عامر الجليلي .. ومسيرة حافلة للتجارب والمحاطات .. رائد بارز في الكاريكاتير العراقي
علي إبراهـيم الدليمي
في العقد السبعيني من القرن المنصرم، عودنا رسامو الكاريكاتير في العراق، أن نبتدئ بقراءة الصحف اليومية من الصفحة الأخيرة مباشرة.. وذلك لمشاهدة و (قراءة) الصورة الكاريكاتيرية قبل المقالات الأخرى.. بما تحمل من نكهة وسخرية محببة من الواقع.
كان أحد رواد هذا الفن الجميل، هو الفنان المعروف لدى العراقيين جميعاً (عامر محمد رشاد الجليلي) من مواليد الموصل 1945 الذي كان يرسم الكاريكاتير بشكل يومي، وبأفكار متنوعة لا تزال خالدة في أذهاننا.
فناننا الجليلي، الذي عشق فن الرسم منذ طفولته، لتتحول بعدها إلى الإحتراف سنة 1967 حيث عمل رساماً لأغلب الصحف العراقية، وكان يحضر كمستمع إلى دروس الرسم في معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد1971 ليتفرغ رساماً لجريدة الثورة.
في سنة 1974 أقام معرضه الشخصي الأول على قاعة المركز الثقافي الفرنسي، لتتوالى معارضه على قاعات بغداد، أخرها كان على قاعة عشتارعام 1989 وفي سنة 1991 سافر إلى عمان ليعمل رساماً ومخرجاً فنياً في جريدة المسيرة الأردنية، وفي سنة 1984 أقام معرضاً في المركز الثقافي الملكي في عمان ثم انتقل إلى تونس ليعمل أيضاً رساماً ومخرجاً لمجلة إتحاد الكتاب التونسيين، وقد عرضت أعماله في عديد من قاعات العروض الفنية، كما ساهم في الفعاليات الإعلامية التي كانت ترعاها المؤسسات الثقافية التونسية، وفي سنة 2000 عاد إلى الأردن وعمل كرسام حر لأكثر من صحيفة عربية، وفي سنة 2001 أقام أخر معارضه في الجمعية الشركسية الأردنيه في عمان، فضلاً عن مشاركاته المتواصلة في مصر والأردن وتونس والمغرب وفرنسا ولندن واليابان وإيطاليا، كما وضع تصاميم دمى وديكور فيلمين لقسم برامج الأطفال في تلفزيون العراق وله عدد من الكتب التي تعتمد الرسم والشعر فضلاً عن مساهماته في أكثر من كتاب للأطفال وفي أكثر من بلد.
اقتنيت أعماله في متحف التراث الشعبي العراقي، ووزارة الثقافة الأردنية ووزارة الثقافة التونسية، وعوائل مغتربة، وجامعي الأعمال الفنية، وزينت قسم من أعماله عدد من صالات الفنادق والمطاعم الكبيرة مثل البستان في بغداد الذي وضعت فيه النواسيات، وفي تونس مثل فندق اللسبينالد في المنستير وهو موقع سياحي.
وتجربته الفنية طويلة، وهناك الكثير منها مؤجل، حسب حديثه، لحين ترتيب وضعه الجديد في إستراليا الأم التي رعت شيخوخته وأحتضنته.
عن فن الكاريكاتير الذي مارسه طويلاً.. يتحدث الجليلي، قائلاً: الكاريكاتير مادة إعلاميه تجمع بين النص الأدبي والأسلوب الفني المبسط ولكنها من السهل الممتنع, والكاريكاتير متشعب مثل باقي الفنون إذ أن بعض الرسامين يقدم لك لقطة بارعة تجعلك تتامل الفكرة التي تبهر وتثير الفكر والتأمل فيها، وهنالك شطر آخر من الرسامين يقدم لك مفارقات من الخيال اللا معقول وباسلوبه يقنعك بالفكرة ولكل رسام تميزه وخصوصية فلسفته, أما تجربتي مع الكاريكاتير فقد كانت حلوة في البدء, وسقم في الاخر!. وبلا مبالغة كادت تسبب لي الشيزفرونيا وعلى أثرها هجرت الكاريكاتير الا لبعض المواقف التي أعلنتها ضد الحروب (وطبعاً خارج العراق)، ومع عودتنا إلى بدايات ظهور إسم الفنان كرسام كاريكاتير أولاً، نجده يعبر عن ألمه لأن سمعته كفنان كاريكاتير طغت على سمعته كفنان متعدد الإهتمامات وغني التجربة، ويرد ذلك إلى كون الكاريكاتير أكثر تداولاً بين الناس وأشد تأثيراً عليهم، من خلال توفر فرص لنشر الناجح منه في الصحف اليومية والدوريات الأخرى، ولكنه مع إعتزازه بما أنجزه من لوحات زيتية ورسوم على الزجاج، يرى أن الكاريكاتير يبقى من أرقى الفنون ذات القدرات التعبيرية العالية، ويصفه بالفن “السهل الممتنع”، فهو بسيط في مظهره الخارجي، ولكنه فن صعب، يتطلب من الفنان قدرة عالية على التركيز، كما أنه لا بد أن يتوفر على دلالات عميقة ظاهرة أو خفية تفتح أمام المتلقي فضاءات مفتوحة للتأمل والـتأويل والمشاركة الوجدانية الحارة، ولعل من أهم خصائص فن الكاريكاتير ملامسته لآلام وآمال البشر، وغوصه في شواغل الإنسان وهمومه اليومية وما يدور في رأسه من تطلعات وأحلام.
أما عن تجربته الشخصية مع فن الكاريكاتير فيقول الفنان: لقد مارست هذا الفن في الواقع، إنطلاقاً من رغبتي الجامحة في مد الجسور بيني وبين الناس، والكاريكاتير هو فن ذو جانبين، الأول أدبي إنشائي (الفكرة) والثاني فني تنفيذي (الرسم) وهو فوق هذا فن مستقل بذاته له أساليبه وفنانوه المختصون، ولا شك أن هنالك صعوبة جمة يتطلبها أنجاز لوحة بسيطة يفهمها الجميع مع المحافظة على المستوى الجمالي، ويمكن أن نلمس بوضوح أن عدد رسامي الكاريكاتير هو أقل بكثير وكثير وكثير من الرسامين الآخرين.. لقد بدات رسم الكاريكاتير بحب وولع مبتدئا من مجلة الجندي أواخر العقد السادس من القرن المنصرم وأنتشرت رسومي في الصحف العراقية كصحيفة المنار ثم النور تلتها العمل الشعبي الإسبوعية وأحياناً في مجلة الفكاهة وصحيفة الأوبزرفر الناطقة بالانكليزية ومشاركات قليلة في مجلتي والمزمار وأخيراً صحيفة الثورة التي عملت فيها بعد أن غادرها صديقي الأستاذ بسام فرج، أنا والزميل عادل شنتاف (رحمه الله) بالتناوب والتي تركتها مع إنتهاء الحرب العراقيه الإيرانيه ثم تركت العمل فيها ولذت في بيتنا, في البدء كانت الفكرة حرة غير مقيدة تجمع بين النقد أوالفكاهة وموضوعها مشاكل المجتمع.. وكانت أصداء الكاريكاتير تنعكس على الناس بهجة وسرور, ورويداً رويداً بداء الضغط على الأفكار الحرة وأصبح تسيس الكاريكاتير فرضاً قسرياً تحت شعار كل شيء للمعركة.
هنا كانت ماساتي حاولت ترك عملي في الثورة فلم أفلح وبقيت أعمل تحت التهديد.. وكنت أقوم بعمل لا أقتنع به وأنفذ أفكاراً مفروضة لا اؤمن بها بل واشعر بالقرف منها, فما كان رسام الكاريكاتير يوما ما طبال للدكتاتورية.. وكنت اذ أشارك في معارض الكاريكاتير التي تشارك فيها النقابة خارج العراق أستثنى من السفر لمرافقة أي معرض فقد كان هنالك أخرين ممن لهم علاقة بالمخابرات لمثل هذه المهمات!.. وهكذا أجبرت على إطفاء جذوة الرغبة ولم يعد يثيرني هذا العمل وأستشهد حبي له وودعته الثرى شهيدا عن عمر تجاوز االربع قرن !.
وعن أعماله التي تتصف بتنوع وثراء لوني نظراً لتجربته الطويلة التي أمتدت إلى ما يزيد عن الأربعين عاماً، يقسمها الفنان عامر الجليلي إلى ثلاثة أقسام، على النحو التالي:
الأول: يأخذ الطابع العام فيه تجريد الأشكال البشرية والتعامل معها كايقاع موسيقى الإنسيابية يتناغم مع ما يحيط الشكل من ألوان تنسجم بشكل مدروس مسبقا وناتج عن تأمل متأنٍ, أما المضمون، فهو دلالات تعبر عن الحالات الإنسانية وتحكي طقوس الحياة اليومية، عبر مشاهد تفتح مغاليقها للمتلقي بعد مشاركته بالتأمل للمنتوج البصري الذي هو اللوحة.
وقد أعتمدت في اللوحات التي جاءت في هذا المسار على الزيت والكانفس، مستهلاً بذلك طموحاً لمشروع فني معاصر أشتغل عليه ليبقى في الذاكرة كمعالجات فنية لاسلوب متميز ومعاصر.
الثاني: أستلهمت من حكايا الليالي العربية “ألف ليلة وليلة” أكثر من ألف تخطيط بالحبر الأسود ونفذت قسماً قليلا منها كأعمال زيتية بأسلوب المنمنمة الذي أشتهر به الفنان يحيى الواسطي قبل ألف عام وكان آنذاك يمثل مدرسة أطلق عليها إسم “مدرسة بغداد”، ويحتفظ متحف اللوفر في باريس بعدد من أعماله.
أما تخطيطاتي فهي تحمل الخصوصية البغدادية، وتنعكس على بعضها تأثيرات خصوصيات مدن أخرى حتى أواخر السبعينات من القرن الماضي حيث سجلت بأمانة ما تبقى من أبنية وأزقة وطرز معمارية قديمة كانت معرضة للإندثار من شمال العراق ووسطه حتى جنوبه.. وتشكل هذه الإعمال مشروعاً تلفزيونياً ومشروع كتب ومشروع سلسلة أعمال زيتية لاكثر من معرض فني.
وفي مسيرته التي تجاوزت الربع قرن مع تجربة فن الدمى فهى الأخرى التي شدت من إهتمام فناننا عامر الجليلي، الذي تحدث عنها: تحول مرسمى الصغير في الكرادة إلى مشغل بعد أن لاقى معرضي الأول الذي كان بعنوان (الخشب واللون) في المركز الثقافي الفرنسي عام 1974 نجاحا كبيراً لم أتوقعه, وكان قد ضم أعمال جميعها على خشب ومن خشب, ورسمت على الخشب، وقمت بخراطة الخشب وتحويله إلى دمى ملونه تمثل الأزياء العراقية، وقد أقتنى متحف التراث الشعبي مجموعة الدمى, وكان مدير مركز التراث الشعبي حينها الأستاذ لطفي الخوري مؤسس مجلة التراث الشعبي، أول المشجعين لي على تطوير وتصنيع هذه الدمى بشكل إنتاجي كبير وقد نجحت التجربة وكانت الدمى مطلوبه بشكل دائم ولم نعد نتمكن من سد الطلبات لكثرتها، كما وأتسعت دائرة المتعاملين معي كالبيت العراقي وبعض المحلات التي تهتم بالتراث في نفس الوقت بدأت أضيف نتاجات أخرى كطباعة القماش الأسمر بلوحات فولكلورية مستمدة من التراث الشعبي مزينة بالشعر الشعبي ومن الف ليلة وليلة هي الأخرى لاقت نجاحاً جيداً… وكان طموحي أن أطور خبراتي في زيادة إنتاجها وتنوعها وسعيت لذلك.
وقد تطورت الدمى لتاخذ مسارها إلى قسم برامج الأطفال في تلفزيون العراق في نهاية السبعينات فاصبحت أبطال (فيلم التنين) وفيلم (جينه ياما جينه) الأغنيه الشعبية الرمضانية للأطفال والفلمين من إخراج عامر مزهر… ثم ختمت تجربة الدمى بحكاية (سلمان الكبير وسلمان الصغير) كتاب للأطفال للكاتب فاروق يوسف ومن منشورات دائرة ثقافة الأطفال، في مطلع الثمانينات.. وبدأ العد التنازلى, فقد أنعكست الحرب سلبيا على محطاتي الفنية وتوقفت الرحلة لتاخذ مساراً أخر فالحرب وحش أسطوري يلتهم كل شئ.. وهكذا ذهبت أحلامي ومشاريعي والدمى التي مثلت جميع أزياء الطيف العراقي في بطن هذا الوحش مع ما تحلى به من تمر العراق ونخيله وماشرب خلفه من مياه دجلة والفرات!.
وهكذا مسحت يداي الخاليتان على جدران الخيبة، وودعت هذه التجربة التي لم تسفر إلا عن تعلم عدد من الشباب هذه الصنعة وأتمنى ان يكونوا أستفادوا منها واستمروا بها.
ويتحدث الجليلي، عن فن المنمنمات التي مارسها بشغف، قائلاً: لم تثنيني هذه الخيبات التي سببها الغباء السياسي والحروب عن توقفي لذلك تحولت إلى السهل اليسير في المساحة والنقل والصعب العسير في تحويل أبيات من أشعار ألف ليلة وليلة ومن التراث العربي إلى منمنمات صغيرة بحجم (ورقة – اج 4) تحكي الرسوم معاناة الناس في وقتنا مسقطة على التراث في الزمن الغابر, بلغت الألف رسمة.. تلف بعضها وأستطعت المحافظة على البعض الأخر ولم يتاح لي نشر إلا عدد أصابع اليدين منها لقد كانت لاتجارى التيار السائد الذي شعاره الأنا.
عندما قررت مغادرة العراق وضعت هذه الرسوم في مغلف محكم وسلمتها لولدي ليحافظ عليها لحين ما يتصل به أحد لجلبها لي، وأما ماتبقى من أرشيفي فقد تركته في صناديق خشبيه على أمل الاستفادة منه فيما لوعدت.
وبدأت الرحلة من حدود العراق في طريبيل حيث تم مصادرة جميع أشيائي الخاصة وكانت قطعتي ملابس داخلية ومنشفي واحدة ومقص لتشذيب لحيتي وتكرمون نعال إسفنج, تخاصمت مع موظف الكمرك على المقص بشدة لأنه كان صدئاً ولايصلح للمتاجرة كما أدعى وتركت له النعال يعلسه وبقية الحوائج!…
آه ه ه ه ياوطني… نظر إلى المقص فراه لايستحق الإحتفاظ به فاعاده لي وعيناه تقدح تشفي. عند باب الخروج رميت حقيبتى الفارغة ووضعت المقص في جيبي..! ولم التفت خلفي من يومها، ولم أكن مصدقا أنى ساعبر الحدود وعبرت إلى أفق واسع جديد.
المحطة الأولى في الأردن تيسر لي العمل في صحيفة المسيرة كمصمم وصحفي ورسام وهي من صحف الظل وشاء الحظ أن يدعى مدير التحرير إلى العراق ضمن وفد حزبي لديه حصانة دبلوماسية لايتعرض للتفتيش فكلفته الإتصال بولدي ليسلمه (مغلف المنمنمات) وهكذا وصلني المغلف، وأتفقت مع دار نشر لطباعة أول كتاب من المنمنمات في الأردن وقبضت الثمن على أمل ان يطبع بعد ستة أشهر وغادرت إلى تونس، في تونس عملت في إتحاد الكتاب التونسيين مصمماً لمجلة الإتحاد التونسي للكتاب (المسار).وأعددت كتابين منمنمات عن الشعر التونسي الأول ترانيم وكان على نفقتي، والثاني تراتيل طبع عن طريق دار على بوسلامة وكنت قد أتفقت مع دار على بوسلامة على طباعة كتاب من كتب منمنمات الليالي وأبدى الكثير من الناشرين رغبتهم حينها في نشر كتبي غير أن تلك الرغبة تحولت إلى عزوف وهروب من مواجهتى وأعلمني أحدهم ان هنالك توصية من السفير العراقي بعدم التعاون معي لاني (حسب قول السفير) غير عراقي ويحظر التعامل معى !.
فعلا سبق رفضي لفكرة التعاون معهم وطبعا سيكون العمل مخبراً أو وسيطاً لهم وهكذا بدأت الأبواب تغلق أمامي.. ولم يتركوا لي خيار إلا ان أعود إلى رشاشي الكاريكاتير السلاح الذي يستفزهم ويفضحم ويعريهم وهكذا كان, وهكذا أستعدت الكتب من الناشرين بعد أن أخلوا بالاتفاق تجاوزوا الستة أشهر دون النشر.. وأحتفظ بها الآن أستمتع بها فهي ذكرى لأيام مضت أرادوا وقتها أن يعطلوا قدراتي ويدجنوني دجنهم الله في السجون والقبور.
أما أرشيفي فقد تركته في العراق بصناديق خشبيه نخرتها حشرة الأرضة فيما بعد, وكأنها أرادت ان تعينني على نسيان تأريخي, غير إنى وجدت بعض المجاميع الكاريكاتورية والصحف تبرع لي بها أصدقاء في الأردن وتونس البلدين الكريمين اللذين أمضيت فيهما أكثر من 15 سنة في رحلة البحث عن وطن بديل عملت خلالها كمصمم ورسام في مطبوعاتهما, فبالإضافة إلى الصحافة تركت كماً كبيراً من أغلفة الكتب والبوسترات المختلفة التوجهات، إضافة إلى معارض عدة كانت تختلف عن بعضها البعض من حيث المواد والتكنيك فرسمت على الزجاج وعلى الكانفس وأقمت معرضا رسمت فيه الليلي باللون الذهبي على صحون زرقاء كبيرة إضافة إلى جداريات لبعض الفنادق في المنستير, ذلك لاجل العيش والحياة والفن.
























