى أنني لشدة تقززي لم أقو على النظر في المكان. وبعد أن أخبرت أمّي بأنني لم يسبق لي أن تناولت القري قبل المدرسة، وأنني كنت في أيام السبت انتظرت حتى لا يبقى أحد ثم ألف وجبتي من القري بمحرمة وألقيها في سلة القمامة، وكنت أتوقع منها أن تؤنبني. ولكنها بدل أن تؤنبني، تمتمت بكلمات من لغة الإيغبو
ــ تريد إذن أن يقتلك الجوع.
ثم طلبت مني أن أتناول زجاجة فانتا من الثلاجة.
بعد سنوات، سألتني
ــ ما الذي يسببه القاري لك؟
قلت لها
ــ إنه يخدش حنجرتي.
ضحكت أمي. وصار ذلك مثار تندر في العائلة. وصار أخوتي يسألونني .هل هذا يخدش حنجرتك؟ . وفي عصر اليوم التالي سلقت أمّي اليام بحبات ناعمة بيضاء متفتتة، وقدمتها لي كوجبة غداء، وأكلتها مغموسة في زيت النخيل. وكانت تأتي أحيانا إلى المنزل جالبة معها لفافات من الأوكبا الدافئة، التي ما تزال وجبتي المفضلة وهي فطائر بسيط، برتقالية اللون، محتوياتها الفاصوليا البيضاء وزيت النخيل وتكون ألذ إن هي طبخت في داخل أوراق الموز. لم نكن نصنعها في المنزل، ربما لأنها لم تكن من أصول مطبخنا القومي الخاص في إيغبولاند. أو ربما لأن الفطائر التي كنا نبتاعها على جانب الطريق من النساء يحملنها في أحواض كبيرة على رؤوسهن كانت من الجودة بحيث لا يمكن التفوق عليها.
أتمنى لو أنني أكلت القري. إنه الوجبة المهمة للشعب الذي أحب كانت جدتي رحمها الله معتادة على طلب القاري ثلاث مرات في اليوم. وكانت فكرة أخي عن الوجبة المثالية تدور حول اليام المهروس. مرة جاء ابي الى المنزل عائدا من مؤتمر في باريس، وعندما سألته كيف سارت الأمور معه هناك، قال انه افتقد الطعام الحقيقي. في لغة الإيغبو، ثمة مفردة أخرى للـ .ابتلاع . هي ببساطة .الغذاء .، بحيث يمكن للمرء أن يسمع عبارة من مثل .كان الطعام مهروسا هرسا جيدا، ولكن الحساء لم يكن لذيذا. . وكان إخوتي يسألون أحيانا بسخرية ممتزجة بحنان ما إذا كان ممكنا لأحدهم أن يأكل ابتلاعا أن يعد من أصول أبناء الإيغبو، أوالنيجير، أو أفريقيا.
في يوم رأس السنة الميلادية الجديدة أتممت عامي الثالث عشر، وذهبنا إلى منزل عمتي ديدي لتناول الغداء. .هل تذكرين؟ . هكذا سألت أمي عمتي وهي تشير نحوي. وأومأت لها عمتي بالايجاب. وكان على المائدة وعاء صغير من أرز الجولوف، المطبوخ على نار هادئة في صلصة طماطم زيتية، من أجلي. أشاد إخوتي بحساء الأونغبو قائلين لها عمتنا، هذا هو حساء الذي تغسلين يديك جيدا قبل طهيه . وتمنيت وقتها أن أقوى على قول شيء مماثل بحقها. ثم وصلت عمتي الصاخبة روزا، التي كان إزارها يبدو دائما كمال لو أنه على وشك أن ينزلق من خصرها. وبعد أن تبادلت العناق مع الجميع، وهدأت أمام صحنها المليء باليام ورأتني آكل الأرز. سألتنب بلغة الإيغبو
ــ لماذا لا تأكل الطعام؟ .
قلت لها إنني لا أتناول الإبتلاع. ابتسمت وقالت لأمي
ــ أوه، تعرفين أنه ليس مثلنا نحن السكان المحليين. إنه أجنبي غريب؟
ولدت الكاتبة النيجرية المتألقة تشيماماندا نغوزي أديتشي في العام 1977في مدينة اينوغوا ولكنها نشأت في مدينة نسوكا الجامعية جنوب شرق نيجيريا، حيث تقع جامعة نيجيريا. وفي سنوات نشأتها الأولى ، كان والدها استاذ مادة الاحصاء في الجامعة، وامها تعمل مسجلة في الجامعة نفسها. لكنها مع بلوغها التاسع عشرة غادرت نيجيريا وانتقلت الى الولايات المتحدة. وبعد إنهاء دراستها في جامعة دريكسيل في ولاية فيلادلفيا، نقل تعليمها إلى جامعة إيسترن كونيكتيكت ستيت لتكون إلى جوار شقيقتها التي تقيم هناك؛ إذ كانت لديها ممارسة طبية في كوفنتري ضمن أعمال مانسفيلد حاليا ، ولتواصل دراسة والاتصالات والعلوم السياسية. حصلت على درجة جامعية من إيسترن، وكان تخرجها بامتياز فائق فى العام 2001. وقد أتمت دراستها العليا وحصلت على درجة الماجستير في الكتابة الابداعية في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور. و تسعى في الوقت الحاضر لنيل شهادة الماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة ييل.
نشرت روايتها الأولى، الكركديه الأرجواني، في العام 2003 وحازت بها على جائزة أفضل اول كتاب لمؤلف فى العام 2005 وهي جائزة الكومنولث للكتاب. أما روايتها الثانية الموسومة، نصف شمس صفراء، والتي استوحت عنوانها من علم أمة بيافران التي لم تعمّر طويلا، وقد كتبت قبل حرب بيافران وفي أثنائها ثم نشرت في العام 2006 عن دار نوبف أنكر وحصلت بها على جائزة أورانج الروائية للعام 2007.
المصدر مجلة نيويوركر
AZP09