عرض تحليلي لمصطبة علي الحديثي

عرض تحليلي لمصطبة علي الحديثي

التوغل في بقايا الأحلام

علي البدر

1) القصة:

الأيام تتهاوى في بئر الزمن، وأنا أجلس على المصطبة البعيدة أراقب ما يحدث.. الخوف من النهاية يحفر تمثاله فوق نظراتي.. تركت المكان،ورحت أبحث عن حبل أشد به الأيام بعضها إلى بعض، لعلي استبقي على بعض منها لأحيا بها.. لكن ..أيامي لم تزل تتهاوى في بئر الزمن..أناس شتى مروا بي..أهلي.. زوجتي.. أطفالي .. أصدقائي .. صويحباتي اللواتي طواهن الأمس.. أناس لا أعرفهم جاءوا من أقصى الأرض.. كلهم كان يأخذ حفنة من أيامي ليلقي بها في البئر، كلهم اشترك في الجريمة.. وبلا شك.. أنا مجرم مثلهم، إلاّ أن الفرق بيني وبينهم أن لي قلماً أبصر به ما تفعله الليالي بأيامي، ولكن للأسف قلمي يشبه الفلاسفة الذي يجلسون الساعات والليالي ليحللوا.. ويؤولوا.. ويفسروا مايدور في العالم، من دون أن يغيروا شيئاً منه لينقذوا ما تبقى من الأيام….لم أجد الحبل، عدت إلى مصطبتي البعيدة، لعلي أتمكن من سرقة يوم أو يومين من أيامي المسلوبة، ولكن يبدو أن بئر الزمن قد استلذ أيامي، فكان حريصاً أن لا ينجو أي يوم منها، حتى باتت حياتي بلا أيام أعرفها أو أعيشها. لم يزل الناس الشتى يمرون بي، إلاّ أنهم كانوا يتأسفون إذ لم يجدوا أياماً يلقون بها، فلم يعودوا يروني، فكلّما مرّ بي اثنان تحدث أحدهما إلى الآخر:

– قبل أيام.. وربما قبل سنوات.. كان على هذه المصطبة رجل بلا أيام..

– نعم أذكر ذلك، فلطالما تسلينا بأيامه ونحن نلقي بها في بئر الزمن ..

أمّا الأطفال فكانوا يأتون إلى المصطبة، فيلعبون عندها لعبة استحدثوها بعدي أسموها (بئر الزمن)، فيجلس أحدهم مكاني ويقلدني في حركاتي وسكناتي، فيمر الأطفال به، فيفعلون معه ما كان يفعله الناس شتى معي.. فهذا يسخر.. وذاك ينظر بازدراء.. والآخر يتجاهله.. بينما يرسله الآخر ليشتري له السكائر.. وآخر.. وآخر.. ليختموا لعبتهم بقهقهاتهم الطفولية..

أمّا النساء فكنّ يأتين إلى المصطبة ليؤدين بعض الطقوس الخرافية، وكأنني من أئمة العصر.. وبدأ السواح يرتادون المكان ليلتقطوا عنده الصور.. أمّا أنا فلم أزل فوق المصطبة أراقب ما يدور، أحاول أن أستفهم منهم، أو أمنعهم .. ولكن..

أخذ الخوف يدبّ في قلبي وأنا أعد الأيام.. واحد.. اثنان.. عشرة.. تسع وتسعون… الأعداد تتزايد وأنا أجلس مكتوف اليدين.. فقررت أن أفعل شيئاً، فركضت مسرعاً نحو البئر.. سأمنع اليد التي تلقي بأيامي.. أو سأغطي البئر بأي شيء.. ركضت .. ما زلت أركض .. ياللهول! ما أبعده !.. ما زلت أركض، كنت أراها قريبة جداً مني.. ما زلت أركض حتى أصابني الإعياء واليأس من الوصول إليه، فأوقفت إحدى سيارات التاكسي، طلبت منه أن يوصلني إلى تلك البئر، فحدق بي وهو ينقل نظراته بيني وبين البئر اللاموجودة، فجاراني معتذراً بأنه سيذهب في الاتجاه الآخر… يا لغبائي، لقد نسيت أنهم لا يمتلكون أقلاماً يبصرون بها، فتركته على عجل قبل أن يفتضح أمري بين الناس فيتهموني بالجنون، عدت إلى مصطبتي وقد امتزج خوفي بتعبي بحيرتي، فاستلقيت فوقها، فلربما أرى في غفوتي حلاً لأيامي..

وفي المنام رأيت أنني استيقظت، وعدت إلى بيتي.. ألاعب أطفالي، وأداعب زوجتي، واتصلت بأمي لأطمئن على أخبارها.. وفي صباح اليوم التالي توجهت إلى مدرستي.. وانتهى الدوام .. و .. و .. بقيت مستلقياً فوق المصطبة.

2) العرض التحليلي النقدي

عندما يتعبنا الحاضر وتتراكم الهموم، تتوغل مشاعر اليأس واللاوجود وتسيطر على مساحة واسعة من عقولنا ويبدوالمتبقي من الطاقة الأنفعالية المخزونة غير كاف لمواجهة وتفكيك تلك الهموم حيث تزداد المأساة عندها يكون المستقبل مجهولاً.. والنتيجة نبحث عن ماض صفحاته تبدو ناصعة حتى ولو كانت مليئة بالالام والتجارب السلبية. وهكذا كانت بئر الزمن.. تراكماً لماض مريح (أناس شتى مروا بي.. أهلي..زوجتي……صويحباتي اللواتي طواهن الزمن..) وبحكم التفاعل اليومي فأننا نمتزج بأناس نعرفهم أو لا نعرفهم ليشكلوا جزءا من ذلك التأريخ الذي ذهب ومن المحال أم يعيد نفسه.. ولا بأس لو أن بعضاً منه يولد من جديد ويخرج من عمق البئر.. ولكن كيف تعاد الأيام لأنسان مجرد من الأرادة يحول قلمه الى كلام املاً ربطه بأيام مضت ولكن دون جدوى.. أجل عندما تصرخ وتنادي ولكن بدون جدوى فقد يصبح الصراخ ألماً أبدياً عندما يبتعد الأخرون عنك ويعتبرونه هراءً، وهنا تتعمق مشاعر الألم ويضعف الأيمان بالواقع وتحل أحلام اليقظة كتعويض لاشعوري لرغبة كبتت باللاوعي ولكن يبقى الماضي أملاً مهماً لتعويض حاضر مؤلم ومستقبل مجهول . لم يسمع أحد صرخات قلمي أجل (كلهم كان يأخذ حفنة من أيامي ليلقي بها في البئر.) وهنا تولد أقصى درجة الأنفعال والألم عندما يقول (كلهم اشتركوا في الجريمة).. لقد ساهموا في سلب الماضي وسرقوا أحلامي وعندما أصرخ وأصرخ لأخرج تلك الأحلام الجميلة التي هي أحلامهم وتلك الأيام التي نتحسر عليها، أكون مجنونا ولا أسمع سوى ثرثرة وأحيانا تعاطف وخيالات عقيمة من بعض النسوة. أيعقل أن أكون مجنوناً وأنا الذي تسلى الناس بأيامي ورسمت الضحكة في وجوههم وزرعت الأمل في أعماقهم؟ أنها لجريمة أجل (كلهم مجرمون) حتى أنا الذي أعطيتهم تأريخي وصنعت معهم تأريخاً بأمس الحاجة اليه الان.. أجل (أنا مجرم مثلهم). ولكن لي قلما يرشدني (لما تفعله الليالي بأيامي..)

كما أن الغور في الماضي جراء يأس من حاضر وخوف من أيام قادمة لا بد وأن يصبح يوماً ما تأريخاً متراكماً في بئر الزمن.. وهكذا يبتكر الجيل الجديد لعبة “بئر الزمن” ويسخرون كما سخر أسلافهم منه وكان لابد للانسان من المواصلة وعدم اللهاث خلف الماضي فقط لأن المغالاة فيه تضعف الهمة وتمنحح اليأس أحياناً وكان لابد أيضاً من الرجوع الى الواقع و(عدت الى مصطبتي وقد امتزج خوفي بتعبي ،بحيرتي ) وهنا تأتي الحاجة الى الأرادة التي تحول الحلم الى واقع ولكن بشرط أن لا نعاود النوم طويلاً على المصطبة ونركن للحلم لأنه سيغور في البئر ويجذر الحالم بماضيه ليبقى بحاجة لحلم اخر (فاستلقيت فوقها، فلربما أرى في غفوتي حلاً لأيامي..)

ان القاص “علي الهيتي” قد نجح في شدنا نحو تصوراته رغم أنها خيال لكنه ممزوج بواقع جعلنا نشتاق الى الماضي.. فعند شعور الأنسان بالضياع وهو وسط أهله وعلى تراب وطنه فهذا يعني انه وصل لمرحلة “الأغتراب” وهو أن تكون غريبا ضائعا وأنت في وطنك. وقد ناقشته الفلسفة الماركسية بعمق كما ان الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بأن الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن. وفي الغالب يكون هذا المصطلح بسبب القهر الأقتصادي أولاً والذي يعتبره الكثير من العلماء بأنه المحرك الأساسي لسلوك الفرد. فعندما لم أجد نفسي في المجتمع الذي أنا جزء منه أشعر بالتأكيد بالأغتراب عن مجتمعي حيث اليأس والقنوط اللذان يؤديان الى تغيير سلوكية الأفراد. ويأتي الحلم كمخفف عن الرغبات المكبوتة في اللاشعور وهو حيلة لاشعورية لتصريف طاقة ضاغطة وتحقيق أمنيات ورغبات مكبوتة من غير ألممكن الحصول عليها حسب المنطق المعروف للعالم النفسي النمساوي Sigmund Freud وبقية علماء مدرسة التحليل النفسي. ويبدو أن القاص علي الحديثي قد أوغل في أحلامه فهو يأبى الأستيقاظ وربما يكون خاتمة ابداعه في هذه القصة هو انه رفض اليقظة الا من خلال الحلم وهي فكرة مركبة عملها بذكاء أهنئه عليه (وفي المنام رأيت أنني أستيقظ وعدت الى بيتي ألاعب أطفالي وأداعب زوجتي واتصلت بأمي لأطمئن على أخبارها..) . وبعد أن استيقظ (في صباح اليوم التالي توجهت الى مدرستي… وانتهى الدوام وبقيت مستلقياً على مصطبتي)

وبالتأكيد انه ذهب بأحلامه لمدرسته.) وكان لابد لنا من رأي قد يبدو غير ضروري وهو أبدال كلمة “مدرسته” الى عمله أو كليته فالمدرسة مقترنة بعمر اليافعين . وأراني أقبل بالتبرير: أنه مجرد حلم.. أجل حلم وعلى مصطبة. وياليت الكاتب يحذف كلمة “أللاموجود” (فأوقفت أحدى سيارات التاكسي…. فحدق بي وهو ينقل نظراته بيني وبين البئر اللاموجود..).بالتأكيد ان نباهة القارئ تقوده للمعنى والتوضيح هنا يضعف النص. وأخيرا أتساءل: هل يأتي يوم نتواصل به مع الماضي لنرى كيف كنا نعيش كما فعل H.G Wells في كتابه The time Machine حيث ركب عجلة الزمن وغار في الماضي و المستقبل؟ أدعو القاص المبدع “علي الحديثي الهيتي أن يكمل قصته ويغور في بئر الزمن لنقضي لحظات رائعة معه أيضا..