

دراسة تحليلية: السلطة حين تتجلى كـ”شعرية وقحة”للكاتب عبد العزيز كوكاس – مقاربة نقدية ثقافية
نور الدين طاهري
مقدمة:
يُشكِّل نص «شعرية وقحة» للكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس تحليلا مُكثّفا ومركّزا، يندرج ضمن جنس المقال النقدي الثقافي-الفلسفي، ويتميّز بطبيعته النثرية الكثيفة التي تزاوج ببراعة بين التحليل العميق والأسلوب المجازي الصادم، مُجسِّدةً ما أسماه «الشعرية الوقحة». ترتكز أهداف التحليل على تفكيك مفهوم السلطة، إذ لا يعتبرها مؤسسة ثابتة، بل «الاسم الذي يُطلق على وضع استراتيجي معقّد في مجتمع معيّن»، يحاصر ويخترق الطامحين والمغلوبين على حدّ سواء. ويسعى النصّ إلى كشف الجوهر الحيواني والأبدي لهذه السلطة، فيشير إلى أنها «أول الحيوان فينا» و«جمرة الحيوانات في أحشائنا»، وأنها كيان خالد «دوما وستبقى… هكذا إلى الأبد»، يتغذّى على زوال رجالاته. كما يهدف إلى تحليل التناقض الجدلي الذي يجعلها توظّف الإغواء والجمالية لخدمة الفتك والقسوة، متجسّدة كـ«عسل على شفرة حادّة»، وكـ«امرأة تفتح صدرها للعاشقين ثم تطويه مثل قبر»، وهي «روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش».

أولا: السلطة كـ”شعرية وقحة”؛ بيان الأسلوب والمقاربة المنهجية
يأتي نص “السلطة حين تتجلى كشعرية وقحة” كوثيقة نقدية مُكثَّفة تتجاوز الأطر التقليدية للتحليل السياسي، مُؤسِّسا لنفسه إطارا إبداعيا فريدا يزاوج بين السرد المُفكَّك، والتكثيف المَجازي المباشر، والتحليل الفلسفي العميق. إنّ وصف السلطة بـ”الشعرية الوقحة” هو المفتاح المنهجي لفهم أسلوب النص برمته، القائم على مفارقة صادمة: توظيف الجماليات والجاذبية والإغواء (الشعرية) لخدمة الفتك والقسوة والعدوانية (الوقاحة). هذا التناقض الجدلي يحوّل مفهوم السلطة من فكرة مجردة إلى كائن حي، مُتناقِض، ومُخادِع، لا يمكن التعامل معه بأدوات الرصد الظاهر فحسب.
إن طبيعة النص، التي تشير إلى تداخل الأنساق السردية والتحليلية، تفرض بالضرورة اعتماد المنهج النقدي الثقافي، وهو المنهج الأنسب لتعقُّب السلطة في تجلياتها غير المؤسسية. ومن هذا المُنطلق، يتم تفكيك السلطة لتتبدى ليس كـ”مؤسسة، وليست بنية” يسهل تحديدها أو السيطرة عليها، بل كـ”وضع استراتيجي مُعقَّد في مجتمع معين”. هذا التفكيك يتجاوز الفهم السياسي التقليدي ليلامس جوهر السلطة كقوة ديناميكية ومُتغلغِلة في الأنسجة الاجتماعية والنفسية، وهو ما يجسده اقتباس جيل دولوز الذي يوضح أن السلطة “تحاصر المغلوبين وتخترقهم مرتكزة إليهم بنفس الكيفية التي يرتكزون بدورهم إلى التأثير والسطوة اللذين تمارسهما عليها في صراعهم ضدها”.
وعليه، يُعاد تفكيك السلطة بوصفها ظاهرة ثقافية، سيكولوجية، ووجودية؛ فهي لا تحكم من الأعلى فحسب، بل تنبع من “جمرة الحيوانات في أحشائنا”، وتتجلى كـ”أول الحيوان فينا”. هذا التحليل الشامل يتوغل في المناطق المُظلمة للعقل البشري والجماعي، حيث تتداخل العقلانية والجنون، لتلامس السلطة نقطة الالتقاء الحرجة التي أشار إليها النص ببراعة: “زهر الصواب في حدائق الجنون”، مُعرِّيا النكوص الذي يمارسه الطامحون باسم المنطق، بينما السلطة ليست سوى “حفلة الألم”، في تناغم فوضوي لا يمكن فهمه بالمنطق السليم.
ثانيا: تفكيك الأنساق الثقافية المُهيمنة: الجسد، الرمز، والذكورة المُتَنَكِّرة
يغوص النص في تفكيك الخطاب التقليدي الذي يشرعن السلطة، مُستخدما لغة المجازات العنيفة، خاصة في تماهيها مع مفاهيم الأنوثة والذكورة. فالسلطة، التي تلبس ثوب “شعرية وقحة”، هي كيان حيواني وذكوري في جوهره، لكنه يتنكَّر بزي الأنوثة في المبنى اللفظي، مُولِّدا صدمة معرفية لدى المتلقي.
تُصوَّر السلطة في النص باستعارة الجسد الأنثوي، وهي صورة ليست مجرد توصيف أدبي عابر، بل هي تيمة مركزية لتفكيك طبيعة السلطة المزدوجة التي تجمع بين الإغواء والفتك. تُقدَّم السلطة بوصفها كيانا سِحريا وميتافيزيقيا، يستمد جاذبيته من الفتنة الكامنة في الجسد المؤنث ليأسر الحالمين ويُصادر أعمارهم في آن واحد. إنها تتجسد في البداية كـامرأة فاتنة لا تُقاوَم، آسرة للأنظار، لكن هذه الفتنة ليست سوى طُعم للضحايا. تتوارد الأوصاف لترسم ثنائية القُبلة والقبر، حيث تُوصف بأنها “امرأة تفتح صدرها للعاشقين ثم تطويه مثل قبر”. وهذه الصورة البليغة تختزل طبيعة السلطة التي تمنح الطامحين إحساسا بالنعم والسعادة المؤقتة قبل أن تُحوّلهم إلى مجرد رُكام أو موتى مدفونين في سكة قبور عشاقها. هي “ضوء جاذب لفراش الليل” للطامحين بها، ولكنها في الوقت ذاته “مفتاح للجحيم” لمن يرتوون بملحها كالظامئ الذي يرتوي بملح البحار. هذه الثنائية ترسخها كأصل الغواية ووجهتها النهائية، حيث يُقال: “الداخل إليها مفقود والخارج منها مقدود”، دلالة على أن لا خطوة تقود لغير الجحيم نحو الممالك الباذخة.
وعلى الرغم من استخدام استعارة الجسد الأنثوي الساحر، يكشف النص عن حقيقة أعمق وأكثر قسوة تتجاوز الإغواء السطحي. يُفصَح بوضوح عن أن السلطة “أنثى في المبنى اللفظي فقط، لذلك ‘كيدها عظيم’، أما هويتها الحقيقة فهي بنية قضيب الذكورة”. وهذا الكشف هو تفكيك لآلية التنكر الرمزي. فالسطوة تستخدم جاذبية الأنوثة (كيدها العظيم) وقدرتها على التشويش والتغليف لتُخفي خلفها القسوة والآلية البنيوية الصلبة (بنية قضيب الذكورة)، وهي الآلة العجيبة لترويض الخيول التي تقود فرسان عشاقها نحو المهاوي السحيقة. إن الإغواء السلطوي ليس جاذبية مادية، بل هو عملية تجريد مُنظَّمة للطامحين من جوهر قوتهم وأحلامهم. هي الكيان الذي روّض “أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة” عبر سحرها الزائف، وهي “روح الأفعى” و”سارقة عشب الخلود من يد جلجامش”، تسلب زهرة عمرهم وتُسكرهم “بِخَمرة الهبة والجاه” لتصنع منهم سجناء شقاء في نعيمها.
وتتميز السلطة بقدرة أسطورية على التجدد وعدم الانكسار، بينما يفنى عشاقها وأعداؤها على حد سواء. إنها تتفوق على قوانين الزمن والاضمحلال، حيث “ليس في السلطة تجاعيد، لذلك فهي تظل تُشع بسحرها، ولا تحتاج لعملية تجميل”، وهذا السحر الأبدي هو الذي يأسر هواة الليل. هي لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب، بل تظل تنظر بعين السخط كعين الرضا. وتُظهر السلطة عدميتها العاطفية المطلقة، فهي “لم تبق يوما أرملة”، بل تتزوج الطامحين الجُدد إلى عصر حليب نهديها “حتى قبل أن يذبل الحذاء الذي مشت به في جنازة معشوقها السابق”. هذا السلوك يؤكد على أن السلطة لا تأبه لتغير الفصول ولا يتعبها تغيير الوجوه؛ وكلما اهتز عرش عشاقها، غادرتهم نحو الغزاة الجُدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة. وتصل الصورة إلى ذروتها بتصوير السلطة كـ”عاهرة قد تمنح ذاتها للآخرين، كلما أصاب الجالس بجانبها سهو أو وَسَن”، مما يُلخِّص الطبيعة الميكانيكية والانتهازية للسلطة، فهي كيان لا يطمئن حتى لسلطته، ينام بتاجه فوق رأسه خوفا من أن يُحِسَّ مثل ملك مخلوع. ومن أراد زرع زهر الصواب في حدائقها، رمته إلى حافة الجنون أو أوصدت عليه أبواب النسيان، لأنها تحتاج دوما إلى من يبرز أنه جدير بها.
ثالثا: السلطة كمتلازمة “الحيوانية” والأبدية الميكانيكية
إن السلطة، في هذا النص النقدي المُشبَّع بـ”الشعرية الوقحة”، تتجلى كمتلازمة “الحيوانية” والأبدية الميكانيكية، في طرح لاذع يفكك قدسية هذه البنية ويهبط بها إلى أغوار الغريزة البدائية والدوام الآلي المُفجع. إنها ليست مجرد نظام سياسي أو اجتماعي، بل هي مُركَّب وجودي مُعقَّد يستمد قوته من أدنى ما في النفس البشرية وأكثر ما فيها ميكانيكية وجمودا. يتكئ هذا التحليل على مقاربة تتداخل فيها الفلسفة الوجودية مع التحليل السيكولوجي، فيما يشبه نزعة نيتشوية-فرويدية، في وصف السلطة كغريزة أولية لا ترقى بوجود الإنسان، بل تهبط به إلى مستوى “الحيواني” الساعي للسيطرة، مع التأكيد على أن هذه البنية الأبدية تستمر في الوجود بينما تستهلك الأفراد الذين يطمحون إليها.
يُجرّد النص السلطة من أي غطاء أخلاقي أو عقلي، ليضعها في عُمق الهوية البيولوجية للإنسان، حيث تكون “أول الحيوان فينا” و”جمرة الحيوانات في أحشائنا” و”روح الأفعى”. هذا الطرح ينزع عنها أي قداسة عقلانية، مؤكدا أنها “الروح المطلق أو الفكرة الكلية لارتقاء الحيواني فينا من الأدنى إلى الأعلى، دون أن يتخلى عن بدائيته الأولى”، أي دون أن تتخلّى عن وجودها الطبيعي المُجرَّد. هذا الوجود الحيواني يعني أن السلطة لا تمتلك وعيا أخلاقيا، بل تمتلك “شهية الكلاب المدربة على الصيد”، وأن “الموت في حدائقها عدو أليف”. إنها لا تنشد البقاء الإنساني السامي، بل الهيمنة البيولوجية الغريزية التي تجعلها “شقيقة لهيب الحرب” و”حفلة الألم، منطقة مُسيَّجة بالكوابيس”. إنها العتبة العليا التي “تُجافي حدود العقل والطبيعة معا”، وليست جوهر حقيقة الفكرة الأخلاقية. إنها أشبه بِدفء الحيوانية المُتأجِّجة التي تُبرِّر ممارسة العنف وتبرير الخروج عن السياق، حتى إنها تجعل صاحبها يأمر بإعدام الموج إذا بلل معطفه أو محو الشتاء من قائمة الفصول. هذا التوصيف لا يكتفي بإدانة السلطة كشر سياسي، بل يضعها في سياق اللعنة البيولوجية المُتوارَثة، حيث تصبح “لعنة التوقعات حين تخيب” و”غريزة البدايات، سليلة النهايات”. السلطة، في هذا الميزان المقلوب، تقتات على هذا الجوهر البدائي، فتملك شهوة القنص ونصب الشراك للأحلام المزعجة. إنها “اللذة في استقطاب أقصى حد من الألم بغية الحصول على أكبر قسط من السعادة”، وهذا التناقض هو قلب ديالكتيك هيجل المقلوب على رأسه، الذي أنتج بموجبه الدوغم، والغيتوهات، والغولاكات، وأشكال المقصلة الحديثة. هي غواية الغياهب، التي تضع القنبلة على شفتي قبلة، وتفوز حتى حين تقتل القمر وتظل تبتسم بين الجرح والجرح.
ثم في مقابل هذه الحيوانية الجارفة في طبيعتها، تتجلى السلطة في ديمومة ميكانيكية أبديّة لا تتأثر بدمار الأفراد. إنها كيان خالد “يبقى”، يتغذى على زوال رجالاته، فهي قوة جبَّارة “أقوى من حرارة فرن الصائغ” على تذويب المحبين والمعارضين مثل فص ملح، وتظل مُستمرة بالرغم من تغيير الفصول ولا يتعبها تغيير الوجوه. لا تحتاج لعملية تجميل “لأنها تظل تُشع بسحرها”. السلطة هنا تتخذ شكل “العاهرة الأبدية”، التي لا تبقى يوما أرملة، وتتزوج الطامحين إليها، وتمنح ذاتها للآخرين “كلما أصاب الجالس بجانبها سهو أو وَسَن”. هذا الاستمرار العاهر يبلغ ذروته في الوصف الساخر بأنها تتزوج الطامحين “حتى قبل أن يذبل الحذاء الذي مشت به في جنازة معشوقها السابق”. هي لا تأبه لتغيير الوجوه، و”كلما اهتز عرش عشاقها، غادرتهم نحو الغزاة الجُدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة”، مُكرِّسة بذلك مبدأ الاستهلاك الدوري للعاشقين. إنها كيان ميكانيكي لا عاطفي، حيث نقيض الحب لا يتمثل في الكراهية، بل في التزييف والرياء. السلطة “لا تفسد قدرة صاحبها على الحب فقط بل تُفسد أيضاً تلقائية الحب لدى الغير”، فلا يمكنه أن يتأكد من نزاهة الحب الذي يُعلَن له، لأن حب الرياء ينمو بما يقتات، ومن يرفض النفاق يصبح مكروهًا ومنبوذا ومنفيا. لا يغويها “لحن قرابة الدم، حنو الأخوة ووفاء البنوة”، بل “تدفن موتاها فلا تحس بطعم الأسى ولا بواجبها في البكاء”، لتظل هي البنية الصلبة التي “تقتات على الأنسجة الحيوية لمن تمنحهم منصة التتويج بكراسي مريحة”. إنها عين لا تنام، لا ترى جمال النخلة ولا سحر قطرة الندى، بل هي دائرة لا مجال فيها للصدفة، حيث الحرب مجرد حادثة سير أو إعادة ترسيم لحدود، وحيث “الكل لديها سجين”، ومفتاحها يضيع في بطون مهالكها. هذا النظام الكلي لا يقبل التنازع في جزئياته، نصُّه مُقدَّس شرعا، والمعارضة مجرد حاشية على متنه. هكذا إلى الأبد، تستمر السلطة في سحرها الميكانيكي، بينما يُدفن عشاقها في سكة القبور التي رسمتها لهم.
رابعا: ديالكتيك الهيمنة والنكوص في فضاء السلطة
يبدأ النص رحلة الغوص في عمق مفهوم السلطة بوصفها كيانا مُعقَّدا يتجاوز كونه مؤسسة أو بنية أو قوة معينة يتمتع بها البعض، ليصبح “الاسم الذي يُطلق على وضع استراتيجي مُعقَّد في مجتمع معين”. إنها تحاصر المغلوبين وتخترقهم، مرتكزة إليهم بنفس الكيفية التي يرتكزون بها إلى تأثيرها، فهي “يد تلهو بِقِطَع الشطرنج، قبضة ريح وريشة للهباء”، قادرة على صنع الأعاجيب، وسارقة “سُلافة الحياة”. هذه السلطة ليست قوة عاقلة بل هي تجلٍّ لـ”أول الحيوان فينا”، و”جمرة الحيوانات في أحشائنا”، تتجلى في “شهية الكلاب المدربة على الصيد”، حيث يبدو الموت في حدائقها “عدو أليف”. يستعمل النص أدوات نقدية مُتطوِّرة لتوصيف آليات عمل هذه السلطة داخل المجال الثقافي والنفسي، مُركِّزا على تحويل المنطق إلى فوضى، والقيمة إلى نفاق، في عملية تفكيكية مُستمرة للمفاهيم الأخلاقية، فهي ليست جوهر الحقيقة الأخلاقية، بل هي “ديالكتيك هيجل مقلوب على رأسه”، وهو انقلاب معرفي وأخلاقي ينتج عنه “الدوغم أو المعتقد المطلق” الذي يُبرِّر كل شيء؛ هي العتبة العليا التي “تُجافي حدود العقل والطبيعة معا”. السلطة لا تطلب الاعتدال، بل التماهي الأعمى والإدمان على “التعليمات والوباء الجماعي للأمر بغير معروف”، إنها تقتات على الأنسجة الحيوية لمن تمنحهم منصة التتويج، وتتخذ قانون التدمير الذاتي نهجا؛ فهي “مثل القطة الجائعة التي تأكل أبناءها ببلادة حينا وبذكاء ماكر أحايين أخرى”. وعلى عكس الحب الذي يضحي كطائر البليكان الذي يهب أحشاءه طعامًا، فإنها “تضع دائما الملح حين يكون السكر هو المطلوب”، ومع ذلك، فعشاقها كُثر وما زالوا يتناسلون ويستمرون. في ميزانها، تتساوى الأخلاق والأضداد، فـ”عين السخط كعين الرضا تُبدي المساويا”، وهي تخلق “حواجز شفيفة بين المقدس والمُدَنَّس”، حيث “لا مجال في دائرتها للصدفة”، والحرب مجرد “حادثة سير في منعطف التاريخ” أو إعادة ترسيم لحدود غُصن الحمام. السلطة لا تكتفي بالانقلاب على العقل، بل تحوّل النزاع والصراع إلى طقوس ضرورية لاستمرارها، فهي “سليلة النكايات” التي “لا تنفرج أساريرها إلا عن فرح بِجِراح الآخرين: الأعداء المحتملين”، إذ تحتاج دوماً إلى عدو في الحرب أو تراتبية في لحظة السلم لتجسيد “الطقوس الضرورية لتجسُّد مراسيم كرنفال السلطة”، مُحوِّلةً الألم إلى “حفلة الألم، منطقة مُسيَّجة بالكوابيس” لتثبت وجودها عبر العنف المُشرعَن. إنها تنتزع حق التأويل لتشرعن لنفسها “حق العنف وتبرير الخروج عن السياق”، وتسلب الكل حقه في إنتاج قوله الخاص، مُتّكِئة على “الإبهام القصدي للمعنى في خطابها” لإيقاع الآخرين في شرك التحليل والتفسير لا التأويل. هذا التبرير للعنف يصل إلى حد السخرية السوداء، إذ “الداخل إليها مفقود والخارج منها مقدود”، وفي النهاية، “عدالة السلطة هي ما شخصه شكسبير في مسرحية ‘الملك لير’، الذي قال: ‘الكلب يُطاع وهو يحتل منصباً'”، فصاحب السلطة “يأمر بإعدام الموج إذا بلل معطفه ملح البحر”، وإخراس أجراس المدينة إذا التقط أُذُنه الصدى لا نداء الصراخ، لأن “غضب السلطة مثل الوباء الجماعي لا يُبقي ولا يَذَر”. هذه هي السلطة: “عسل على شفرة حادة”، تجذب حتى حين تُذيب المحبين والمعارضين “مثل فص ملح”، وتنتشر “مثل السرطان، حتى في التفاصيل الصغيرة حيث تؤاخي الشيطان”، وتظل تُشع بسحرها ولا تحتاج لعملية تجميل لأنها “روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش”. لا تترك للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم، بل تُسكرهم بِخَمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم، فـ”حبل المودة فيها أقصر من حبل الكذب”، وهي “لا تفسد قدرة صاحبها على الحب فقط بل تُفسد أيضا تلقائية الحب لدى الغير”، لأنها قد تمنح ذاتها للآخرين كلما أصاب الجالس بجانبها سهو أو وَسَن، ولغزها الساحر يكمن في أنها، رغم كل ذلك، تظل قائمة بسحرها وجاذبيتها، “دوما وستبقى.. هكذا إلى الأبد”.
خامسا: الضحية والطامح: توحُّد المصير في فتنة السلطة
تتجلّى السلطة في النص كـ”شعرية وقحة” لا تكتفي بوضع أسس الهيمنة، بل تخلق “وضعا استراتيجيا مُعقَّدا” يحاصر ويخترق المغلوبين والطامحين على حدٍ سواء، مرتكزة إليهم بنفس الكيفية التي يرتكزون بدورهم إلى تأثيرها وسطوتها؛ إنها دائرة مغلقة وقَدَر مُوحَّد، حيث لا تتفرد الضحية بالشقاء ولا ينعم الطامح بالخلاص، بل يذوب الجميع في “فتنة السلطة السادرة في غيِّها”. إنها اللعنة الإنسانية الكبرى التي تأسر الأحلام والحاجة إلى إيقاظ الفتنة. هذه الفتنة تتجسد أولاً في سحرها النرجسي الآسر؛ فالسلطة هي “فتنة نرجس بانكسار صورته على ظل ماء الغدير”، لا تطيق شريكاً ولا خصماً، بل “تَزُجُّ بعشاقها كما بأعدائها في خمر لذة النصر أو كَرع كأس مرارة الهزيمة”. إنها “عسل على شفرة حادة”، قادرة بقوة تفوق “حرارة فرن الصائغ، على تذويب المحبين كما المعارضين مثل فص ملح”، تحوّلهم إلى مجرد رماد صامت، فهي “هوس لتفريغ العُقد حتى على أعواد مِقصلة”، و”لعنة التوقعات حين تخيب”. ووسط هذا الإذابة القاسية، يتجلى توحيد المصير في قمّة عبثيته؛ فالسلطة “تَسْلِبُ زهرة عمرهم” جميعاً، وهنا تحديدا “يتوحد المعتقل السياسي والمَنفي والمضطهد مع الحاكم وحاشيته، أحدهما يشقى في نعيمها والآخر ينعم في شقائها”. إنه تلاصق الجرح والاحتفال، أو كما يصف النص بدقة، إنه الـ”لذة في استقطاب أقصى حد من الألم بغية الحصول على أكبر قسط من السعادة”، لأنها العتبة العليا التي “تُجافي حدود العقل والطبيعة معا”، وتستمد وجودها من “أول الحيوان فينا”، حيث يحضر “شبح الظلمة” وتسيطر “جمرة الحيوانات في أحشائنا”. في مسرحها، يصبح الجميع سجناء، والطامح الذي يحاول اقتحام حصونها يقع في الفخ الأبدي، فـ”مَن وجد مفاتيحها ضاع في بطون مهالكها”، ومَن أراد “زرع زهر الصواب في حدائقها، رمته إلى حافة الجنون أو أوصدت عليه أبواب النسيان”. حتى الحكمة والفراسة لا تقيه؛ فالطريق “قاده نحو الجحيم”، لأنها تملك “يداً تلهو بِقِطَع الشطرنج”، ولا تنفع أمامها “إرشادات علامات المرور”. بل إن حبل المودة في فضاء السلطة “أقصر من حبل الكذب”، وهي “لا تفسد قدرة صاحبها على الحب فقط بل تُفسد أيضاً تلقائية الحب لدى الغير”، جاعلةً كل العواطف المحيطة بها مجرد “نفاق ورياء”، وأن “حب الرياء ينمو بما يقتات”، وتكافئ المنافقين. ولضمان استمرار هذا السحر المريع، تلجأ السلطة إلى استدعاء الموتى؛ فـ”في السلطة يَحضُر الأموات دوماً ليُبرِّروا بقاء الأحياء”، في إعادة مُستمرة لـ”كتابة التاريخ على ما تبقى فيهم من أثر”، مثل محاكاة ما فعلته كليوباترا بالقائد الروماني مارك أنطوان، لكي لا تُحرِّر أعداءها إلا لـ”صناعة باقة من التمجيد لعرشها”. ليتحول الموت، وهو الفناء المطلق، إلى أداة بقاء، إذ يصبح “شهادة حياة السلطة”، ويبدو مُبرَّرا “بالقانون ومحميّا بالكراسي”. هي الأنثى الخالدة التي “لم تبق يوماً أرملة”، تتزوج الطامحين إليها سريعاً، حتى قبل أن يذبل حذاء جنازة معشوقها السابق، فهي “روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش”، لا تشعر بالخوف حتى من سلطتها ذاتها، وتظل تُشع بسحرها لأنها تملك قوانين ونواميس، ومؤسسات وضوابط، و”دستور تخلقه لتخرقه دوما لتضمن استمرار سلطة سحرها”، وبذلك تبقى جاذبية الموت و”بيض لتفقيس الخطيئة”، مُستمرة “هكذا إلى الأبد”.
خاتمة:
السلطة كنظام كُلّي وواقع أبدي
يُنهي النص تحليله العميق للسلطة بتأكيد طابعها “النظام الكُلّي الذي لا يقبل التنازع في جزئياته”. إنها “جاذبية الموت” و”عنوان اللاطمأنينة الأبدية”. ورغم كل ما يكشفه النص من قُبحها وجورها، تظل السلطة هي الحقيقة الوحيدة المستمرة، فهي تداول رجالاتها وتبقى:
– استمرار السرطان: “رغم دواء الديمقراطية، تنتشر السلطة مثل السرطان، حتى في التفاصيل الصغيرة حيث تؤاخي الشيطان”.
– الأبدية الجبرية: “لها أساليب بهية، دوماً وستبقى.. هكذا إلى الأبد”.
يُعدّ نص “السلطة حين تتجلى كشعرية وقحة” عملا نقديا إبداعيا بامتياز، نجح في تفكيك بنية السلطة المُعقَّدة، مُحوِّلاً إياها من مفهوم سياسي جاف إلى كائن حي، حربائي اللون، يقتات على الأنسجة الحيوية ويدفن موتاه، ولا يغويها “لحن قرابة الدم”. إنه إنجاز معرفي يفكك ثنائية “المقدس والمُدَنَّس” في مساحتها، ليؤكد أن السلطة هي اللعنة الأبدية التي تستنهض “غريزة البدايات، سليلة النهايات” فينا.
——
المرجع
السلطة حين تتجلى كشعرية وقحة
زهر الصواب في حدائق الجنون
“السلطة ليست مؤسسة، وليست بنية، وليست قوة معينة يتمتع بها البعض، إنها الاسم الذي يطلق على وضع استراتيجي معقد في مجتمع معين، تحاصر السلطة المغلوبين وتخترقهم مرتكزة إليهم بنفس الكيفية التي يرتكزون بدورهم إلى التأثير والسطوة اللذين تمارسهما عليهم في صراعهم ضدها” جيل دولوز
يد تلهو بقطع الشطرنج، قبضة ريح وريشة للهباء.. امرأة تفتح صدرها للعاشقين ثم تطويه مثل قبر.. ضوء جاذب لفراش الليل ومفتاح للجحيم، عش الدبابير ووكر أفاعي هي.
السلطة تدوول رجالاتها وتبقى.. تقتات على الأنسجة الحيوية لمن تمنحهم منصة التتويج بكراسي مريحة.. بضعة مهج الدنيا تبيد، وكيد بلا حدود هي، قادرة على صنع الأعاجيب، معتقل بأشعة ما فوق بنفسجية يسرق منك سلافة الحياة.. الظامئ إليها، مثلما يرتوي بملح البحار.. شرك بيت العنكبوت للحالمين بنياشين التمييز والتفوق وللغاضبين على شكل لباسها وإيقاع مشيتها وهندسة جسدها المغاير لما تعلموه في كتب الفلاسفة المثاليين والقانونيين الحالمين جدا.
ليل يخفي تجاعيده عن خيوط النجوم، سرير يؤثث طقوسه براحة الغدر ونسيج الخيانة وشهوة الدم حيث يسبق السيف، دوما العدل.. آلة عجيبة لترويض الخيول، تقود فرسان عشاقها نحو المهاوي السحيقة.
“السلطة أول الحيوان فينا”، الخيانة ملح الوفاء فيها.. هي كذبة المنابر، شهوة الأمير اللامتناهية للخلود، خدعة الكلام في المجالس ورائحة مسكونة بالخوف والضياع.. مكافأة الوردة بالذبح.. جزاء سنمار، وضع قنبلة على شفتي قبلة.. منذ أول القتل إلى آخر العمر، لا تمسك السلطة إلا بالتلابيب وشبح الظلمة.. لأن لها دوما شهية الكلاب المدربة على الصيد، والموت في حدائقها عدو أليف.
السلطة حفلة الألم، منطقة مسيجة بالكوابيس، الرعشة المصاحبة لكل عضو، في الجسد أو في البرلمان أو .. حذر التربص، شهوة القنص، ونصب الشراك للأحلام المزعجة.
حربائية اللون تكتسي شكل الكرسي الذي تقتعده، سليلة النكايات، لا تنفرج أساريرها إلا عن فرح بجراح الآخرين: الأعداء المحتملين، إذ في السلطة لا بد من عدو في الحرب أو تراتبية في لحظة السلم، بهدف الوفاء للتقاليد التاريخية والطقوس الضرورية لتجسدن مراسيم كرنفال السلطة.
مخدر لإعداد الوصايا قبل الذهاب إلى الجنازة.. إدمان التعليمات والوباء الجماعي للأمر بغير معروف.. حين ترفع السلطة يدها للتحية، لا يعرف العاشق هل هي يد للسلام أم للوداع الأخير تمتد.
في المسافة بين خطو وآخر ترسم السلطة سكة قبور عشاقها.. في ميزانها، هي أو لا أحد .. تدفن موتاها فلا تحس بطعم الأسى ولا بواجبها في البكاء، ولا تحرر أعداءها إلا لصناعة باقة من التمجيد لعرشها، محاكاة لما فعلته كليوباترا بالقائد الروماني مارك أنطوان.
في ميزان السلطة، عين السخط كعين الرضا تبدي المساويا .. حواجز شفيفة بين المقدس والمدنس، لا مجال في دائرتها للصدفة، والحرب مجرد حادثة سير في منعطف التاريخ أو إعادة ترسيم لحدود غصن الحمام.. باب مشرع على غواية الغياهب، الطعم المر في الفم لكل مشتهى .. فم تنين أسطوري، بؤرة للجمر، هي لعنة التوقعات حين تخيب.. لهاث الناسوت للدخول في ملكوت اللاهوت، لتأبيد الرموز والطقوس والشهداء.
هي التي تحيل الأيام إلى رماد الصمت، وتخلق البهجة من شرنقة الأكاذيب، وعود بالقناطير ووفاء بالبخس منها، باب لتجميع الأغراض .. مديح وهجاء، غزل ورثاء..
ظل الحاكم يرفض وصمها باللعب، لأن السلطة جد .. أم الشهوات، شقيقة لهيب الحرب وجمرة الحيوانات في أحشائنا، ربيبة نشوة الشهرة في جناح الوقت.. لو تألقت كل أغصان الأشجار، وسيقان السنابل، وضوء القمر وشعاع الشمس وهبة ريح الغروب.. لما نسجت بيتا واحدا لمدح السلطة.
في نحو السلطة لا قاعدة واحدة صالح للإعراب، لأن الكل فيها مبني على الخفض أو الرفع، على الكسر أو النصب أو السكون إلى الأبد.. ولأنها تلجأ إلى التعميم، تمنح نفسها حق الحديث المشرعن باسم الآخرين: الله والإنسان والمؤسسات، وما بين الأرض والسماء من هواء وماء ونار وتراب، وتسلب الكل حقه في إنتاج قوله أو بلاغته الخاصة، وتتكئ على الإبهام القصدي للمعنى في خطابها، لإيقاع الآخرين في شرك التحليل والتعليق والتفسير لا التأويل.. لأن نص السلطة مقدس شرعا، لذلك تعتبر المعارضة مجرد حاشية على متن السلطة.
تجاه السلطة، لا خطوة تقود لغير الجحيم نحو الممالك الباذخة.. غريزة البدايات، سليلة النهايات، فتنة نرجس بانكسار صورته على ظل ماء الغدير.. لا تقبل بالنديم ولا الخصم، وتزج بعشاقها كما بأعدائها في خمر لذة النصر أو كرع كأس مرارة الهزيمة.. الكل لديها سجين، وحبل المودة فيها أقصر من حبل الكذب، لذلك لا يغويها لحن قرابة الدم، حنو الأخوة ووفاء البنوة، “فالسلطة لا تفسد قدرة صاحبها على الحب فقط بل تفسد أيضا تلقائية الحب لدى الغير، فصاحب السلطة لا يمكنه أبدا أن يتأكد من نزاهة الحب الذي يعلنه له الأصدقاء وذوو القربى، لأنه من الممكن بسهولة أن يكون هذا الحب محض نفاق ورياء، فضلا عن ذلك إن حب الرياء ينمو بما يقتات، فأولئك الذين يرفضون أن ينافقوا يغدون مكروهين منبوذين منفيين، في حين أن المنافقة يكافؤون”.
في السلطة يحضر الأموات دوما ليبرروا بقاء الأحياء، أو لنعيد كتابة التاريخ على ما تبقى فيهم من أثر.. السلطة فخ الطامحين، قلادة لأسر الأحلام والحاجة إلى أيقاظ الفتنة، حيث القبر يصلح لاستقامة الظهور المحدودبة.. لهاث التعاليم، حقول تزرع بالجثث وتروى بالدم ودماميل التاريخ.. في السلطة الكرسي مصيبة والجالس عليه دوما مصيب.
فيها يصبح الحجام مسؤولا عن سقوط الصومعة.. لذلك فالداخل إليها مفقود والخارج منها مقدود، لأنها العتبة لعليا لتجسيد بعد الحق في امتلاك حجية التأويل حق العنف وتبرير الخروج عن السياق، وحق إرسال الآخرين إلى الحج أو الجحيم على حسابها الخاص، بيت الله أو بيت النار سواء.. وعدالة السلطة هي ما شخصه شكسبير في مسرحية “الملك لير”، الذي قال: “الكلب يطاع وهو يحتل منصبا”.
كل سلطة تتزين بعشب البراءة وتطعم الحشود أساطير دافئة لينسوا دموعهم كل ليلة حين يهجعون.. ويحرسوا على إزالة السخرية المرتسمة على وجوههم حقدا وكراهية.
السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئياته، هي الروح المطلق أو الفكرة الكلية لارتقاء الحيواني فينا من الأدنى إلى الأعلى، دون أن يتخلى عن بدائيته الأولى، أقصد وجوده الطبيعي، هي اللذة في استقطاب أقصى حد من الألم بغية الحصول على أكبر قسط من السعادة، لذلك تبدو السلطة العتبة العليا التي تجافي حدود العقل والطبيعة معا.
فليست السلطة جوهر حقيقة الفكرة الأخلاقية، إنها ديالكتيك هيجل مقلوب على رأسه، والذي أنتج بموجبه الدوغم أو المعتقد المطلق، كل الغيتوهات والغولاكات وأشكال لاغيوتين المستحدثة.. وعلى عكس الحب الذي يشبه طائر البليكان الذي يهب فراخه، حين تجوع، أحشاءه طعاما ينقذهم من سغب الموت، فإن السلطة مثل القطة الجائعة التي تأكل أبناءها ببلادة حينا وبذكاء ماكر أحايين أخرى.
حتى حين تقتل السلطة القمر، وتسدد لإلاه المطر الضربات القاضية، تظل تبتسم بين الجرح والجرح.. هي تضع دائما الملح حين يكون السكر هو المطلوب، ومع ذلك فعشاقها كثر، وما زالوا يتناسلون ويستمرون.
لا تترك السلطة للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم، وفستان أحلامهم.. تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم، هنا يتوحد المعتقل السياسي والمنفي والمضطهد مع لحاكم وحاشيته، أحدهما يشقى في نعيمها والآخر ينعم في شقائها، تلك فتنة السلطة السادرة في غيها.
هي أقوى من حرارة فرن الصائغ، على تذويب المحبين كما المعارضين مثل فص ملح.. فالسلطة عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.. عين لا تنام، لذلك فهي لا ترى جمال النخلة، سحر قطرة الندى كبذرة جمال على خد وردة، نفح الطيب وشذى الأحلام الرغيدة..
رغم دواء الديمقراطية، تنتشر السلطة مثل السرطان، حتى في التفاصيل الصغيرة حيث تؤاخي الشيطان.. ومع ذلك فهي ذات أدب جم، توشح المغضوب عليهم بأوسمة شرف وبكلمات من المديح الطيب، وتمشي في جنازة من تكشطهم بسرعة البرق، وقد تبني لهم التماثيل وتطلق إسمهم على شارع رئيسي بالعاصمة.. لغز ساحر هي.
صراع العلامات والرموز.. سلاسل الظلمة وأشواك الفتك، حشرجات الحالمين بالذهاب إلى قمة الجبل.. في السلطة تختنق الحقيقة وينطفئ الصدق، تتدلى ضفائرها مثل مشانق وسط السراديب، فهي مالكة مفاتيح الأبواب الموصدة، قناصة الفرص، واهبة الأوهام المعسولة، حس اليقظة في الثعلب القناص لا براءة الطريدة.. سحر غامض يتخطى حدود التخمين، ذاك الذي تجسده السلطة.. فهي تحيي عرسا إذا قتلت نجمة، وتشهر سكينا أذا انكسرت بقبلة.. وصاحب السلطة يأمر بإعدام الموج إذا بلل معطفه ملح البحر، وبمحو الشتاء من قائمة الفصول إذا داعبه رذاذ المطر، وبنزع الألسنة وإخراس أجراس المدينة، إذا التقطت أذنه الصدى لا نداء الصراخ، لأن غضب السلطة مثل الوباء الجماعي لا يبقي ولا يدر.. جاذبية الموت هي، امتلاء رخو بنشيد الهزائم، عنوان اللاطمأنينة الأبدية وبيض لتفقيس الخطيئة.
السلطة ابنة الإنجاب بالليل، أما ما تبقى من نهار فهو فقط لتصريف ما تجمع من ركام الواجبات الثقيلة.. هي أنثى في المبنى اللفظي فقط، لذلك “كيدها عظيم”، أما هويتها الحقيقة فهي بنية قضيب الذكورة.
ظلت السلطة حية فيما قضى عشاقها نخبهم ومنهم من ينتظر، لأنها هي روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجماش.. هي الأنثى التي روضت أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة، ليس في السلطة تجاعيد، لذلك فهي تظل تشع بسحرها، ولا تحتاج لعملية تجميل.. وتأسر هواة الليل الباحثين عن آخر النفق، والسادرين في غي أحلامهم.. لم تبق يوما أرملة، لأنها تتزوج الطامحين إلى عصر حليب نهديها، حتى قبل أن يذبل الحذاء الذي مشت به في جنازة معشوقها السابق..
لا تأبه لتغير الفصول ولا يتعبها تغيير الوجوه، ورغم أنها لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب، فإن لها دوما نفس إحساس التذمر والانتقام الذي تحمله الشباك الفارغة.
للسلطة عادات سيئة.. لا ملابس داخلية لها: لا جوارب ولا صدريات ولا حاملات نهود.. لأنها تشعر بالخوف مما تحمله بداخلها، وتحول ضفائرها إلى مشانق بدون عطر، فالسلطة لا تطمئن حتى لسلطتها، فهي تنام بتاجها فوق رأسها خوفا من أن تحس مثل ملك مخلوع، وتريد من الأحلام أن تنحني لها بخشوع كل هجعة ليل.. وكلما اهتز عرش عشاقها، غادرتهم نحو الغزاة الجدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة.. السلطة عاهرة قد تمنح ذاتها للآخرين، كلما أصاب الجالس بجانبها سهو أو وسن.
من وجد مفاتيحها ضاع في بطون مهالكها، ومن أراد زرع زهر الصواب في حدائقها، رمته إلى حافة الجنون أو أوصدت عليه أبواب النسيان، فهي تحتاج دوما إلى من يبرز أنه جدير بها.. فالموت شهادة حياة السلطة، في كنفها يبدو مبررا بالقانون ومحميا بالكراسي، ركام تيه الطرقات، حيث لا تنفع إرشادات علامات المرور.. وحده المتنبي، بفراسته، يقظته وبهائه.. كان يميز المهاوي البعيدة في دهاليز السلطة، ولم يسر فيها بحذر الحكيم، فقاده الطريق نحو الجحيم.. في ديوان السلطة يتفق الخصمان اللذوذان على الصلح، من أجل القضاء على بعضهما البعض بقفازات حريرية..
ومع ذلك للسلطة قوانين ونواميس، مؤسسات وضوابط، ودستور تخلقه لتخرقه دوما لتضمن استمرار سلطة سحرها قبل تغيير أزيائها.. للسلطة أساليب بهية، دوما وستبقى.. هكذا إلى الأبد.
























