
ظواهر شاذة – عبد الجبار عبد الوهاب
وأنت تدخل أحد شوارع المدينة التاريخية ( شارع التربية ) وكأنك في أسواق المزايدات العلنية وساحات المناقصات تسمع سوى السرية , فلم فوضى الأصوات العالية المبحوحة , ولم تشعر بشيء سوى زحام المواطنين المتسوقين والمرضى المراجعين لعيادات الأطباء , والمتفرجين من ذوي التسريحات ( المعاصرة ) والمتصيدين في الماء ( القذر ) .
في هذا الشارع يتبارى المنادون والدلالون لبيع السلع والمواد البائرة بأقل الأسعار حتى أن بعضهم ولتفاهة أسعارها ينادي ( بلاش … بلاش ) . وآخر ينادي ( تنزيلات … تنزيلات .. شحاطات نسائية … رجالية … ولادية .. من خمسة آلاف إلى ثلاثة آلاف )
وآخرٌ يصيح بأعلى صوته ( سلعة .. بألف .. بألف ) وثالث ورابع …. الخ وهّمُ هؤلاء تصريف بضاعتهم بأقل الأسعار والأرباح من أجل توفير قوته وقوت عائلته اليومي .
الذي جلب انتباهي من تلك الأًوات العالية المخجلة والمخزية وجود دلالين ينادون ( بورد .. اختصاص … الخ ) وآخرٌ ينادي بألم ( باطنية … صدرية … مجاري بولية ) وثالث ينادي بحرقة ( حنجرة … أذن .. أنف … أسنان ) وسط فوضى هذه الاختصاصات العلمية تمنيتُ أن أسمع من ينادي ( باطنية … صدرية .. أذن … عيون … أسنان ) بخمسة آلاف دينار بدلاً من العشرين للفقراء والأرامل والينتامى والشهداء , ومن ينادي ( عيادة الدكتور زيد مجاناً هذا اليوم ) …. الخ
إذ من المفروض . وخاصةً في مهنة الطب , أن يسمو الأطباء فوق مهنتهم وأجورهم ليشار لزيد بأنه طبيب إنساني وعمرو طبيب رحماني .
اولا تختلف هذه الممارسات ولكن بشكل مغاير , عماّ يجري في مهنة المحاماة من ممارسة لا تليق ( بالقضاء الواقف ) من بعض المحامين الذين شكلوا مجموعات ( كروب ) على غرار مجموعات ( الفيس بوك ) وارتبطوا مع بعض الوسطاء والدلالين لقاء إعطاء نسب معينة من أتعاب المحاماة مقابل ليجاد فرص الحصول على الدعاوى .
وإني أرى أن مثل هذه الممارسات لا تليق بأهم مهنتين إنسانيتين , تمنينا من الأولى الأجور المتواضعة , ومن الثانية السلوك المهني الذي نص عليه قانون المحاماة .
ومع هذا فإن مسؤولية الحفاظ على هيبة المهنة تقع على عاتق مجالس والهيئات الادارية للنقابات من خلال الرقابة الادارية وتحديد الأجور وتطبيق ضوابط السلوك المهني للمهنة ومحاسبة المخالفين وبدون هذه الإجراءات سوف تنحدر هذه المهن وغيرها من المهن الأخرى إلى مستويات تجارية ربحية بعيدة عن التعامل الإنساني والتغييرات التي تحصل في المجتمع وتتطلبها تغيرات الحياة المعاصرة .
وأخيراً آملُ من الجميع وضع هذه المهن في الاعتبار الاجتماعي لما لها من علاقة أساسية في بقاء المجتمع من الناحيتين الصحية والقانونية .
وكلي أمل أن تقرأ أو تسمع أن الجهات المسؤولة أصدرت تعميماً لمنع هذه الممارسات السلبية التي تخالف الذوق العام والسلوك المهني لهذه المهنة أو تلك , علماً بأن هناك الغالبية الواسعة من المهنتين المذكورتين من احترم مهنته وساعد الآخرين ,
آملين الاقتداء بهم حفاظاً على هيبة المهنة ورسالتها .


















