عدد جديد من تموز الموّجه للأطفال

عدد جديد من تموز الموّجه للأطفال

فيصل عبد الحسن

الرباط

  ضحكت كثيراً وأنا اقرأ المقارنة الضّيزى بين واقعين ثقافيين مختلفين، التي وردت في المقال الأفتتاحي لرئيس التحرير د. حسن السوداني للعدد 57 لمجلة تموز الثقافية الفصلية التي تصدر من السويد.

  المقارنة التي وردت في المقال تدور حول تثقيف طلاب الصف الخامس الأبتدائي في السويد ثقافة فنية عالية بأطلاعهم على رسومات بيكاسو وميرو وخوان جريس وكاساس، ويقابلها ما كان يدور في العراق في أكاديمية الفنون الجميلة من تحريم خفي متفق عليه بين السلطة وموظفيها من أساتذة الأكاديمية.

   يقول أبن الكاتب الذي لا يزال طالباً في احدى مدارس السويد الأبتدائية، وهو يعدد لأبيه أسماء الفنانين الكبار من رواد المدرسة الحديثة، الذين عرفهم من خلال حصة الفن في المدرسة، فيذكر ذلك والده الذي عاش في العراق في الثمانينات فيقول:

وتذكرت بألم كيف أنهال علينا أستاذ علم الجمال باللوم القاسي جداً عندما سأل أحد الطلبة عن الجورينيكا ولم ينبس الطالب حينها ببنت شفة “

ضحك كالبكاء

المقارنة الهزلية هي بين ما عاشه الأب في العراق وهو شاب ناضج يدرس دروساً فلسفية معقدة في علم الجمال في الكلية، وبالرغم من هذا لا يحق له الحديث عن أشهر لوحة عالمية.

لوحة أدان فيها بيكاسو النازية ونظام هتلر، وأتخذت كلوحة رئيسية في مبني الأمم المتحدة، لأدانة قتل المدنيين في الحرب الأهلية الإسبانية، وأظهرت فظاعة تلك الحرب ودموية الأنظمة الدكتاتورية.

ومقارنة ذلك بما يتعلمه أبنه التلميذ في السويد، الذي يدرس في الصف الخامس أبتدائي، أنها مقارنة لا تفضي إلا إلى ضحك كالبكاء، خصوصاً وأن الموضوع لم ينته بعد في بلداننا العربية، ولا يزال كما هو حتى اليوم وإن جاء المنع والتحريم للكثير من الفنون والثقافة بأسماء وحجج أخرى.

انها مقارنة بين المدرسة الأبتدائية في الغرب والجامعة لدينا، مقارنة بين نمطين من الحياة نمط التلقين المستمر للتمليذ، والطالب لدينا الذي لا ينتج شيئاً، أو كما يسميه د. حسن السوداني في مقاله “تسعة أشهر من العمل المتواصل والهم والمصاريف ومعاناة الأباء والأمهات ..  تنتهي بإجابة متواضعة في ورقة الامتحان “

  وبعدها يركل طالبنا دفاتره وكتبه في آخر أمتحان له في المدرسة، وربما يحطم رحلات المدرسة، وسبورتها أيضاً أبتهاجا بخلاصه من سنة مزعجة عاش فيها ذل التلقين اللامجدي، وتفاهة العلوم التي تلقاها حفظاً ونساها بعد تأدية الأمتحان.

يقول السوداني عن أيامه السود تلك حين كان طالباً في إحدى الجامعات العراقية في الثمانينات ” لقد أكتملت مسبحة الألم بسيارات واقفة في باب الكلية في آخر أيام الأمتحانات لتقلك إلى النهروان حيث معسكرات التدريب وسط ركلات العرفاء، وتراقص شوارب الضباط الجدد، وهم يتعلمون الحجامة برؤوسنا المحلوقة قبل أوانها، ثم تصدر قوائم الفصل بحق المتغيبين عن الألتحاق بتلك المعسكرات ..  نعم الطرد الدراسي أثناء العطل الصيفية”

ويتساءل السوداني بمرارة على لسان أحد زملاء ذلك الزمن غير الجميل ” كيف يفصل طالب أثناء العطلة..  كيف؟  ..  كيف؟  .. كيف؟  ” أنه بحق زمن لا ينسى،  أنه زمن ليس جميلاً ولا ينبغي تذكره، ويجب تغييره مهما كان ثمن هذا التغيير.

واقف في الظلام

لقد حمل العدد الجديد من مجلة تموز الفصلية مقالات ودراسات وقصائد ونصوصاً تتحدث في معظمها عن الطفولة وضرورات تحديث فهمنا لما ينبغي توفره لهذه الطفولة، من أجل غد أفضل لمجتمعاتنا العربية.

ولكن ما اعادنا إلى الماضي القريب فصل من كتاب مخطوط للشاعر عبد الزهرة زكي بعنوان ” واقف في الظلام ” نشرته المجلة في هذا العدد.

والفصل الذي كتبه زكي ضاج بالألم، نقلنا فيه إلى عراق الألفين، عراق الأستعداد للحرب، عراق الوشايات والسجن على الشبهة، حتى لوكان ذلك المشتبه فيه شاعراً وصحفياً بقامة عبد الزهرة زكي.

زكي الذي وجد نفسه رهين المحبسين، محبس الحصار والجوع، فهو يقول في فصله أنه لسنة كاملة، هي سنة 1995 لم تذق عائلته في الفطور بيضة واحدة، ومحبس السجن الذي محى أسمه وحوله إلى رقم 16.

وسرد لنا فيه عن لعبة الدومينو، التي كان يمارسها في المقهى بصحبة سهيل سامي ويحيى الكبيسي ورياض قاسم، وخالد مطلك.

ويروي لنا حكايات الحصول على أخبار من خلال بث ستلايت لفضائيات تم تهريبه إلى داخل العراق كما تهرب الحشيشة والمواد الممنوعة، للحصول على بث قنوات فضائية عربية وأجنبية من وراء ظهر السلطة.

السلطة التي عاقبت الشاعر محمد حسين آل ياسين بأقتحام منزله، ومصادرة الطبق اللاقط وتغريمه أربعمئة ألف دينار ” من دون وصل بالمبلغ” وكانوا سعداء بالمبلغ المالي الذي كان من حصتهم، وبتواطؤ صامت بين الشاعر وبينهم، مقابل أن ينتهي الموضوع ولا يجري تحقيق فيه.

آدب الأطفال

ومن يوميات العراق في أيام الوشايات والسجون والجوع والحروب، والكلام بالرموز والإشارات خوفاً من عيون السلطة إلى فانتازيا قصص الأطفال في الموروث الشعبي بقلم أحمد راغب في حقل دراسات وبحوث.

الذي رأى في دراسته أن كثيراً من قصص الأطفال سواء في الآدب العربي أم في الآداب العالمية، تقتبس حوادثها وشخوصها من الموروث الشعبي، ذلك لأنه غني بمظاهر الخارق والعجيب أو فانتازيا الواقع المتخيل التي تستهوي الأطفال.

وتناولت فضيلة صديق في دراسة شيقة مسرح الطفل والتراث الشعبي، بينما تناول د. عادل محلو خصائص النص الناجح في شعر الأطفال، والدراسة قراءة في ديوان المدرسيات للشيخ محمد طاهر التليلي.

بينما تناولت د. نوال حيفري في دراستها، التربية المعرفية للطفل في ظل ثقافة الصورة الرقمية، وجاء حوار المجلة مع الاكاديمي الجزائري العيد جلولي الفائز بجائزة عبد الحميد شومان لإبداع الأطفال.

وحمل العدد أيضاً  8  قصائد للأطفال من شعر جليل خزعل، يقول في أولها:

أسماؤنا يختارها الآباء

ثيابنا يختارها الآباء

طعامنا، ونومنا

في الصبح والمساء

ألعابنا، وأغلب الأشياء

من فضلكم يا أيها الآباء

أبناؤكم أيضاً لهم آراء

ونشر في العدد قصائد مترجمة للأطفال بأقلام شعراء أجانب كستيفن واتس من ترجمة علي سالم، وكتب علي النجار عن الفنانة التشكيلية نوال السعدون بعنوان ” الصورة الشخصية ..  أو الأرشيف الآخر”.

ومن الآدب الاسكندنافي نقرأ للكاتب أنكفار أمبيورسن قصة ” الجماجم ” ترجمة علي سالم والقصة تحكي عن عالم المهمشين، الذي تخصص به الكاتب في أغلب رواياته السابقة.

ونقرأ أيضا نصاً حكائياً بعنوان” اللمحات المضيئة ” ليون فوسة ترجمة علي سالم، وفوسة من كتاب المسرح المعروفين في النرويج.

ويختتم العدد الجديد بمقال ” وجع لا يبارح الذاكرة ” للبنى ياسين مُهدى إلى الفنان التشكيلي فائق العبودي، والعدد الجديد من تموز عن الآدب الموجه للأطفال، ويعتبر أضافة حقيقية للمتتبع للقضايا الثقافية المتخصصة بالطفولة، والأهتمام بالجانب الثقافي والتعليمي للأجيال الجديدة، كما انها قدمت فرصة للتعرف على واقع ثقافي ومعرفي يعيشه أطفال المهاجرين العرب في البلدان الأوربية.