عرض أزياء تحت أضواء ليالي باريس

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يشكّل‭ ‬عرض‭ ‬أزياء‭ ‬دار‭ “‬بالمان‭”‬‮ ‬من‭ ‬تصميم‭ ‬الفرنسي‭ ‬أوليفييه‭ ‬روستان‭ ‬ضمن‭ ‬أسبوع‭ ‬باريس‭ ‬للموضة‭ ‬الأربعاء‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬إرادة‭ ‬الاستمرار‭ ‬رغم‭ ‬الصعوبات،‭ ‬إذ‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬سرقة‭ ‬50‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬التشكيلة‭ ‬في‭ ‬حادثة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الموضة‭.‬

فقد‭ ‬عمل‭ ‬فريق‭ ‬المصمّم‭ ‬النجم‭ “‬ليلاً‭ ‬ونهاراً‭” ‬لإقامة‭ ‬هذا‭ ‬العرض،‭ ‬فيما‭ ‬قلّلَ‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬إنستغرام‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الوضع،‭ ‬إذ‭ ‬نشر‭ ‬لمتابعيه‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين،‭ ‬صوراً‭ ‬ومقطع‭ ‬فيديو‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬تجهيز‭ ‬فستان‭ ‬مزين‭ ‬بالورود‭.‬

وفي‭ ‬منتصف‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر،‭ ‬تعرّضت‭ ‬شاحنة‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬قطعاً‭ ‬من‭ ‬تشكيلة‭ ‬روستان‭ ‬لعملية‭ ‬سطو‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬بين‭ ‬مطار‭ ‬رواسي‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬ومقر‭ ‬الدار‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬ولاذ‭ ‬المسلحون‭ ‬الذين‭ ‬سرقوا‭ ‬الملابس‭ ‬بالفرار‭. ‬وفتحت‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬تحقيقاً‭ ‬في‭ ‬السرقة‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬أي‭ ‬معطيات‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬القطع‭ ‬المسروقة‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬المسروقات‭ ‬سوى‭ ‬نماذج‭ ‬أولية،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬قوالبها‭ ‬موجودة‭ ‬لدى‭ ‬الدار،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬إعادة‭ ‬تجهيز‭ ‬هذه‭ ‬الملابس‭.‬

وقال‭ ‬الأستاذ‭ ‬المحاضر‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬الموضة‭ ‬والسلع‭ ‬الفاخرة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ “‬سيانس‭ ‬بو‭” ‬الفرنسية‭ ‬سيرج‭ ‬كاريرا‭ ‬إن‭ “‬لدى‭ ‬دار‭ ‬بالمان‭ ‬مشاغل،‭ ‬ولديها‭ ‬مقاولون‭ ‬من‭ ‬الباطن،‭ ‬وشبكة‭ ‬من‭ ‬الحرفيين‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استنفار‭ ‬قدراتها‭ ‬بالحد‭ ‬الأقصى،‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭”.‬‮ ‬

تمكّن‭ ‬روستان‭ (‬38‭ ‬عاماً‭) ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬منذ‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬منصب‭ ‬المدير‭ ‬الفني‭ ‬لـ‭”‬بالمان‭” ‬من‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬عروض‭ ‬هذه‭ ‬الدار‭ ‬المعروفة‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬محدودة‭ ‬محطاتٍ‭ ‬يترقبها‭ ‬المشاهير‭ ‬والمجتمع‭ ‬المخمليّ‭.‬‮ ‬

فروستان‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬عروضه‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬موسيقى‭ ‬الهيب‭ ‬هوب،‭ ‬وأولى‭ ‬أهمية‭ ‬للتنوّع‭ ‬في‭ ‬فريق‭ ‬عمله،‭ ‬واقام‭ ‬في‭ ‬2015‭ ‬تعاوناً‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ “‬إتش‭ ‬أند‭ ‬إم‭” ‬السويدية‭ ‬العملاقة،‭ ‬ساعياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬إلى‭ ‬تقريب‭ ‬عالم‭ ‬السلع‭ ‬الفاخرة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬وجعل‭ ‬الموضة‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الجميع‭.‬‮ ‬

وخلافاً‭ ‬لمعظم‭ ‬المصممين‭ ‬الذين‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬التكتم،‭ ‬بات‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬نجماً‭ ‬يشتهر‭ ‬بأسلوب‭ ‬الجماليات‭ ‬الساحرة‭ ‬للمرأة‭ ‬القوية‭ ‬والحرة‭.‬

واكتسب‭ ‬أوليفييه‭ ‬روستان‭ ‬الذي‭ ‬يُعدّ‭ ‬من‭ ‬المصممين‭ ‬السود‭ ‬أو‭ ‬الخلاسيين‭ ‬النادرين‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السلع‭ ‬الفاخرة،‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬بعنوان‭ ‬Wonder‭ ‬Boy‭ (“‬ووندر‭ ‬بوي‭”) ‬عام‭ ‬2019‭ ‬متوافر‭ ‬على‭ “‬نتفليكس‭” ‬يروي‭ ‬فيه‭ ‬سعيه‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬أمه‭ ‬الطبيعية‭.‬

ويتحدر‭ ‬روستان‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬إثيوبية‭ ‬وصومالية،‭ ‬وأبقيَ‭ ‬اسما‭ ‬والديه‭ ‬طي‭ ‬الكتمان‭ ‬سنداً‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬وتبنته‭ ‬عائلة‭ ‬من‭ ‬مدنية‭ ‬بوردو،‭ ‬وواجه‭ ‬خلال‭ ‬حياته‭ ‬مشاكل‭ ‬وصعوبات‭ ‬عدة‭.‬

ففي‭ ‬العام‭ ‬2021،‭ ‬روى‭ ‬عبر‭ “‬إنستغرام‭” ‬أنه‭ ‬أصيب‭ ‬بحروق‭ ‬بالغة‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬بفعل‭ ‬انفجار‭ ‬مدخنته‭. ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬أخفى‭ ‬ذلك‭ ‬بدافع‭ “‬الخجل‭” ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يسود‭ ‬فيها‭ “‬الهوس‭ ‬بالكمال‭”.‬

وأرفقَ‭ ‬النص‭ ‬المنشور‭ ‬يومها‭ ‬بصورة‭ ‬مروعة‭ ‬بدت‭ ‬فيه‭ ‬ضمادات‭ ‬من‭ ‬الشاش‭ ‬تغطي‭ ‬جذعه‭ ‬وذراعيه‭ ‬وأعلى‭ ‬رأسه،‭ ‬وعلامات‭ ‬حروق‭ ‬على‭ ‬وجهه‭.‬

وشكّل‭ ‬ذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬طريقة‭ ‬لكسر‭ ‬المحرمات‭. ‬وكتب‭ “‬أدركتُ‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬أن‭ ‬يُظهر‭ ‬المرء‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬إظهاره‭”.‬

سان‭ ‬لوران‭” ‬أمام‭ ‬برج‭ ‬إيفل‭ ‬

وفي‭ ‬عرض‭ ‬مذهل‭ ‬لدار‭ “‬سان‭ ‬لوران‭” ‬الثلاثاء‭ ‬عند‭ ‬أسفل‭ ‬برج‭ ‬إيفل،‭ ‬حضرت‭ ‬البدلات‭ ‬وسترات‭ ‬السفاري‭ ‬بكثافة‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬النساء‭ ‬القويات‭ ‬الشخصية‭ ‬اللواتي‭ ‬أثبتن‭ ‬أنفسهن‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬ذكورية‭.‬

وأوضحت‭ ‬الدار‭ ‬في‭ ‬مذكرة‭ ‬عن‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬أسبوع‭ ‬الموضة‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬أن‭ ‬مديرها‭ ‬الفني‭ ‬أنتوني‭ ‬فاكاريلو‭ “‬استلهم‭ ‬أفكاره‭ ‬من‭ ‬أميليا‭ ‬إيرهارت‭ ‬وأدريين‭ ‬بولاند‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬الرائدات‭ ‬اللواتي‭ ‬اخترقن‭ ‬مجالات‭ ‬كانت‭ ‬تُعتبر‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الرجال،‭ ‬كقيادة‭ ‬الطائرات‭ ‬وسباقات‭ ‬السيارات‭”.‬‮ ‬

وبدت‭ ‬ملابس‭ ‬التشكيلة‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬خلال‭ ‬المواسم‭ ‬السابقة،‭ ‬ومن‭ ‬ميزاتها‭ ‬كتفان‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬وخصر‭ ‬مبرز‭ ‬بحزام‭ ‬لعارضات‭ ‬شديدات‭ ‬النحول‭. ‬ولوّنَ‭ ‬الأحمر‭ ‬شفاه‭ ‬هاتيك‭ ‬اللواتي‭ ‬رحن‭ ‬يمشين‭ ‬على‭ ‬المنصة‭ ‬مغطيات‭ ‬عيونهنّ‭ ‬بنظارات‭ ‬شمسية‭.‬

وتساهم‭ ‬المجوهرات‭ ‬الضخمة‭ ‬والأحذية‭ ‬ذات‭ ‬الكعب‭ ‬العالي‭ ‬والقفازات‭ ‬الجلدية‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬الملابس‭ ‬أنثوية‭ ‬جداً‭. ‬وزوّدت‭ ‬بعض‭ ‬القطاع‭ ‬بغطاء‭ ‬رأس‭ ‬يذكّر‭ ‬بخوذة‭ ‬الطيار‭.‬‮ ‬

وهيمن‭ ‬القطن‭ ‬والكتان‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التشكيلة‭ ‬بألوان‭ ‬ترابية‭ ‬طبيعية،‭ ‬من‭ ‬الزيتوني‭ ‬إلى‭ ‬البني‭ ‬إلى‭ ‬الرملي‭ ‬والمغرة‭ ‬والأبنوس‭. ‬وخطفت‭ ‬بزات‭ ‬الكريب‭ ‬الحريرية‭ ‬الشفافة‭ ‬الأضواء‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬فساتين‭ ‬السهرة‭ ‬الطويلة‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬الدار‭ ‬غيّرت‭ ‬موقع‭ ‬عرض‭ ‬أزيائها،‭ ‬بقيت‭ ‬وفية‭ ‬لبرج‭ ‬إيفل‭ ‬المدرج‭ ‬في‭ ‬شعارها‭ ‬ولا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬صورتها‭.‬

أما‭ ‬المديرة‭ ‬الفنية‭ ‬لـ‭”‬ديور‭” ‬المصممة‭ ‬الإيطالية‭ ‬ماريا‭ ‬غراتسيا‭ ‬كيوري‭ ‬التي‭ ‬صممت‭ ‬أخيراً‭ ‬ملابس‭ ‬الملكة‭ ‬كاميلا‭ ‬خلال‭ ‬عشائها‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬فرساي،‭ ‬فقدمت‭ ‬عرضاً‭ ‬أحادي‭ ‬اللون‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬قطع‭ ‬واسعة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السترات‭ ‬الرجالية‭ ‬المستقيمة‭ ‬والتنانير‭ ‬المطوية‭.‬

وتقام‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬العروض‭ ‬النهائية‭ ‬لاثنتين‭ ‬من‭ ‬المصممات‭ ‬المشهورات،‭ ‬أولاهما‭ ‬غابرييلا‭ ‬هيرست‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ “‬كلويه‭” ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬اذ‭ ‬نال‭ ‬تركيزها‭ ‬على‭ ‬الموضة‭ ‬المستدامة‭ ‬استحسان‭ ‬النقاد،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬دفعة‭ ‬كبيرة‭ ‬للمبيعات‭.‬

أما‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭ ‬ساره‭ ‬بيرتون‭ ‬التي‭ ‬تقدّم‭ ‬عرضها‭ ‬الأخير،‭ ‬بعدما‭ ‬تولت‭ ‬مسؤولية‭ ‬التصميم‭ ‬في‭ ‬دار‭ “‬ألكسندر‭ ‬ماكوين‭” ‬بعد‭ ‬انتحار‭ ‬مؤسسها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2010‭.‬