عباس بيضون في مواجهة أخرى .. المحاكاة الشعرية عبر الوجدان وأيقونات الشاعر
محمد يونس
أن أهمية الحداثة الشعرية تكمن في خروجها على نظام البيت الشعري الكلاسيكي القائم على تفعيلات محددة سلفاً. هذا البيت الذي يشكل أساس القصيدة العربية موسيقياً، والذي يحيل على نمطية عروضية، لم تعد تتلاءم والذوق المعاصر من جهة، ولم تعد تتلاءم وطبيعة الانفعال الشعري من جهة ثانية. بحيث يصح التوكيد، بحسب هذا النسق، أن الخروج على ذلك النظام هو في ذاته دخول في الحرية التي تميز التجربة الشعرية، ومن دونه لن يتمكن الشاعر العربي من التعبير عن تجربته بالشكل الأمثل. ومن ذلك، فقد تمّ النظر إلى محاولات الرمانتيكية العربية، في تجاوز النمطية، من خلال بعض التنويعات والتلوينات الموسيقية، على أنها نوع من تجميل القيد، وهناك اراء داخل فضاء الشعرية العربية عدة تتفق وتختلف حسب ايقاعها الفهمي والاعتقادي بالشعر، وتمثل تجربة عباس بيضون تطورا نسقيا في الوعي والمعرفة الشعرية، وصيغ بناء بليغ في قيمته المستحدثة، ومقوماته المنفردة بأطار تجاوز الحداثة التقليدية، ففي مجاميعه صيد الامثال – مدافن زجاجية – زوار الشتوة الاولى كان نسقا منفردا في ثقافة شعرية وبناء قصيدة متجددة، حيث اغنى السياق النثري في الشعر بطاقة خلاقة ابداعا وجماليا .
المحاكاة والوجدان
أن قصيدة النثر تملك روح التزامن والمعاصرة التامة، ولكن دون أن يكون مرتبطا بالمحاكاة التقليدية كما في مثل الرواية أو القصة ، ، وتكون المحاكاة هنا وجدانية، او في علاقة حس الشاعر بالاشياء، وكما في قصائد عباس بيضون، فقد كان الشاعر في اغلب قصائده يعيش المطلق افتراضا، وحسب التصاعد الحسي وتنامي التوهج الوجداني عموديا بتسامي لا متناهي ،ففي القص والروي وقصيدة العمود والتفعيلة لا السعادة تصير حزنا ولا الموت يبدل المعنى الحياتي المستمر، لكن لدا عباس بيضون ممكن أن يكون ذلك وبمستوى اعمق، وهناك مثال جانبي أورده شاعر فرنسي يدعى كوربير، وكان مصابا بالسل، لكنه كان يركب زورقه الصغير، ومن ثم يواجه البحر الهائج بهيبة وسمو ليؤكد لنا ذلك المطلق الافتراضي في واقعه الحي و من ثم حاكاه وعبر عنه رمزيا في شعره، ويقف أمامنا جان آرثر رامبو بمحاكاة متطرفة، ليكون بهلوانا حاذقا وقديسا ماجنا ونبيلا وضيعا ، واستطاع إن يمزج كل تلك الصفات بمهارة شعرية ليرسم لوحة معبرة في قصيدته ( المركب السكران ) ، وتلك الصفات هل هي إلا دليل على ميزة الشعر وتجاوز للحدود التي تحدد ملامح الوجود وترسم معناه، وفي قصائد عباس بيضون لانجد ذات بيئة المحاكاة الا في كيان النص النثري ، حيث هو يتبع قدرة النص الفائقة في ملامسة جوهر الاشياء، ففي قصيدة ( الملك) من مجموعة – صيد الامثال – يحاكي وجدانيا ملكا بمعنى هو يفترضه .
قلت اكتب قصيدة عن ملك
او ارتجل ملكا
وهاهو يكاد ينط من فمي
لكن اين نجد ملوكا
هل نجدهم بين هولاء الذي يحكمون
يقوة الامثال
التي هي كاليواقيت في بيت اللغة
رغم التحايل بالصياغات على الملامح وتحقيق محاكاة بنسبة عالية، ابدى عباس بيضون مقدرة عالية في الهيمنة على مستويات اللغة الشعرية، وعلى الأخص في السياق النثري فهناك استعارة متغيرة برغم تواصلها، وإيحاء عميق ومعنى يرسم ويمحى، وأي معنى للحياة سيكون واضح ومقنع في شكله، لكن مضمونا هو تأملي وإدهاشي وغامض في رمزيته جوهريا، وقد رسم صورة شعرية تحاكي على المستوى الإنساني معنى مفترضا، واكد عباس بيضون أن الحياة تحتاج اليوم إلى الدعم الحسي وليس إلى ملامح مشهودة ومكررة ، ويرى بورا في كتابه / التجربة الخلاقة، إن الشعر له ادعاء من خلال المحاكاة الوجدانية هو مقنع في المبدأ بأنه تعبيريا يمثل روح العصر، حيث يقول ، إن هناك (في ادعاء الشعر الحديث التعبير عن ضمير العصر ، ليس هناك اعتراض على ذلك من حيث المبدأ. فمن الطبيعي والصواب إن يستخلص الشعراء كل ما يمنحه لهم عصرهم )(1) واعتقد إن السياق النثري في قصائد عباس بيضون أكثر اتساقا والتزاما بروح العصر كون حتميا مثاله الأدبي ومحاكاته الوجدانية، وصوته المعنون إيقاعيا وانعكاسه الرمزي، وقيمة سياق البناء في القصائد جماليا في تواصله الحيوي مع المعنى الحياتي دون تحديد ملمح معين ولا تعلق بحالة مستهلكة، بل ما هو يثير أو مستغرب أو مثير وعلى الأخص في الإطار الإنساني ، وهذا ما يمنحه صفة الإطلاق تماما، والمنطق الشعري للمحاكاة عند عباس بيضون، هو لا يتوافق الا مع سعة الاثارة والاستغراب، وهنا يثير استجابات من داخل كيان النص .
يحقق عباس بيضون في خلق انموذج شعري ذاتي، أي تكون خلاصة الوعي هي بيئة النص، وعنصر المحاكاة الشعري هو من يعسى الى ايقونات جانبية، وهي تكون بصفة من ايقوانات ذات رمز غير واضح احيانا، وهنا يكون رمزا عفويا وفطريا،وتكون البيئة كما من نمط اغتراب داخلي، وإن الشاعر لم يكن بعظمة وهيبة وسمو، أن خالف الانفعال والتدفق الوجداني، وفرض ذاته الخارجية على وجه الخصوص على حسه الشعري، وكان عباس بيضون بحساسية مفرطة الشعور بالأيقاونات، وهنا يكون كما ساحر يطوع اللغة لمهارته، ويجعل الايقونات تفرض قيمتها ، لكن هو يعمل الى أن يجدد المظهر الوجودي، ويزيد جوهره فاعلية حتى مستويات التمرد ولكن دون أن يفقد فطرة عامله الإنساني، وفي قصيدة (صيد الامثال) من المجموعة ذاتها، يبني نصا يفترض لنفسه شكلا افقيا لكن بتصاعد المعنى يكون عكس ذلك .
يتقدم وعلى صدره لوحة بخمسين نقطة
مهشمة
فوق كومة من الزجاجات
فيما النوم مسجى امامه
كان يقف على رأسه
كخيال شمعة
وقبل أن يصل الرماد الى فمه
سالت عليه لغات عديدة
وانطبق كالمصيدة
والكلام يطمره
لاشك بوجود قدرة بعاطفة شعرية تناور بين ما هو حس ذاتي واعي وبين محاكاة وجدانية، ونلاحظ هذا المقطع يستهل بما يمثل الذات الواعية، حيث المفردة ( يمشي ) هي تشير حكي لغويا، لكن العاطفة سرعان ما استمدت مقومات اللغة الشعرية وتعديها، وانعرجت نحو المعنى الذي لايقف عند حد ما يضمنه، ورغم السياق الافقي في بعض القصائد، لكن يبقى تراتب المعنى في المحو والاضافة، او يحقق التلازم التام مع الصورة الشعرية .
من المؤكد إن عباس بيضون عبر الشعر يسعى إلى مالا نهاية في تغيير ملامح الوجود داخل إطار المعنى، ، أي كما يفسر المجاز الذهني، ولكن داخل أفق الواقع، وهذا نجده في السياق النثري خصوصا ، حيث يمكن في الشعر دمج الماضي بالمستقبل وتكوين صورة شعرية حاضرة من خلالهما ، وذلك أشبه بحتمية شعرية تفرض نفسها على الزمن لتتيح للشعر إن يكون مطلقا أدبيا , حيث في السياق النثري إن قدرة القصيدة يمكنها إن تزيح التسلسل التاريخي للإحداث والذي الرواية تتبعه عبر نظامها المعهود ، وهنا لابد إن نقر إن الرواية تحتاج السياق الشعري هنا ، فيمكن إن تعيش الشخصية الروائية لحظة شعرية ، ولكنها سرعان ما تمحى بسبب التسلسل الحدثي ، فيما المشهد السردي في السياق النثري تزيده اللغة الشعرية ثبوتا ورسوخا ، لكن ليس عبر أرسطية الزمن المعروفة في الرواية على أنها محددة الملامح وفيها نسبة من المحاكاة تكون لها دور في إن تزيد الصفة المشهدية ، وميزة الشعر إن يغير الملامح ويوحي عما غيره ، وفي السياق النثري كلما زادت رمزية المعنى زاد عمقه وامتنع عن الثبات في صورة شعرية يتسلسل المعنى فيها كما في الرواية، ويحيل لك اسلوب عباس بيضون صور شعرية تشابه بعص المشاهد في الرواية الامريك جنوبية، وفي قصيدة ( الانتظار) بناء تقني متفوق الى بعد اقصى مثال جمالي .
الأنتظار
الخطوات التي تلف من عشر طرقات
وعشرة امكنة
النوافذ التي تهرب دائما الى الصالات والمريا للصوص/ الاقزام الذين يجدون في صنع الوقت، في بعثرة حياتنا، ولخبطة الاشعة والألوان والأصوات على الكراسي والطاولة والمنافض والأثواب، المأهولة فقط بغيابها، ويتداول هذا الغياب كسمكة خفية تنمتقل بين الجيوب والأيدي، وتدور خلسة بين الأشياء شبيه بالنظر الى الساعة، وبسماع العقرب يدق في اصداغنا .
ما الذي يمكن ان نحكم به كتلقي على محاكاة شعرية كالتي في هذا المقطع؟، طبعا هي تستغل بشكل عفوي المعاني، لكن ليس خارج احساس الذات الوعية، وهنا سيقابل معنى مشهود معنى سينغرافي، ويتأكد هنا قيمة الشعر كونه استعمال فني، وهو لايخبرنا بل يوحي لنا، ونرى هنا التصاعد في المعنى الشعري، كان مما هو مشهود أي ملموس ، لكن يوحى عنه، وقد تصاعد الايحاء نحو معنى تخفق في وجداننا .
تصور المحاكاة المستحدثة
تجد أن المادة الفنية بالإقناع التام العميق، والذي يوحى اليه، هي شعرية فيما عداها هي أدبية حياتية ، وقد بلغت قصائد عباس بيضون على وجه الخصوص مستوى، إن تكون تحفة فنية، فهي كمعاني صور شعرية متراتبة، بصفة تكون فيها ممتعة وشيقة البناء، ويتخللها وجود شعري لحياة مصاغة شعرا، تتحرك الفطرة الإنسانية داخلها، وكما هي تحاكي بصيغة مستحدثة وجدان الشاعر، عبر تصور عميق فرض على الخيال الشعري مواكبة عمقه، وهذا ما يميز الشعرية لدا عباس بيضون، حيث انموذجه الشعري يكون ببنى متقابلة – بنية الفطرة – بنية الوجدان – بنية الذات الواعية، حيث هنا تكون الحياة المتصورة تقابل الخيال الشعري، بعد بلوغها قمة الانفعال الوجداني،وقد برعت القصائد في استحداث نمط من سياق نثري ذاتي بوعي حساسية عالية، وكانت ديمومة الإحساس الأدبي تتواصل وتخفق داخل كيانات القصائد، وهي من يمنح الحياة روحا جديدة، تتوهج مع الشاعر، وإيقاع أكثر حرية ،يوحي عنها بغرابة وتجديد وامتاع وديمومة، ونجد في المجموعة الثانية ( مدافن زجاجية) والتي هي كعنونة تثير التلقي، ان عباس بيضون استخدما نسغا كتابيا مختلفا، حيث الجمل اقصر والايقاع اسرع نسبيا، والمعاني تمحو بسرعة السابق لتستقبل اللاحق، وهذا الدييوان هو قصيدة طويلة على شكل مقاطع رقمت بارقام لاتينية، ومن المقطع الرابع .
نباح
وحيث لا نعود نرى
فهود تسير على الاسلاك
عراة على الجدار
الشرطة ولأطباء يقفون بمرشاتهم
يرشون ايضا في المراحيض والبواليع وعلب النفايات
عانات العالم
حليبه الجوفي
يضعنا عباس بيضون في جوف حكاية شعرية، هي لاتتيح لنا صوراً بيانية تامة، كي لايفقد الشعر هويته واطار تجنيسه ومنطقه، لكن هذا المقطع من القصيدة يشبه الى حدما الصياغة السينمائية في السينما الفرنسية، حيث هناك تجريد للصورة الشعرية، حيث هناك مفردة بيانية تدعم مفردة ايقونية، وبذلك تكون الصورة الشعرية بها معنى مشهود يقابله معنى عميق، وطبيعي هناك تراتب للدعم من الجهتين، ويلاحظ ايضا أن عباس بيضون يوظف المستوى الثاني من البعد الانثربولوجي في شعره، والسياق النثري يمكنه ذلك ايقاعا خاجيا وداخليا ايضا، ويكون الخارجي مشهودا، فيما الايقاع الداخلي على العكس من ذلك، لكن توافقهما التناغمي ثابتا على وجه الخصوص، من قصيدة (لصوص الوقت يسلطون سمعهم) حيث استهلال يكاد يكون نصا تاما مقترنا عضويا بكيان النص الاجمالي .
كل ما وجدناه
كان قبل خط الافق
حيث بقي معطفه مكوما
نجد إنه حسب السياق التاريخي كان دور الشعر وجدانيا هو متقدم على الأجناس الأدبية الاخرى، وفي جوانب عدة لتغيير معتقدات أو فواصل تاريخية سيان علمية كانت أو سياسية أو اجتماعية او غيرها من الميز، حيث نلمس ذلك في صور قد تكون متفردة كونها شعرية ، فأن تكون القصيدة موقف أنساني أوسع من بعد الواقع هذا أمر وارد ومؤكد أيضا، وهذا احد اوجه المجاز الوجداني ،وهذا تفسره لنا قصائد بول ايلوار التي رميت من الطائرة إلى جماهير فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية ، وهنا كان الشعر هو سلاح الإنسان ويقينه وصورة عن حقيقته الجوهرية، وطبعا لا يمكن الجزم إن هناك موقف أكثر قيمة ودعم للشعور الوطني العام ، فيما لم يتمكن السرد الروائي أو القصصي تجاوز محاكاة شكل الحرب إلى حد يجعله متميزا في الخلق ، وتلك السمة التي تحدد فارق واسع بين الشعري والسردي عبر جوانب مهمة تضع الشعري متقدما وأكثر روح مستقبلية وإصرار على بث السؤال الإنساني والتمثل له ، وصراحة السياق النثري أوسع مساحة وأكثر تأثيرا كونه كسر قيود كانت قد يمكنها إن تجعله رهين سياقات تحدد الكثير من المهام الأساس ، وتميزت مقدرة عباس بيضون في انتاج نمط شعري يبتكر بناء للسياق النثري، وكما أن السياق النثري فهو أكثر اتساق من جهة مع جوهر الحياة ومن أخرى مع التجديد أو التغيير إضافة إلى روحه ذات الذائقة الجمالية ، ويرى وايتهيد (إن الشعر في جانب هو ثورة فلسفية جعلت من التفكير العلمي إن يقف عاجزا إمامها )، والكثير من قصائد عباس بيضون تفرض فلسفتها عبر السياق النثري, ومن مجموعة ( زوار الشتوة الأولى)، ففي قصيدة تثير عنونتها ابعاد عدة، فعنونة( الوردة ساخنة للغسق) ليست تمر بشكل مألوف على عناصر التلقي العام والعضوي، وكلاهما يقف يحمل اسئلته، ولا يستجيب له كيان القصيدة، وتستهل القصيدة ببعد تقني مستحدث.
السهو لا النسيان . غيم الأطراف
أنه ايضا النهار المعكوس. نصف الليل الابدي. دائما في فم الفجر، الذي لا يلفظه .
الريح التي نقلت الفهارس. الغيم العائد من الأودية
جمع من التوائم يتفرق . الأشياء تقف كأهداف في العزلة
هناك من يهدي الوردة – ساخنة – للغسق .
أن ميزة عباس بيضون في التجريد النسبي لجملته الشعرية، والتي تؤكد وجود حس وجداني يتصاعد انفعاله، لكن لاتبديه القصيدة، ونمط قصائد عباس بيضون ليس بناء افقي كما تبدي بعض الجمل المباشرة، بل هي على العكس من ذلك، وهي عالية البلاغة الحداثية
إن السياق النثري هو اقرب الأمثلة الفنية إلى الفطرة الإنسانية بكونها جوهر حيوي لمعنى الحياة الغير تقليدية من جهة ، ومن أخرى هو خلاصة أدبية عميقة في ترجمة الحس الأدبي ، والسياق النثري يخلق عادة توازن مضمون بين الفطرة الإنسانية والحس الأدبي ، وهو في توازنه بين وحدة الوجود ووحدة النص يكون عبر مقصد العلائق النصية في بعديها الخارجي والداخلي ، ومن الطبيعي إن الدور الأساس هنا للغة التي هي في السياق النثري مركبة بين العضوي والحسي ويكون صوابها أيضا بين المعنى وواقع النص النثري ، ومركبهما يجعل النص لانهائي وغير محايد لا إلى جهة المعنى المتجدد ولا إلى واقع النص الحيوي الشكل ، وانه لا توجد أبداً كلمات من اللغة تكون محايدة كما يؤكد باختين ،
النهايات الشعرية واحتمالاتها
لابد إن النهاية حسب بسياقاتها المعهودة تكون ثابتة، ويندر أن تكون متحركة أيضا ، فالنهاية على حدود كيان النص الشعري، هي لاتقف عند حسب المنطق الاجتماعي للنص كاملة وذات نهاية محددة ، ومن خلال المطلق الأدبي للنص لانهاية لها ، وأيضا هنا تكون ذات صفة تأثيرية في القراءة فتجعلها تستجيب لمطلقها الأدبي وتفترض تعدد النهايات أيضا ، وهنا استنادا لترادف المعنى وعلى سبيل المثال في جنس الشعر يكون هناك تعدد تراكيبي في الصوتيات فهي تختلف في الملفوظ العضوي تماما عن المحسوس ، فيما هي تشتركان كلاهما بالسياق النثري في إطار اللغة الواحدة شعريا أو عضويا ، والتي تكون غير تامة عند الشاعر والنص أيضا وكذلك في القراءة سيان تعددت أم لم تتعدد ، ويعتقد ادغار الآن بو إن ذلك التعدد التراكيبي هو فعل محدد من جهة الواقع وغير محدد من جهة العالم الخيالي ، وتلك السمة تجعل المطلق الأدبي سمة أساس في السياق النثري وله دوره في المعلية الشعرية ومهم جدا إن يبلغ النص ذلك التعبير الحقيقي المهم في البناء الشعري للصورة الشعرية التي تكون تامة من جهة واقع النص ومحددة ومن جهة طبيعة الفن الشعري في السياق النثري لدا عباس بيضون فيكون المعنى بقوة رمزية غير محددا ويجعل بذلك الجملة الشعرية كما المشهد السينمائي فيها الواقع المحدد يتلاشى ويتواصل المعنى دون تحديد نهائي، وصياغة نهاية قصيدة تمثل صعوبة اكثر مما في الاجناس السردية، ولكن كون هناك قصص شعرية وجدت في المجاميع الثلاثة صارت النهاية ليست ايسر، رغم أنها تبدو كذلك في قصيدة ( عام الوردة ) والتي هي اخر قصائد الكتاب، كانت النهاية هي مقطع شعري قائم باته، فبدا كنص تام، لكن طبعا تقنيا هو مقطع شعري اخير .
العناق ذاته
يدور في النسيان
كأني احفظ اسمي
في لؤلؤة
كأني فعلت ذلك
لغيابي
تلك الصورة الشعرية في هذا المقطع، ليست تحيل الى كيان النص الاجمالي ببعد دلالي، ولا حتى سياق البناء يشير الى ذلك، رغم البعد البياني له، ويبقى ذلك المقطع بمعناه النهائي يشير الى نهايته، رغم ن البعد البياني يؤكد نهاية قصيدة، تلك ليست ميزة سلبية، بل على العكس من ذلك، وقد تطرقنا بكتابنا ( الروح النثرية) لذلك، حيث هناك نصوص مشتركة اولها الاستهلال واخرها مقطع يمثل نهاية قصيدة، وهذا ما تصفه جوليا كريستيفا عن البعد البنصوصي، والنهايات في قصائد عبس بيضون ليست كلها باطار واحد، بل تختلف من نص الى اخر، ويمثل اخبرا عباس بيضون ظاهرة شعرية ريادية بتفرد في السياق النثري .
1- التجربة الخلاقة – بورا –
























