طلال سالم الحديثي.. صوار على طريق النقد

طلال سالم الحديثي.. صوار على طريق النقد

ماجد الكعبي

 في ذؤابة سنوات الخمسينات ، كان طلال الحديثي تلميذاً في السنة الثالثة من مرحلة الدراسة المتوسطة ، وحينها كان شغوفاً بمطالعة الكتب الأدبية والروايات والقصص ، وتجمعت مجموعة منها صارت فيما بعد نواة مكتبته التي توسعت ، وتحولت إلى مكتبة يؤبه بها في مدينته . في ذلك الحين نشر الحديثي أول مقالة عُدت في حقل النقد ، وكان موضوعها إستدراك على مقالة نشرها الدكتور جلال الخياط حول مصادر دراسة الشعر العراقي . وقد وجدها الحديثي مقالة ناقصة إذ أهملت عدداً يؤبه من أسماء الشعراء العراقيين وغفلت عن مصادر مهمة في دراسة الشعر العراقي ، وقد نشرت المقالة في مجلة الأديب اللبنانية التي نشرت مقالة الدكتور الخياط .

وقد عقب الأستاذ الباحث والشاعر العراقي هلال ناجي على مقالة الحديثي وعجب أن يكتب كاتب مغمور ( يقصد الحديثي ) مقالة يستدرك على متخصص كالدكتور جلال الخياط هذا النقص الملحوظ في أسماء الشعراء ومصادر دراستهم .

وقد فتحت هذه المقالة الباب واسعاً أمام طلال الحديثي وشجعته على النشر في المجلات ، فوقعت أمام ناظريه قصيدة للمربي العراقي المرحوم علي الشوبكي فاستحسنها وكتب حولها مقالة وأرسلها إلى مجلة ( المعرفة ) التي كانت تصدر عن وزارة المعارف العراقية في عهد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ، وكانت قصيدة المرحوم الشوبكي بعنوان ( كأس الصدود ) ومقالة الحديثي بعنوان ( حول قصيدة كأس الصدود للشوبكي ) وقد نشرت المقالة نشراً يليق بها وأحتلت صفحات وسط المجلة مع صورة تخطيطية لفتاة ، والمفاجأة التي أسعدت الحديثي إضافة إلى نشر مقالته تمثلت في مكافأة أرسلتها المجلة بحوالة بريدية على عنوانه في متوسطة حديثة للبنين ، وكان الأمر حديث أهل قريته الذين لم يألفوا حينها مثل هذا الأمر .

وبعد أن واصل الحديثي دراسته الثانوية كان يراسل المجلات مثل مجلة الوادي لخالد الدرة ويشارك في مسابقاتها القصصية ، وينشر في جريدة الشرق البغدادية . حتى إذا أتم دراسته الثانوية وقبل في كلية الأداب أعوام الستينيات تهيأ له أن ينشر مع زميل له وبتشجيع من أستاذه المرحوم الدكتور داود سلوم كتابه الأول بعنوان ( شروح الأصفهاني في كتاب الأغاني ) وقد نشرته له دار يملكها صديق له .

وفي نهاية عام 1967 أصدر الحديثي كتاب ( صور من حياتنا الشعبية ) عن مكتب العلوجي والحجية بمقدمة المرحوم عبد الحميد العلوجي الكاتب التراثي والموسوعي ، وكان الكتاب من كتب التراث الشعبي المبكرة في المكتبة العراقية ، ويذكر أن الحديثي باشر الكتابة في موضوعات التراث بتشجيع من العلوجي وعزيز الحجية منذ عام 1963السنة التي نشر فيها مقالة عن السعلاة في مجلة التراث الشعبي التي كانت تصدر في بغداد بجهد فردي قبل أن تتحول ملكيتها إلى وزارة الإعلام فيما بعد .

وفي عام 1970 أصدر الحديثي كتابه النقدي الأول تحت عنوان ( مقدمة وستة شعراء ) ومحتواه مقدمة في قضايا الشعر ، تعريفه ولغته وصوره الشعرية وتأثره بالأسطورة والرمز، وغير ذلك من قضاياه ُكدراسة تطبيقية عن ستة من الشعراء وهم : حسب الشيخ جعفر وسامي مهدي وآمال الزهاوي وتركي الحميري وصادق الصائغ وحساني علي الكردي .

وقد أثنى على هذه الدراسة المبكرة في النقد الأدبي في العراق كل من الكاتب والفيلسوف العراقي مدني صالح ، والكاتب العراقي المرحوم يوسف نمر ذياب الذي كتب في مجلة الأجيال التي كانت تصدرها نقابة المعلمين مقالاً إستعرض فيه الكتاب وعده محاولة مبكرة في نقد الشعر العراقي .

وتتالت كتابات الحديثي في المجال النقدي والتي كان ينشرها في الصحف العراقية كالجمهورية والثورة وفي المجلات العربية كالعربي والآداب والأديب وفي صحف جزائرية كالشعب والنصر ، وفي مجلة الأقلام العراقية ومجلة آفاق ، وقد تجاوز عدد مقالاته المنشورة أكثر من خمسمائة مقال .

وفي المجال النقدي أصدر الحديثي عدة كتب عن شعراء عراقيين مثل كتاب : شعرية البساطة ، وشلال الشعر ، وأبدأ من وجعي، والطريق إلى القصيدة ، وزهرة اللغة ، وسحر الشعر وحديقة القرنفل . ومازال الحديثي يواصل جهده في مجال الكتابة وربما يتيسر لي استئناف الحديث عن مؤلفاته الأخرى التي تجاوزت الأربعين وهي مطبوعة في العراق وفي دمشق مقر إقامته المؤقت ، وعسى أن ينتفع قراؤنا من جيل الشباب بتجربة هذا الكاتب ويطلعوا على جهده الفردي الذي ينم عن تعشقه للكلمة التي أفنى زهرة شبابه في رحابها الطاهر .

وآمل أن يكون ماقدمته في هذه المقالة وافياً بالتعريف بكاتب عراقي لم ينل مايستحقه من ضوء يزيل عتمة الأهمال والتهميش .